الرئيسية | أعمدة الوطن | نصرالدين قاسم ـ الجمعة 124 السلمية تُحبط مخطط تزييف الحراك وتحريف المسار

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 124 السلمية تُحبط مخطط تزييف الحراك وتحريف المسار

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 نصرالدين قاسم 
 

في الجمعة الرابعة والعشرين بعد المائة أسقطت السلمية ادعاءات السلطة وأثبتت أنها أصبحت إحدى القيم الثابتة لتجسيد الوحدة الوطنية وتكريسها في الواقع قولا وعملا.. قيمة حضارية مضافة جناها الجزائريون من ثمار الحراك الشعبي الحضاري. لقد تجددت صور وحدة الجزائريين وإيمانهم الراسخ بأن ماضيهم المجيد إرث مشترك وحاضرهم المرير معاناة واحدة، وخلاصهم في تآزرهم وتوادهم وتراحمهم لصناعة مصير آمن ومستقر يضمن لهم الكرامة، والحق الطبيعي في الحياة السعيدة، والحرية الكاملة في اختيار من يمثلهم ومن يحكمهم، ومن يحكم بينهم..
وفي مواجهتها لهذه التداعيات الحضارية المشرقة ضاقت السلطة ذرعا باستعراضات السلمية لطرق الاحتجاج المبتكرة، وحرص الجزائريين على تجسيد شعارات الحراك الخالدة "الجزائريون خاوة خاوة" ميدانيا بتنقلهم جماعات وفرادى إلى بلاد القبائل لمشاركة إخوانهم مسيرات الحرية بعد أن ضاقت بهم الأرض في مناطقهم وعجت بقوات الأمن وعناصر المخابرات مدججين بالآليات لخنق أنفاس المحتجين.
♦ الدولة ومنطق الفرد الناقم
حنق السلطة من هذه الصور الجميلة وصل حد الانتقام من أولئك المشاركين إخوانهم المسيرات "المباحة وغير الممنوعة" باعتقالهم في عين المكان وفي الحواجز الأمنية على الطرقات. لقد أثبتت السلطة أنها تقول ما لا تفعل، وتفعل عكس ما تقول.. وأكدت مرة أخرى بما لا يدع أي مجال للشك أنها تحولت بفضل ممارسات مشينة، ومن حيث تدري أو لا تدري، إلى معول لهدم الوحدة الوطنية أو الحيلولة دون تجليها في أبهى صورها الشعبية..
حنق تجاوز حدود المعقول ليصبح هوسا خطيرا أفقد السلطة القدرة على التمييز بين منطق الدولة ورد فعل الأفراد، وعقلانية المؤسسات وتجاوزات الأفراد.. فأصبحت تتصرف بمنطق رد فعل الفرد بكل حالاته النفسية وتجاوزاته لينتهي بها المطاف في الجمعة الرابعة والعشرين بعد المائة إلى تجريم تنقل الجزائريين في وطنهم ومصادرة حريتهم المكفولة دستوريا في ذلك..
♦ عتاة الاستئصال والعزة بالإثم
يعتقد عتاة الاستئصال في السلطة وأنصارهم من السياسيين مخطئين أنهم نجحوا في تغيير طبيعة الأزمة في البلاد بعد انقلاب أفريل ألفين وتسعة عشر الأبيض على الحراك الشعبي، تماما كما نجحوا في تغيير طبيعة أزمة العشرية السوداء بعد انقلاب جانفي ألف وتسعمائة واثنين وتسعين..
ليس سرا أن السلطة الفعلية سعت إلى احتواء الحراك الشعبي واستغلاله في إلغاء العهدة الخامسة وإنقاذ النظام، فيما عُرف "بمرافقة الحراك الشعبي"، ثم سرعان ما انقلبت عليه بحملات التفرقة العنصرية وخطاب الكراهية وفتيل الفتنة والتخوين ونظريات المؤامرة، وسيناريوهات الاختراق سعيا لتغيير طبيعته وتزوير مضمونه وتزييف حقائقه..
♦ "حادثتا الداحداحين" ومنعطف الحبكة
كانت تلك مقدمات بلغت حبكتها في حادثتي "الدحداحين".. دحداح "حركة رشاد الإرهابية" لتسليح الحراك ودحداح "حركة الماك الانفصالية" لبيع الأسلحة وتدبير عمليات تفجير ضد الحراك الشعبي، انتهت بتصنيف الحركتين تنظيمين إرهابيين والتعامل معهما على ذلك الأساس في اجتماع للمجلس الأعلى للأمن الهيئة الاستشارية المكلفة دستوريا وفق المادة 208، بتقديم آراء لرئيس الجمهورية حول المسائل المتعلّقة بالأمن الوطنيّ.
وعليه أصبح الحراك غير أصلي وغير مبارك، حراك أقلية.. ولأنه مخترق من طرف حركتين إرهابيتين فقد أصبح بالاستنتاج المنطقي، عملا إرهابيا يجب محاربته.. وتجريم كل الأعمال ذات الصلة به وذلك بسن قوانين تجرم العمل السياسي المعارض لطروحات السلطة واعتبار تقديم أي بديل أو اقتراح لتغيير النظام من قبيل الإجرام الذي يعاقب عليه القانون عقوبات مضخمة. بما في ذلك التنقل للعاصمة يوم الجمعة أو إلى منطقة القبائل أو حتى مساعدة عائلات معتقلي الرأي.
♦ الحل الأمني لتعميم الخوف
المسعى إذن واضح هو تغيير طبيعة الأزمة من حراك شعبي سلمي حضاري يطالب بتغيير النظام، حراك هزم السلطة بالحجة والبرهان وأعجزها على مواجهته، إلى حركة إرهابية تسعى لتدمير الدولة والدعوة للإطاحة بالنظام بطرق غير قانونية لتبرير المعالجة الأمنية بإشاعة الخوف والترهيب بين الجزائريين حتى يتخلوا عن حراكهم ويتنازلوا عن سلميتهم..
تماما كما حدث عقب انقلاب جانفي اثنين وتسعين بتحويل الأزمة من أزمة سياسية إلى قضية محاربة إرهاب.. أي من انقلاب عسكري على الإرادة الشعبية أثار غضبا ورفضا شعبيين تجلى في بعض الأحيان في أحداث مقاومة اتخذت أشكالا متنوعة من العنف (أسالت حبرا كثيرا وأثارت نقاشات واسعة لأن كثيرا منها يصعب تأكيد هويته، أو إثبات من يقف وراءه، وبعضه تثار حوله شبهات التحريك والترتيب)، المهم كان الهدف تغيير طبيعة الأزمة ومحتواها ووسمها بالإرهاب لتبرير سياسة الحل العسكري.. وفعلا نجحت الخطة وأصبح كذلك والبقية معروفة بكل تناقضاتها وقراءاتها المختلفة والمتباينة..
♦ السلمية مناعة سرمدية
قد تختلف القراءات والأحكام حول أحداث العشرية الحمراء وتفاصيلها، لكن في حالة انتفاضة الثاني والعشرين من فبراير ألفين وتسعة عشر السلمية، لا يختلف اثنان حول حقيقة ما جرى ويجري. لقد حقق الحراك لأول مرة في تاريج الجزائر الحديث عقب ثورة التحرير إجماعا وطنيا على ضرورة إحداث التغيير وما يزال متمسكا به.. وأنجز وحدة وطنية مكتملة الأركان لم تتحقق هي الأخرى منذ التفاف الجزائريين حول مبدأ الاستقلال والانعتاق من أغلال الاحتلال.
وهذه هي أكبر وأعظم انجازات الحراك الشعبي، التي منحته مناعة وحصانة فولاذية ضد محاولات التأثير والتغيير من الداخل أو التلغيم والتفجير من الداخل. ومكنته من إحباط محاولة تغيير مضمونه وتزييف طبيعته، إحباط حدث في قلب المنطقة التي أرادتها السلطة أن تكون ثغرة في خصر الوطن أي في خصر السلمية ودليلا على "أقلية" الحراك وبُعده الجهوي..
♦ التاريخ لا يعيد نفسه البتة
ولأن التاريخ لا يعيد نفسه هيهات مهما تشابهت أحداثه وتشابكت حيثياتها، مُنيت السلطة هذه المرة بهزيمة نكراء. في تيزي وزو أفشل الجزائريون خطة تزييف الحراك وتزويره لهدر دمه وتفريقه بين المناطق بداعي الجهوية والإرهاب والانفصالية.. في قلب المدينة رفع الجزائريون من كل حدب وصوب شعار تيزي وزو عاصمة الوحدة الوطنية. فشلت الخطة في تبديل طبيعة الأزمة وتغيير محتواها وإفراغها من مضامينها الحضارية، لكن السياسة المرصودة لها ما زالت سيدة الميدان.
فشل تغيير طبيعة الحراك وتحريف مضمونه، إخفاق آخر تحصده السلطة في سجالها مع السلمية الحضارية وإن في معركة غير متكافئة وبأسلحة متباينة، تملك فيها السلطة كل أدوات الزجر ومقدرات الدولة المالية والمؤسساتية.. الجمعة الرابعة والعشرون بعد المئة كانت نجم انتصار إضافي يرصع نياشين السلمية التي لا تملك في سجالها مع الاستبداد غير طبيعتها السلمية وشرف حرائرها وأحرارها وأحلامهم الجميلة وتطلعهم للحرية واستكمال الاستقلال مسلحين في ذلك بإيمانهم بعدالة قضيتهم وحقهم في تغيير نظام الفساد الذي يحكمهم.
 

شوهد المقال 384 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ الشرق الاوسط ما بعد أمريكا

أ.د. وليد عبد الحي قبل 25 سنة بالضبط ، وتحديدا في أكتوبر من عام 1996، في العدد 126، من مجلة السياسة الدولية التي ينشرها مركز الدراسات
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 127 حس السلمية الإنساني ومقدمات موجة رابعة مبكرة!

نصرالدين قاسم في الأسبوع السابع والعشرين بعد المائة من الحراك الشعبي المحاصر بترسانة السلطة الأمنية والقانونية في معظم ولايات الوطن، بلغ هيجان وباء كورونا وبطشه بالجزائريين
image

عبد الجليل بن سليم ـ سيكولوجية التجسس في دول الموز

د.عبد الجليل بن سليم  هذه الايام قالك أجري أجري المغرب يتجسس علينا ببرنامج جابتو من الدولة الغير شرعية و هز و حط، و ظهر هدوك الناس المختصين
image

وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

أ.د .وليد عبد الحي من بين الكتب التي قرأتها وتركت اثرا على نفسي ، بل وعدت له في مناسبات عدة ولعشرات المرات كتاب:The Portable World Bible
image

عبد الجليل بن سليم ـ التشيلي درس أخر في الإنتقال الديمقراطي

د. عبد الجليل بن سليم  قبل شهرين حدثت إنتخابات في التشيلي و هي إنتاخابات من أجل إختيار أعضاء المجلس التأسيسي من أجل صياغة دستور جديد للبلاد
image

طيبي غماري ـ بين شعب وشعب: ونار جهنم التي يريد المخزن اشعالها في شمال إفريقيا وجزر الكناري

د. طيبي غماري  مشكلة الدبلوماسيين العرب انهم لا ينطقون عن الهوى، وإنما هو وهي يوحى، من طرف الجهات التي تصنع المطر و الجو الجميل، ولهذا تأتي
image

عثمان لحياني ـ محمد سايكس بيكو... محاولة لفهم العقل المغربي

عثمان لحياني  كل الأنظمة في المنطقة المغاربية مسؤولة بقدر ما على الاخفاق في البناء وفتح المغاليق وايجاد المخارج وتفكيك الأزمات، من الطبيعي أن تأجيل فك المشكلات
image

بادر سيف ـ مع زرداشت في خلوته

بادر سيف         إلى الأعلى،،إلى ياس الجبل أريد أن ألهو و العب بفضيلة أسماءك المختارة لا بتلك العوالم التي أرعبت أناي أما الفضيلة الأرضية فهي مصونة
image

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01).

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01). المسؤولون يغالطون الوالي،، والوالي يقدم وعودا لم تتحقق. وزارة الصحة مسؤولة عن
image

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 126 الاجتماعية بعد السلمية الحل بالعنف ينذر بحرق البلاد

د.نصرالدين قاسم سجل الأسبوع السادس والعشرون من الحراك الشعبي الحضاري سلسلة من الأحداث تدين السلطة وتضعف حجتها، وتؤكد خطأ سياساتها وانحراف ممارساتها،وتقوي شوكة السلمية وتثبت صواب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats