الرئيسية | أعمدة الوطن | نصرالدين قاسم ـ الجمعة 123 ابتليت السرائر وانقلب السحر على الساحر

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 123 ابتليت السرائر وانقلب السحر على الساحر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 نصرالدين قاسم
 
حاصروا العاصمة ومعظم المدائن الكبرى لمنع مسيرات السلمية بالقمع الموغل في العنف، وأرادوا عزل منطقة القبائل لوسم الحراك بالطائفية والجهوية فتحولت المنطقة في الجمعة الثالثة والعشرين بعد المئة إلى مسرح لمسيرات وطنية تجلت فيها الوحدة الوطنية في أبهى صورها.
اللافتة التي حملها أحد المواطنين القادمين من الجلفة والتي كتب عليها "الجلفة.. تيزي وزو عاصمة الوحدة الوطنية"، اختصرت أبعاد التماهي في بوتقة الوطن، تصلح لتكون شعار هذه الجمعة المتميزة من مسيرات السلمية المحاصرة في معظم أرجاء الوطن..
♦ السلطة هي الخطر
لقد تأكد بما لا يدع مجالا للشك حتى لدى المريضة قلوبهم، وبلاد القبائل تؤم الحجيج الأحرار في مسيرات السلمية الخالدة، أن ممارسات السلطة هي الخطر الحقيقي الذي يهدد الوحدة الوطنية ويمس باللحمة الشعبية، ويعرض مستقبل الأمة للمجهول لولا فطنة الجزائريين ووعيهم الأسطوري، وإيمانهم بأن معاناتهم واحدة وحاضرهم واحد ومستقبلهم مشترك، وأن خلاصهم في قوة مقاومتهم السلمية، وقوتهم في وحدتهم وتآزرهم.
السلطة ومع مضيها قدما في تنفيذ ترتيباتها السياسية المطعون عليها، والأمنية المدانة دوليا رغم الإخفاقات المتتالية، وتمسكها بمنطق الإنكار والتظاهر بعدم الاكتراث والتأثر تشعر جيدا أنها في مأزق محاصرة في الزاوية بتوالي الخيبات وتراكم الهزائم.
♦ ودارت الدوائر
السلطة تعي جيدا أن ترتيباتها ومخططاتها التي وضعتها وستضعها مستقبلا لتجاوز أزماتها الماضية والحالية والقادمة لم تقدم حلولا ولن تقدم ولن تحلحل أزمة الشرعية التي تطاردها ولن تطفئ جذوة الغضب الشعبي، لكنها راسخة الاعتقاد أنها تمثل مخارج تملك إمكانيات فرضها أمرا واقعا بفضل تحكمها في مفاصل الدولة ومؤسساتها وتصرفها في مقدراتها العسكرية والمالية.
لكن السلطة تواجه لأول مرة وضعا جديدا يُشْكل عليها حتى تلك المخارج.. فالوضع لم يعد يتعلق بمطالب انفتاح على التعددية يمكن التحايل عليها بديمقراطية شكلية متحكم فيها كما حدث عشية أحداث الخامس من أكتوبر ثمانية وثمانين. والحال لم يعد حال فوز تيار سياسي غير متوقع يمكن الانقلاب عليه وشيطنته بتغيير طبيعة الأزمة التي خلفها الانقلاب كما حدث في الحادي عشر من جانفي عام اثنين وتسعين.. والنزاع لم يعد مع مقاومة طيف سياسي دخل دوامة العنف مع السلطة انتهى بحرب أهلية لم تبق ولم تذر..
♦ نظام متهالك
الوضع اليوم مع مطالب شعبية من مختلف الفئات والأطياف بتغيير النظام، أثبتت التجربة أنها عصية عن التحايل أو الخداع، وتجربة تفعيل الدستور ليست ببعيدة. والحال حال ثورة شعبية عارمة لا يمكن الانقلاب عليها، وورثة الراحل قايد صالح أدرى وأعلم. والنزاع اليوم بين سلطة انقلابية وحراك شعبي سلمي شامل وكامل فوّت على السلطة كل مكائدها ودسائسها لتفجيره أو تفتيته أو تصفيته أو إنهائه بالتخوين والفتنة والتفرقة العنصرية والاعتقالات وحتى بالعنف الممنهج.
وعلى ضوء ذلك فإن الحل الذي يؤجله النظام ويرفضه منذ إرساء أسس النظام العسكري في البلاد، سيجد نفسه يوما، قد يكون قريبا، على قبوله وفي ظروف يكون فيها أسوأ بكثير من مما كان عليه سلفا.. فكل المؤشرات توحي بوهن كبير أصاب قدرات النظام على مقاومة مطالب التغيير..
♦ الاستعداد للرحيل..
مظاهر الوهن بدأت تتجلى في تلاشي امكانيات النظام على التحشيد والتجنيد لتمرير ترتيباته، وانعكست على قدراته في إخراج استحقاقاته إخراجا محبوكا ومحكما يضمن له الحد الأدنى من إمكانيات الإقناع، وبالعربي الفصيح لم يعد النظام قادرا حتى على مواصلة تزوير استحقاقاته وترتيب نتائجها بالتحكم نفسه فما بالك باتقانها..
لم يعد متاحا للسلطة تقديم أية تنازلات من قبيل إجراءات تهدئة، تقنع الجزائريين بنجاعة الإصلاح أو التغيير، غير تقديم ما يقنع الناس بجديتها في الشروع في مسار رحيلها. ذلك لأن الحلول الجدية للأزمات المستعصية تبدأ بمعالجة أسباب الأزمة وليس مظاهرها أو أعراضها، والسلطة في الحالة الجزائرية جزء من الأزمة إن لم تكن هي الأزمة كلها.
♦ السلطة طرف خصم لا حكم
ثبات الثورة السلمية على مبادئها، وتمسكها بمطالبها المشروعة، وإصرارها على مقارعة السلطة بخيار السلمية رغم عنفها وعدوانيتها، يؤكد أن أي حل جدي وعملي للأزمة يجب أن تكون فيه السلطة، أو السلطة الفعلية أو من ترتضيه واجهة لها، طرفا فيه، وليس مشرفا عليه أو منظما له كما ظلت تفعل منذ الاستقلال، ولم تحصد البلاد منه إلا الفشل والخيبات المتتالية حتى تفاقمت الأزمة وظلت البلاد تتأخر وتهدر الفرص في حين تطورت أمم كانت دونها نموا وأقل ثروة.
إن أي حل للأزمة يجب أن يمر عبر حوار وطني حضاري جامع وغير إقصائي يشارك فيه الجميع سلطة ومعارضة وجمعيات وشخصيات وطنية.. حوار وطني تعهد رئاسته وتنظيمه وتسييره للجنة مستقلة من الحكماء المستقلين المشهود لهم بالقبول الشعبي ترشحهم الأحزاب والتنظيمات والنقابات والشخصيات ويزكيهم الشعب عبر حراكه ومسيراته السلمية .. وعندما تصبح القناعة مشتركة في قبول مبدأ الحوار الجامع غير الإقصائي المستقل عن السلطة وتأثيراتها يصبح تشكيل هذه اللجنة أمرا يسيرا، خاصة وأن الحراك هتف بالكثير من هذه الأسماء وكثير منهم مروا في دواليب الحكم..
♦ حراك شعبي.. لا أصلي ولا تايوان
حوار من هذا القبيل جدير بأن يضع البلاد على سكة التغيير الحقيقي، تغيير يمكن الجزائريين من اختيار الكفاءات والبرامج بكل حرية وديمقراطية ويضمن التنافس الحر السلمي الحضاري الشفاف والشريف بين الاقتراحات والبدائل من مختلف الأطياف السياسية..
مسيرات الوحدة الوطنية في بلاد القبائل في الجمعة الثالثة والعشرين بعد المائة كانت فاصلة كاشفة أماطت الادعاءات الزائفة، وأكدت أن الحراك الشعبي أحرص على الوطن وأأمن على وحدته وأوعى بمصالحه، لأنه حراك الأغلبية وليس حراك الأقلية، حراك شعبي لا مبارك ولا مذموم ولا أصيل ولا دخيل ولا أصلي ولا تايوان.
♦ الإرادة الشعبية لا مفر
صفات ابتدعتها السلطة وتملك كل حقوق ملكيتها الفكرية، واستحقاقاتها المطعون بشرعيتها أحق بها وأولى.. مسيرات الوحدة الوطنية الرمز، ومسيرات الأحياء والحارات والأزقة والأماكن الخالية من الأمن في ربوع الوطن الغالي أحرجت السلطة وسحبت منها زمام المبادرة وأخرست أبواقها وحاصرتها في إجراءتها الأمنية التي ستقودها مباشرة إلى باب مسدود لا منجى منه ولا ملجأ إلا بالعودة إلى الإرادة الشعبية، وإن غدا لناظره لقريب..
 

شوهد المقال 219 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ الشرق الاوسط ما بعد أمريكا

أ.د. وليد عبد الحي قبل 25 سنة بالضبط ، وتحديدا في أكتوبر من عام 1996، في العدد 126، من مجلة السياسة الدولية التي ينشرها مركز الدراسات
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 127 حس السلمية الإنساني ومقدمات موجة رابعة مبكرة!

نصرالدين قاسم في الأسبوع السابع والعشرين بعد المائة من الحراك الشعبي المحاصر بترسانة السلطة الأمنية والقانونية في معظم ولايات الوطن، بلغ هيجان وباء كورونا وبطشه بالجزائريين
image

عبد الجليل بن سليم ـ سيكولوجية التجسس في دول الموز

د.عبد الجليل بن سليم  هذه الايام قالك أجري أجري المغرب يتجسس علينا ببرنامج جابتو من الدولة الغير شرعية و هز و حط، و ظهر هدوك الناس المختصين
image

وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

أ.د .وليد عبد الحي من بين الكتب التي قرأتها وتركت اثرا على نفسي ، بل وعدت له في مناسبات عدة ولعشرات المرات كتاب:The Portable World Bible
image

عبد الجليل بن سليم ـ التشيلي درس أخر في الإنتقال الديمقراطي

د. عبد الجليل بن سليم  قبل شهرين حدثت إنتخابات في التشيلي و هي إنتاخابات من أجل إختيار أعضاء المجلس التأسيسي من أجل صياغة دستور جديد للبلاد
image

طيبي غماري ـ بين شعب وشعب: ونار جهنم التي يريد المخزن اشعالها في شمال إفريقيا وجزر الكناري

د. طيبي غماري  مشكلة الدبلوماسيين العرب انهم لا ينطقون عن الهوى، وإنما هو وهي يوحى، من طرف الجهات التي تصنع المطر و الجو الجميل، ولهذا تأتي
image

عثمان لحياني ـ محمد سايكس بيكو... محاولة لفهم العقل المغربي

عثمان لحياني  كل الأنظمة في المنطقة المغاربية مسؤولة بقدر ما على الاخفاق في البناء وفتح المغاليق وايجاد المخارج وتفكيك الأزمات، من الطبيعي أن تأجيل فك المشكلات
image

بادر سيف ـ مع زرداشت في خلوته

بادر سيف         إلى الأعلى،،إلى ياس الجبل أريد أن ألهو و العب بفضيلة أسماءك المختارة لا بتلك العوالم التي أرعبت أناي أما الفضيلة الأرضية فهي مصونة
image

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01).

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01). المسؤولون يغالطون الوالي،، والوالي يقدم وعودا لم تتحقق. وزارة الصحة مسؤولة عن
image

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 126 الاجتماعية بعد السلمية الحل بالعنف ينذر بحرق البلاد

د.نصرالدين قاسم سجل الأسبوع السادس والعشرون من الحراك الشعبي الحضاري سلسلة من الأحداث تدين السلطة وتضعف حجتها، وتؤكد خطأ سياساتها وانحراف ممارساتها،وتقوي شوكة السلمية وتثبت صواب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats