الرئيسية | الوطن السياسي | طيبي غماري ـ الإسلاميون والسياسة في الجزائر

طيبي غماري ـ الإسلاميون والسياسة في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. طيبي غماري 
 
كتبت منذ مدة طويلة مقالا حول الحركة الاسلامية، قلت فيه أن ما تبقى من هذه الحركة السياسية في الجزائر يسير نحو العلمنة. وشرحت مظاهر علمنة العمل السياسي لهذه الحركة. يحتاج هذا الموقف اليوم إلى بعض التوضيح.
اولا لا ترتبط #علمنة من يسمون انفسهم بالحركة الإسلامية في الجزائر بتطورات تاريخية موضوعية، بحيث تصبح العلمنة ضرورة اجتماعية كما حدث في أوروبا في الماضي، وإنما تعود هذه العلمنة لدوافع استراتيجية سياسوية الهدف منها استعادة ثقة النظام وداعميه المباشرين من علمانيين وديموقراطيين، اي ان هذا التحول هو شكل من المناورة التي تريد بها هذه الحركة مخادعة السلطة من أجل كسب ثقتها علها تحصل على كوطة محترمة في توزيع المناصب والريع.
ثانيا يمثل هذا التحول نتيجة بائسة لقراءة الوضع العام الدولي، فبعدما تأكدت الحركة أنها لا تملك أية فرصة في محيط معاد، شرعت في هذه المناورة علها تثبت القطيعة مع الراديكالية الاسلامية، وفي الوقت نفسه تثبت التقرب من وحتى التشابه مع التيار العلماني والديموقراطي الحليف الأول والموثوق للغرب.
#الحسابات التي تنطلق منها الحركة في علمنتها تتأسس على نتيجتين مهمتين، النتيجة الأولى تتعلق بمكانة العلمانيين والديموقراطيين في المجتمع ووزنهم السياسي الذي يكاد يساوي الصفر لولا دعم السلطة، ففي كل انتخابات يدخلونها خارج مظلة السلطة تكون حصتهم لا شيء تقريبا. لكن مع ذلك يبقون دائما الجهة الموثوقة في نظر السلطة والقوى الخارجية أو على الأقل واحد منهما.
والنتيجة الثانية هي أنه في حال توفر جو ديمقراطي وحر يكون الإسلاميون أكثر تحضيرا من الناحية الشعبية من أجل حصد ثقة الناخب كما تبينه كل التجارب السابقة. هذه النتيجة لا تدل على قوة الإسلاميين بقدر ما تدل على طيبة المجتمع وتمسكه بقيمه التقليدية، وهي نتائج قابلة للتغير مع التجربة التي ستقنع هذا المجتمع بان من اختارهم ليسوا كما يضن، وهذه مسألة أخرى.
اذا #علمنة هذا التيار أو محاولة علمنته ليست نتيجة تطور موضوعي بل نتيجة مناورة سياسية، لأن ما ينتجه الإسلاميون من خطاب لا يدل على التطور بقدر ما يدل على التخلف والتراجع، فمنذ التسعينات لم تقدم هذه الحركة ما يمكن اعتباره كمرجع فكري، واكتفت بالمقابل بتقديم عشرات البهلاوانيين الذين يصلحون للتبراح أكثر مما يصلحون للتنظير والسياسة.
امام هذا الوضع، اي التمسك بالموقف الإسلامي التقليدي ومواجهة السلطة والغرب لصالح المجتمع، أو التحول إلى العلمنة ومواجهة المجتمع لصالح إرضاء السلطة والعامل الخارجي، اختار ما تبقى من اسلاميين العلمنة كأسلوب لكسب ثقة السلطة والمحيط الخارجي.
ادى هذا الاختيار إلى تحول #الإسلاميين إلى بهلونات يستعملون للتنكت والتندر بسبب خرجاتهم المقرفة والمتناقضة مع ما يعتقد انهم كانوا عليه. وهم يتحولون يوما بعد يوم إلى معاداة المجتمع والى كيان مرفوض بل كيان يزدريه العالم والجاهل. ولكن هل حصلوا مقابل خسارة ثقة المجتمع على ثقة السلطة والمحيط الخارجي؟
هنا المشكلة الحقيقية، ما لا يعلمه الاسلاميون، هو انه ليسوا هم من يفكر فقط، وعند اختيار استراتيجية ما كان يجب عليهم حساب مدى تقبلها من الجهة الأخرى التي هي بدورها تفكر وتفكر جيدا وبدهاء يفوق طريقة تفكير الإسلاميين بمئات المرات.
المبدأ الأول الذي تنطلق منه #السلطة وأجهزتها في التفكير هو أن لا ثقة في الاسلاميين، لأنهم يشكلون خطرا حقيقيا ضد عقيدة السلطة، وهي مقتنعة بان الاسلامي مهما قدم من تنازلات سيبقى هدفه الاستبدال لا التداول، ومن هنا فمنحه فرصة التداول، معناه انه سيستعمل التداول مرة واحدة ووحيدة والأخيرة لصالح استبدال يلغيها نهائيا، فالمسألة هنا هي مسألة وجودية.
المبدأ الثاني هو الحاجة الماسة للاسلاميين او على الاقل لحد أدنى منهم للحفاظ على #توازن القوة خاصة وأن العلمانيين والديمقراطيين يشكلون خطرا آخر عليها ان هم استفردوا بها، خاصة وأن هذا التيار له مكانة مرموقة في نظر العامل الخارجي، ومن ثم كان من الضروري الإبقاء على شيء من الإسلاميين كقوة موازنة لا غير.
ولهذا تستخدم السلطة ما تبقى من الإسلاميين ومنذ أزمة اثنين وتسعين كمكملات غذائية من نوع لاكتوفيبر المخفف للامساك. طوال حكم بوتفليقة عملت مخابر السلطة على تطوير عدة صيغ من اللاكتوفيبر حتى تضمن لنفسها خيارات متعددة أمام أزماتها المتنوعة، هناك لاكتوفيبر قوي وهناك الضعيف وهناك المحلى وهناك اللايت وهناك الخاص بالامساك الحاد وهناك الخاص بالامساك البسيط.
فعندما تصاب السلطة بالامساك اي الأزمة ويصبح من الصعب عليها مواجهة المجتمع أو جزء منه تلجأ إلى هذه المكملات لتحسين الهضم وتسيير الازمة، وبعد مرور الأزمة تعيد هذه المكملات إلى مكانها، اي مجرد حبوب شبه طبية تستمد #شهرتها من الاشهار المخل بالحياء الذي تسمح به السلطة لتقديمها كقوة في مجتمع لم يعد يراها إلا كالشيبانية تاع ضربة ضربة، سيك ضربة ضربة، اي ضرب من البهلوانية السامطة.

شوهد المقال 153 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نوري دريس ـ الغاية غير المعلنة : نريد برلمان ضعيف

د. نوري دريس  لا يمكن الجزم ان هذه هي النتائج التي كانت تريدها السلطة, ولكن المؤكد هو ان السلطة ارادت برلمانا ضعيفا, بواجهة جديدة, او ربما
image

مولود مدي ـ اكذوبة التغيير من الداخل

مولود مدي   لا يوجد ما يسمى ب "التغيير من الداخل" و "استغلال الهوامش المتاحة" التغيير هو مسألة شروط تاريخية ومسألة ميزان قوى بين السلطة والمجتمع، والسلطة
image

أحمد ختاوي ـ مدارات وبورتريهات الباحثة الأكاديمية ، الروائية ٔ الجزائرية المقيمة بكندا : أمال بن شارف : . لَسْلسة التشيؤ بمُمْكن الموئل ٔ

أحمد ختاوي  الباحثة والأكاديمية والروائية ، الشاعرة الدكتورة أمال بن شارف ، باعتبارها باحثة في الشأٔن التربوي (علم النفس المعرفي ) ، النفسي ( علم
image

ناصر جابي ـ الجزائر: بعض دلالات أرقام نسب المشاركة في الانتخابات

د. ناصر جابي  صعوبة نوعية الاقتراع الجديد الذي تبنته السلطة لأول مرة في الجزائر، المعتمد على قائمة النسبة المفتوحة، وكثرة الترشيحات الحزبية والمستقلة، التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ انتهت الانتخابات أما بعد مقاطعة الانتخابات

د. عبد الجليل بن سليم  في السياسة و فلسفة التغيير لا يوجد شيء إسمه حل ضرفي لكن الأنظمة المستبدة تؤمن بان الحل الضرفي قد يساعد !!
image

عثمان لحياني ـ ببساطة نفس الكتلة نفس السلوك

عثمان لحياني تبسيط الأمور يساعد على فهم الأمور، نفس الكتلة الناخبة بنفس القناعات والخيارات، وبنفس االسلوك الانتخابي، يعطي بالضرورة نفس النتائج، ويبقي نفس الفواعل السياسية في
image

رضوان بوجمعة ـ جسور للغد 7 سلطة أغلبية/الأقلية تنافي الديمقراطية وتهدد الوحدة الوطنية

د. رضوان بوجمعة  بعد أكثر من 70 ساعة عن غلق مراكز الاقتراع، خرج محمد شرفي مسؤول سلطة الانتخابات التي يقع مقرها بمحمية نادي الصنوبر، ومن قاعة
image

طيبي غماري ـ قراءة سريعة في انتخابات متسرعة

د. طيبي غماري  تكشف طريقة تسيير أو إخراج نهاية العرس الانتخابي على ضبابية الموقف بين مراكز القرار الأساسية، حيث لم تتمكن من حسم معركة السلطة لغاية
image

محمد هناد ـ سحب الاعتماد من فرانس 24

د. محمد هناد  نشرت وكالة الأنباء الجزائرية، نقلا عن وزير الاتصال، أن » الدافع وراء سحب الاعتماد، هو العداء الواضح والمتكرر للدولة الجزائرية ومؤسساتها وعدم احترام
image

العربي فرحاتي ـ كيف أتجاهل مزابل تاريخكم ..؟؟

د. العربي فرحاتي  يحلوا دائما لمن شاركوا وتسببوا في مآسينا ومآسي الشعب في التسعينيات من محترفي الكذب وجامعي الريع من المتمسلمين يعيبون علينا عند انتقادنا لترهاتهم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats