الرئيسية | الإفتتاحية | نجيب بلحيمر ـ "الأقلية" الضامنة للمستقبل

نجيب بلحيمر ـ "الأقلية" الضامنة للمستقبل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نجيب بلحيمر 
 
هل الذين يريدون التغيير "أقلية"؟ وأي جدوى من التمسك بهذا الأمل الذي صنعته السلمية مادامت "الأغلبية" مستقيلة أو ربما هي "سعيدة" بالوضع القائم؟
هذه أسئلة تبدو مشروعة رغم ما تنطوي عليه من شك وغضب.
حديث "الأقلية" و"الأغلبية" مضلل في كثير من الحالات، ويكفي أن نتمعن في الخطاب الرسمي لنعرف كيف يتم التلاعب حتى بالأرقام الرسمية لإيهامنا بأن الوضع القائم قدر محتوم لا مفر منه حتى وإن كان التذمر ظاهرا في كل مكان.
الأقلية التي تواجه المخاطر وتقدم التضحيات هي التي تصنع التاريخ دوما، ينطبق هذا على جميع الأمم ولا تخرق الجزائر هذه القاعدة، وفي مسار التغيير، الذي هو عمل تراكمي شاق ويستغرق وقتا طويلا، هناك دائما مرحلة التشكيك في عقلانية من يخاطرون ويضحون وفي جدوى ما يقدمونه من تضحيات، لكن التاريخ يخبرنا بأن تلك التضحيات جزء من التراكم الذي يكرس التغيير ويسرعه.
خرج الجزائريون في 22 فيفري 2019 بعد أكثر من عقدين من اليأس، كان هناك اعتقاد بأن الأمة استسلمت لقدرها الذي يمثله نظام متهالك وعصابات لصوص يدمرون البلد باسم الحكم، وقد كان أكثر الناس حماسا لما جرى في تلك الجمعة العظيمة هم أولئك الذين لم يتوقفوا يوما عن التعبير عن رفضهم للواقع وسعيهم إلى تغييره، وهؤلاء الذين كانوا أقلية قبل 22 فيفري عادوا أقلية اليوم في نظر السلطة وأتباعها الذين سطوا على السلمية وصادروها بعد سعيهم لتشويهها.
"الأقلية" لا تهتم بالعدد أو الكم ولا حتى بموازين القوة، إنها تركز على شرعية المطلب وعلى الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ.
ليست السلمية في صراع صفري مع "عدو"، بل هي سعي للبناء على أساس متين، ليست هناك قائمة لمن يجب الإطاحة بهم أو تصفيتهم، ولا بنك أهداف يجب تدميرها.. السلمية قبل كل شيء سعي لإنقاذ وطن مهدد بالتفكيك وأمة تواجه التقسيم والتشتيت، والعدو هنا أفكار خاطئة عن الوطنية والخيانة، ومفاهيم مغلوطة للحكم والفوضى والأمن والاستقرار.
التناقض بين منظومة الحكم والمجتمع لا يحتاج إلى دليل إثبات، وسؤال الجدوى الذي يقوم على استعجال جرد نتائج سنتين ونصف من السلمية يغطي على السؤال الأهم المغيب عمدا؛ هل يملك النظام البديل وهل لديه ما يقدمه غير الخراب والفشل؟ ترجح القوة الخشنة التي تستعمل دون حكمة وتبصر كفة السلطة ظاهريا، لكن الأمر أكثر تعقيدا مما يبدو، فالفشل في إيجاد الحلول يدفع بكثير من هؤلاء الذين يصنفون ضمن "الأغلبية"، المستقيلة أو الصامتة، للالتحاق بالأقلية وقد تتغير الصورة في أي لحظة.
التفاصيل متعبة، ومجاراة الأحداث اليومية تفقدنا القدرة على رؤية الصورة في مجملها، لكن الشك الذي ينتاب السلطة، ومخاطرتها بسياسة القبضة الأمنية تخبرنا بأزمة ثقة وغياب رؤية، وفي مقابل ذلك يظهر لنا هذا الإصرار على رفض الخضوع للأمر الواقع تجذرا عميقا للرفض والمقاومة والتمسك بالتغيير الذي بات شرط استمرار الدولة والأمة، وقد نكتشف يوما أن من حسن حظ الجزائر أن السلمية زودتها ب "الأقلية" التي ستحميها من الخراب وتضمن لها مستقبلا أفضل.

شوهد المقال 173 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نوري دريس ـ الغاية غير المعلنة : نريد برلمان ضعيف

د. نوري دريس  لا يمكن الجزم ان هذه هي النتائج التي كانت تريدها السلطة, ولكن المؤكد هو ان السلطة ارادت برلمانا ضعيفا, بواجهة جديدة, او ربما
image

مولود مدي ـ اكذوبة التغيير من الداخل

مولود مدي   لا يوجد ما يسمى ب "التغيير من الداخل" و "استغلال الهوامش المتاحة" التغيير هو مسألة شروط تاريخية ومسألة ميزان قوى بين السلطة والمجتمع، والسلطة
image

أحمد ختاوي ـ مدارات وبورتريهات الباحثة الأكاديمية ، الروائية ٔ الجزائرية المقيمة بكندا : أمال بن شارف : . لَسْلسة التشيؤ بمُمْكن الموئل ٔ

أحمد ختاوي  الباحثة والأكاديمية والروائية ، الشاعرة الدكتورة أمال بن شارف ، باعتبارها باحثة في الشأٔن التربوي (علم النفس المعرفي ) ، النفسي ( علم
image

ناصر جابي ـ الجزائر: بعض دلالات أرقام نسب المشاركة في الانتخابات

د. ناصر جابي  صعوبة نوعية الاقتراع الجديد الذي تبنته السلطة لأول مرة في الجزائر، المعتمد على قائمة النسبة المفتوحة، وكثرة الترشيحات الحزبية والمستقلة، التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ انتهت الانتخابات أما بعد مقاطعة الانتخابات

د. عبد الجليل بن سليم  في السياسة و فلسفة التغيير لا يوجد شيء إسمه حل ضرفي لكن الأنظمة المستبدة تؤمن بان الحل الضرفي قد يساعد !!
image

عثمان لحياني ـ ببساطة نفس الكتلة نفس السلوك

عثمان لحياني تبسيط الأمور يساعد على فهم الأمور، نفس الكتلة الناخبة بنفس القناعات والخيارات، وبنفس االسلوك الانتخابي، يعطي بالضرورة نفس النتائج، ويبقي نفس الفواعل السياسية في
image

رضوان بوجمعة ـ جسور للغد 7 سلطة أغلبية/الأقلية تنافي الديمقراطية وتهدد الوحدة الوطنية

د. رضوان بوجمعة  بعد أكثر من 70 ساعة عن غلق مراكز الاقتراع، خرج محمد شرفي مسؤول سلطة الانتخابات التي يقع مقرها بمحمية نادي الصنوبر، ومن قاعة
image

طيبي غماري ـ قراءة سريعة في انتخابات متسرعة

د. طيبي غماري  تكشف طريقة تسيير أو إخراج نهاية العرس الانتخابي على ضبابية الموقف بين مراكز القرار الأساسية، حيث لم تتمكن من حسم معركة السلطة لغاية
image

محمد هناد ـ سحب الاعتماد من فرانس 24

د. محمد هناد  نشرت وكالة الأنباء الجزائرية، نقلا عن وزير الاتصال، أن » الدافع وراء سحب الاعتماد، هو العداء الواضح والمتكرر للدولة الجزائرية ومؤسساتها وعدم احترام
image

العربي فرحاتي ـ كيف أتجاهل مزابل تاريخكم ..؟؟

د. العربي فرحاتي  يحلوا دائما لمن شاركوا وتسببوا في مآسينا ومآسي الشعب في التسعينيات من محترفي الكذب وجامعي الريع من المتمسلمين يعيبون علينا عند انتقادنا لترهاتهم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats