الرئيسية | الوطن الثقافي | وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أ.د .وليد عبد الحي
 
من بين الكتب التي قرأتها وتركت اثرا على نفسي ، بل وعدت له في مناسبات عدة ولعشرات المرات كتاب:
The Portable World Bible
الذي حرره Robert O.Ballou، وصدر للمرة الأولى عام 1944، وتمت اعادة طبعه حتى الآن 96 مرة ، وقد اعيد طبعه في بعض السنوات أكثر من خمس مرات. وأول معرفتي بالكتاب كان في معرض للكتب أقيم عام 1987 في جامعة هواري بومدين بالجزائر العاصمة، ، ومن يومها وأنا لا أمل من العودة لهذا الكتاب، بل اشفقت عليه لأنه اهترأ من تقليبي لغلافه وصفحاته.
يختلف عدد صفحات الكتاب طبقا لدور النشر المختلفة وطبعات الكتاب، لكنه دائما يتجاوز ال 600 صفحة، وهو يستعرض الأديان الرئيسية في العالم من خلال مختارات لأهم مبادئ كل دين، مع تعريف دقيق وموثق بزعماء او أنبياء كل دين، كما يضع أهم النصوص لكل دين، لكن الملفت أن كل الأديان مصدرها القارة الآسيوية فقط....ما دلالة ذلك ؟ امر يستحق التأمل.
وتتوزع فصول الكتاب الثمانية بين الأديان التي صنفها الكاتب في مجموعات ثلاث هي الديانات الهندواوروبية وتشمل الهندوسية والبوذية والزرادشتية، والمجموعة الثانية هي الديانات السامية وتشمل الديانات اليهودية والمسيحية والاسلامية، بينما اطلق على المجموعة الثالثة الديانات الطورانية وتشمل الكنفوشية والطاوية.
ويحاول الكتاب عرض إجابات كل دين عن عدد من المسائل المركزية هي:
1-عملية الخلق والخالق (الكون والانسان ) وتحديد من هو الخالق وصفاته .
2-كيف بدأ ظهور الانسان وبدأت الحياة ؟
3-لماذا تحدث الكوارث الطبيعية، وهل هي عقاب او صراع بين "الآلهة"؟
4-ما هي الأخلاق؟وكيف نحكم على فعل ما بأنه اخلاقي او غير أخلاقي؟
5-من هو الآخر؟ وكيف نتعامل معه( وفي رأيي ان هذا الجزء من الكتاب يستحق العناية الكبيرة رغم ان اجاباته موزعة بين الفصول)
6-أين يذهب الفرد بعد الموت ، وهل هناك عودة للظهور بعد الموت؟
7-ماذا بعد ذلك كله؟
يتناول الكتاب بعد المقدمة التي تبدأ من صفحة 3-16 كلا من الهندوسية(الصفحات 17-94)،البوذية(95-162)،الزرادشتية(163-218)،اليهودية (219-345)، المسيحية(346-436)،الإسلام( 437-482)، الكونفوشية(483-532)،الطاوية(533-576) ثم الخاتمة. أي أنه يغطي حوالي 98% من أديان سكان العالم.
أول ما لفت انتباهي في الكتاب السطر الأول في توطئة الكتاب والتي جاء فيها حرفيا " إن الدين الصحيح في المستقبل سيكون تحقيق كل أديان الماضي"..
ويتتبع الكتاب فكرة الله( بتسمياته وأوصافه وأعداده المختلفة عند كل دين)،ويحاول تحديد "الرؤية المشتركة" بينها،ويرى كيف تغيرت صورة الإله من مرحلة لأخرى خلال الثلاثة آلاف سنة التي يرصدها الكتاب، فمن ال"Mahavira's Jainism" التي تنكر وجود آلهة ولا تربط السلوك البشري بأي نوع من العبادة أو الشعائر،مرورا بغير المدرك في البراهمية أو "Atman في االأبنيشيد" او التاو في التاوية، إلى البوذية التي تقر "بآلهة" ولكنهم يحتاجون الخلاص شأنهم شان البشر، ورفض كونفوشيوس الحديث عن الله واستبدال ذلك بالحديث " عن سلوك البشر"، وتبدأ مرحلة الله بمواصفاته الأخيرة مع الزرادشتية التي ترى فيه راعي وحارس البشر ومصدر خيرهم...ثم تبدا مرحلة الإله الواحد مع المسيحية واليهودية والاسلام..
لكن الباحث يحاول أن يربط بين مسألتين هامتين الاولى صورة الله في كل دين ، ثم علاقة هذه الصورة ببقية تعاليم وقواعد كل دين، أي أن قواعد كل دين مشتقة من طبيعة الصورة للإله في كل دين كما يقول(وهذه الفكرة يبرزها الكاتب جيدا في صفحة 5 ثم يحاول اثباتها في بقية الدراسة) .
ويقارن الباحث نصوصا كثيرة جدا عند تناوله مفهوم الفضيلة والأخلاق في كل دين، ويرى درجة هائلة من التماثل بل أحيانا ما تكون نفس العبارات(كتلك التي تظهر في الطاوية والبوذية والمسيحية)، لكنه يخلص من هذا الجانب بالقول بان مشكلة الأديان في "تدخل البشر " في نصوصها وتكييفها طبقا لأهوائهم، ويبدو الباحث ميالا لمفهوم الدين عند "كارليل" صاحب نظرية البطولة(صفحة 11) وهو ما يظهر في بقية الكتاب,
ويغلب على الكتاب عرض النصوص المقدسة –كما هي في الاصل- التي تجيب على الموضوعات السابقة، مع بعض الشروح لبعض المفردات التي تبدو "ملتبسة" وما أكثرها.
ويحاول الكتاب ان يربط بين " النصوص " وبين البيئة التي ظهرت فيها، ويقدم فكرة " المعجزات" بانها قاعدة شائعة في كل هذه الأديان ، بل كثيرا ما دارت حول نفس الفكرة ولكن بصياغات تراعى البيئة، ولا يحاول الكتاب ترجيح نص او معجزة على غيرها. لكن الكاتب يقدم موضوع المعجزات في كل دين بطريقة مشوقة ، وسأتوقف عند إحداها، وهي الام العذراء، وكثيرة هي كتب الإنثروبولوجيا والتاريخ القديم التي اثارت تعدد الشخصيات (الحقيقية او الاسطورية) التي تتناول " معجزة" ولادة أطفال من أم عذراء(أي دون اب بشري)، والملفت للنظر ان هذه الروايات التي يعرضها الكتاب للام العذراء تعود لفترات سابقة على قصة المسيح بفترات طويلة بعضها يصل لعشرات القرون.
لعل كتاب استاذ التاريخ القديم في جامعة نيويورك ثوماس ماثيوس(Thomas F. Mathews) وعنوانه " صدام الألهة"(The clash of Gods) والصادر عام 1999 من ضمن الذين عقدوا مقارنات كثيرة حول كيفية الولادة بل وتاريخها (25 ديسمبر) وما رافقها من "إشارات واحداث" متشابهة... بل وخلال قراءتي لهذا الكتاب توقفت عند بعض تساؤلاته عن مدى مصادفة الاسم (ماري او مريم ام المسيح وبين مايا ام بوذا)، بل انه يربط بين ما يسمى في الطقوس البوذية والطاوية بين الإلهة " كاندالينا"Kundalini التي تشكل احد الطاقات الروحية التي تطبقها رياضة "اليوغا" وبين دخول الروح للرحم دون اتصال جنسي مباشر.وهو يحاول في ذلك ان ينظر للمسألة من منظور جديد وهو ما يوحي به العنوان الفرعي للكتاب" A Reinterpretation of Early Christian Art)،ويتسق منظور ماثيوس مع ما ورد في مجلدات (The Portable World Bible) الذي نتحدث عنه،حيث نجد النصوص الكاملة لمعظم الأديان التي ترد في سياقها قصة الولادة من الام العذراء، بل انهما يشيرا الى 32 حالة كلها قبل المسيح كما أشرت، كما هو حال : حورس (المصري)وكريشنا(الهندي) وديونيسيوس(اليوناني) وتموز(البابلي) ولاوتسي(الصيني) وزرادشت(الفارسي) وبوذا(الهندي) وميثرا(الفارسية) وكوتزلكتل( الأزتيكي)...الخ.
اخيرا..
يؤكد الكتاب ان الطريق الى الله ليست واحدة، لكن ارتباط البشر بالله هو ذاته رغم تباين "مفهوم الله" عند كل دين،،وسأتوقف عند نص يستحق التأمل ورد في نصوص Sri Ramakrishna وجاء فيه:
" كان العارف بالله والمحب لله يعبران احدى الغابات ، ولمحا عن بعد نمرا ، فقال العارف بالله : ليس هناك من سبب لكي نهرب ، فالله القادر على حمايتنا منه بكل تأكيد، فرد المحب لله :لا يا أخي تعال لنهرب ، لماذا نُقلق الله بما نستطيع ان ننجزه بقوتنا التي منحنا اياها ؟
من وجهة نظري ، فإني لا اشاطر الباحث اعتبار "الكونفوشية " دينا، فكونفوشيوس هو النقيض التام للطاوية وهو ما يتضح في سخرية كونفوشيوس من صفات الله عند لاوتسي ، وحواره المشهور مع لاوتسي(الطاوي) يدل على ذلك، فكونفوشيوس يقول مثلا:
- لدينا من المشاكل على الأرض ما يغنينا عن التفكير بالسماء
- أنا لا أعرفه (الله) ولكنه يعرفني
- إذا انتظمت الأرض تنتظم السماء
- اصل كل الاشياء في الطبيعة
اخيرا..
يشير الباحث في كتابه الى مؤتمر تم عقده في بوسطن في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لبحث المقارنة بين الأديان، وعندما قام أحد القساوسة ليتحدى إنْ وجدت نصوص بعمق وروعة النصوص الانجيلية ، نهض رالف ايميرسون (رائد الفلسفة المتعالية) وقال للقسيس" ملاحظاتك يا سيدي تدل على قِلة ما قرأت".
وهذا الكتاب جعلني أشعر "بقلة ما قرأت"......ربما.

شوهد المقال 252 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ اللقاح ضد الفيروس المؤامرة

د. عبد الجليل بن سليم  إلا في مجتمعنا تجد مغني يتكلم على أمور علمية، cheb tarik اللي غنى j'ai pas besoin de ta pitié و
image

وليد عبد الحي ـ الشرق الاوسط ما بعد أمريكا

أ.د. وليد عبد الحي قبل 25 سنة بالضبط ، وتحديدا في أكتوبر من عام 1996، في العدد 126، من مجلة السياسة الدولية التي ينشرها مركز الدراسات
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 127 حس السلمية الإنساني ومقدمات موجة رابعة مبكرة!

نصرالدين قاسم في الأسبوع السابع والعشرين بعد المائة من الحراك الشعبي المحاصر بترسانة السلطة الأمنية والقانونية في معظم ولايات الوطن، بلغ هيجان وباء كورونا وبطشه بالجزائريين
image

عبد الجليل بن سليم ـ سيكولوجية التجسس في دول الموز

د.عبد الجليل بن سليم  هذه الايام قالك أجري أجري المغرب يتجسس علينا ببرنامج جابتو من الدولة الغير شرعية و هز و حط، و ظهر هدوك الناس المختصين
image

وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

أ.د .وليد عبد الحي من بين الكتب التي قرأتها وتركت اثرا على نفسي ، بل وعدت له في مناسبات عدة ولعشرات المرات كتاب:The Portable World Bible
image

عبد الجليل بن سليم ـ التشيلي درس أخر في الإنتقال الديمقراطي

د. عبد الجليل بن سليم  قبل شهرين حدثت إنتخابات في التشيلي و هي إنتاخابات من أجل إختيار أعضاء المجلس التأسيسي من أجل صياغة دستور جديد للبلاد
image

طيبي غماري ـ بين شعب وشعب: ونار جهنم التي يريد المخزن اشعالها في شمال إفريقيا وجزر الكناري

د. طيبي غماري  مشكلة الدبلوماسيين العرب انهم لا ينطقون عن الهوى، وإنما هو وهي يوحى، من طرف الجهات التي تصنع المطر و الجو الجميل، ولهذا تأتي
image

عثمان لحياني ـ محمد سايكس بيكو... محاولة لفهم العقل المغربي

عثمان لحياني  كل الأنظمة في المنطقة المغاربية مسؤولة بقدر ما على الاخفاق في البناء وفتح المغاليق وايجاد المخارج وتفكيك الأزمات، من الطبيعي أن تأجيل فك المشكلات
image

بادر سيف ـ مع زرداشت في خلوته

بادر سيف         إلى الأعلى،،إلى ياس الجبل أريد أن ألهو و العب بفضيلة أسماءك المختارة لا بتلك العوالم التي أرعبت أناي أما الفضيلة الأرضية فهي مصونة
image

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01).

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01). المسؤولون يغالطون الوالي،، والوالي يقدم وعودا لم تتحقق. وزارة الصحة مسؤولة عن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats