الرئيسية | الوطن الثقافي | طيبي غماري ـ العلوم الاجتماعية بين التشويه المركب والكسل الممنهج

طيبي غماري ـ العلوم الاجتماعية بين التشويه المركب والكسل الممنهج

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.طيبي غماري
 
تتجاذب العلوم الاجتماعية في بلادنا بين تيارين كبيرين: التيار الشرقي المشكل من مجموع المبتعثين الذين تكونوا في المشرق في سوريا ومصر والعراق، وهم في حقيقة الأمر صورة مشوهة عن العلوم الاجتماعية الانجلوسكسونية، مشوهة لأن هذه المدرسة الشرقية ان صح تسميتها بذلك، تشكلت وبشكل كبير عن طريق ترجمات آلية عمياء للارث الاجتماعي البريطاني والأمريكي، دون أي وعي لمعنى النظرية ودور المفهوم في تشكل العلوم الاجتماعية. ونتيجة هذا التكوين المشوه الممزوج باديلوحية عربية بعثية وقومية اتجه هذا التيار عوض تطوير مفاهيم قادرة على قراءة وفهم وتفسير المجتمع وظواهره، نحو البحث عن تكوين علوم إجتماعية عربية تارة، وإسلامية تارة اخرى، ومحلية جزائرية تارة اخيرة، متجاهلا أهم مبدأ من مبادئ العلم الا وهو الكونية والانسانية، فالعلم لم يتشكل ابدا بهذا المنظور العنصري الا في كنف هذه المدرسة المشوهة، والكسولة، التي تحاول تعويض نقص القراءة والتفكير والاجتهاد في تطوير مفاهيم تعتمد كآليات لشرح وتفسير الظواهر، بالتركيز على الترويج لهذه المهمة المستحيلة التي تلتهم الجهد والحبر من أجل لا شيء تقريبا.
التيار الثاني وهو التيار الغربي، ولنقل التيار الفرنسي، لانه يتشكل في عمومه من المبتعثين إلى فرنسا، أسوأ ما في هذا التيار تعاليه المتاثر بالعنجهية الفرنسية على المجتمع وعلى كل المشتغلين بالعلوم الاجتماعية من غير المفرنسين، نتيجة هذا التعالي أصبح هذا التيار أكثر تطرفا من التيار الشرقي، لأنه يعتبر اولا أن المجتمع متخلف ولا يمكنه أن يخرج من تخلف الا اذا تحول إلى نسخة طبق الأصل للمجتمع الفرنسي، واول هذا خطوات هذا التحول يجب ان تنطلق من واد اللغة العربية المتخلفة والعاجزة لصالح اللغة الفرنسية التي لم يعد بمقدورهم الفهم بغيرها، وثانيا يعتبر كل المشتغلين بالعلوم الاجتماعية غير المفرنسين متخلفين بل اغبياء واميين، دون أن يقرؤوا لهم كلمة واحدة طوال حياتهم، وهو أيضا موقف عنصري يتناقض كلية مع الروح العلمية التي يتهمون خصومهم بالابتعاد عنها، لنحصل في النهاية على مدرسة ثانية مشوهة هي الأخرى وكسولة، تكتفي بتكرار مفاهيم وآراء مفكري العلوم الاجتماعية الفرنسيين، وكأنها قرآن لا يمكن الخروج عنه، وبهذا عجزت حتى هي عن تطوير اي مفاهيم قادرة على فهم وقراءة المجتمع وظواهره، فبالرغم من التعالي الذي يمارسونه ضد خصومهم لا تكاد تجد لهم إلا القلة النادرة اي بحث ذا قيمة مسجل في مجلة عالمية غير فرنسية أو في مركز بحث دولي غير فرنسي.
نتيجة هذه الازدواجية الهوياتية المازومة يقضي التياران كل وقتهم ومعظم جهدهم وجل كتاباتهم في سب بعضهما البعض، فتتحول المحاضرات التي تلقى على الطلبة في المقررات أو الملتقيات والندوات إلى "هدرة حمام" شكل من النميمة الأكاديمية التي أنتجت طلبة مشوهين يغذون بحماس وعن جهل مدقع صفوف كلا التيارين، يحسب قدرة كل تيار في النميمة الأكاديمية. طلبة بعيدين كل البعد عن إدراك قيمة ومعنى المنهجية العلمية وقيمة المفاهيم في العلوم الاجتماعية لأنهم لم يدرسوها اصلا، تشويه وكسل دفع بهؤلاء الطلبة إلى التخصص في تقنية النسخ واللصق كتقنية أساسية يغطون بها ضعف القراءة وضعف المنهجية.
ما هو الحل؟
الحل في هذا الوضع مستحيل، إذ لا يزال أمام النميمة الأكاديمية والنسخ واللصق سنين طوال، ولكنني في كل مرة اناقش موضوع جدل الثنائيات الغربية والشرقية عندنا، استحضر المدرسة الأمريكية التي أراها مختلفة عن النموذج الغربي الفرنسي الذي تأثر به الكثيرين عندنا. أهمية النموذج الأمريكي تكمن في قدرته على تطوير مفاهيم تتجاوز المفاهيم الفرنسية وتؤثر فيها، مفاهيم معدة لمحاولة فهم الظاهرة الاجتماعية الأمريكية. للوصول إلى إمكانية تكرار النموذج الأمريكي الذي تميز في كل شيء دون وصم نفسه بانه يرفع لواء مشروع امركة العلوم الاجتماعية نحتاج اولا وقبل كل شيء إلى تجاوز التشويه الشرقي والغربي ثم تجاوز الكسل الممنهج ووعي معنى المنهجية العلمية ومعنى ودور المفهوم بالنسبة للعلوم الاجتماعية، ثم نحتاج إلى الترجمة الواعية وغير الآلية لما كتب في كل مكان من العالم وليس لما كتب في فرنسا، ثم القراءة اولا قراءة كل ما كتب في مجال تخصصنا والقراءة لبعضنا البعض ونقد بعضنا البعض نقدا منهجيا علميا متحررا من متلازمة النميمة الأكاديمية المقرفة، وأخيرا تشجيع البحث وتجريب المفاهيم دون الاكتراث لاصلها ومنبتها، حتى ولو كانت غربية أو يهودية أو بوذية، ثم تقييم مدى قدرتها على فهم وتفسير ظواهرنا، وأخيرا تشجيع الكتابة باللغة العربية ثم باللغة الإنجليزية، لتقييم مدى كونية ما تم التوصل إليه من نتائج عن طريق هذه البحوث.
للاسف وبالنظر لما هو موجود الآن سيبقى التشويه المركب والكسل الممنهج، السمة الأساسية لمعظم المشتغلين في العلوم الاجتماعية من التيارين.

شوهد المقال 205 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ اللقاح ضد الفيروس المؤامرة

د. عبد الجليل بن سليم  إلا في مجتمعنا تجد مغني يتكلم على أمور علمية، cheb tarik اللي غنى j'ai pas besoin de ta pitié و
image

وليد عبد الحي ـ الشرق الاوسط ما بعد أمريكا

أ.د. وليد عبد الحي قبل 25 سنة بالضبط ، وتحديدا في أكتوبر من عام 1996، في العدد 126، من مجلة السياسة الدولية التي ينشرها مركز الدراسات
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 127 حس السلمية الإنساني ومقدمات موجة رابعة مبكرة!

نصرالدين قاسم في الأسبوع السابع والعشرين بعد المائة من الحراك الشعبي المحاصر بترسانة السلطة الأمنية والقانونية في معظم ولايات الوطن، بلغ هيجان وباء كورونا وبطشه بالجزائريين
image

عبد الجليل بن سليم ـ سيكولوجية التجسس في دول الموز

د.عبد الجليل بن سليم  هذه الايام قالك أجري أجري المغرب يتجسس علينا ببرنامج جابتو من الدولة الغير شرعية و هز و حط، و ظهر هدوك الناس المختصين
image

وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

أ.د .وليد عبد الحي من بين الكتب التي قرأتها وتركت اثرا على نفسي ، بل وعدت له في مناسبات عدة ولعشرات المرات كتاب:The Portable World Bible
image

عبد الجليل بن سليم ـ التشيلي درس أخر في الإنتقال الديمقراطي

د. عبد الجليل بن سليم  قبل شهرين حدثت إنتخابات في التشيلي و هي إنتاخابات من أجل إختيار أعضاء المجلس التأسيسي من أجل صياغة دستور جديد للبلاد
image

طيبي غماري ـ بين شعب وشعب: ونار جهنم التي يريد المخزن اشعالها في شمال إفريقيا وجزر الكناري

د. طيبي غماري  مشكلة الدبلوماسيين العرب انهم لا ينطقون عن الهوى، وإنما هو وهي يوحى، من طرف الجهات التي تصنع المطر و الجو الجميل، ولهذا تأتي
image

عثمان لحياني ـ محمد سايكس بيكو... محاولة لفهم العقل المغربي

عثمان لحياني  كل الأنظمة في المنطقة المغاربية مسؤولة بقدر ما على الاخفاق في البناء وفتح المغاليق وايجاد المخارج وتفكيك الأزمات، من الطبيعي أن تأجيل فك المشكلات
image

بادر سيف ـ مع زرداشت في خلوته

بادر سيف         إلى الأعلى،،إلى ياس الجبل أريد أن ألهو و العب بفضيلة أسماءك المختارة لا بتلك العوالم التي أرعبت أناي أما الفضيلة الأرضية فهي مصونة
image

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01).

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01). المسؤولون يغالطون الوالي،، والوالي يقدم وعودا لم تتحقق. وزارة الصحة مسؤولة عن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats