الرئيسية | أعمدة الوطن | نصرالدين قاسم ـ الجمعة 122 منطق "le jusqu'au-boutisme" الأهوج وحِلم السلمية المخرج

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 122 منطق "le jusqu'au-boutisme" الأهوج وحِلم السلمية المخرج

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 نصرالدين قاسم
 
"لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) – المائدة –
هذا ما قاله هابيل لأخيه قابيل في القصة المشهورة كما جاء في الذكر الحكيم. وما كان هابيل حسب الفقهاء والمفسرين ضعيفا أو مهينا بل كان أقوى من أخيه الكبير قابيل وأشدّ، وكان من السهل عليه أن يبطش به لو أراد ذلك ، ولكنه تورّع أن يقابل أخاه بالسوء الذي أراد منه، بل كان على خلق عظيم وسلم مبين.
العبرة من القصة الخالدة كما يجمع الفقهاء، أن آفة الأنانية ورذيلة الحسد والسوء والاستبداد بالرأي والهوى إذا تمكنت في النفس، وتأصلت فيها، أوردتها المهالك، وزينت لها البغي والعدوان، والإثم والطغيان.. مع الفارق طبعا في القياس والإسقاط والمآلات...
***
عندما قال قائد الأركان المرحوم قايد صالح، مخاطبا وزير العدل حافظ الأختام بلقاسم زغماتي بلسان فرنسي غير مبين:"Il faut aller jusqu’ au bout" "يجب المضي حتى النهاية"، لم يكن أحد يعتقد أن هذه العبارة لم تكن تعني وزير العدل وقطاعه فحسب، وأنها أصبحت عقيدة في ذهن القايد وجماعته الذين هندسوا تفاصيل الانقلاب الهادئ على الحراك الشعبي للالتفاف على مطالبه في التغيير وقصر العملية على إلغاء انتخابات العهدة الخامسة، والإعداد لمسار آخر يضمن بقاء النظام واستمرار منطق العهدة الخامسة دون صاحبها وبعض من حاشيته المقربة فقط.طر
♦ "le jusqu'au-boutisme" خارطة طريق
"الذهاب حتى النهاية" أصبح شعار برنامج سياسي بديل ومخطط لمواجهة الحراك الشعبي، وإنهائه بأي ثمن وبأي وسيلة.. منطق "الذهاب إلى النهاية بأي ثمن "le jusqu'au-boutisme"، هو ورقة طريق وخطة مضادة لتوجه الحراك الشعبي فرضت عدة قرارات أفرزت أمرا واقعا جديدا بقوة الترهيب بالاستناد لقوة المؤسسة العسكرية.
منطق "حتى النهايتية" دشن أولى محطاته بتفعيل صوري مزاجي للمادة 102 يضمن تغييرا سياسيا يسحب زمام المبادرة من فعاليات الحراك الشعبي ويلتف على مطالبه المشروعة.. ثم بحوار شكلي في محطة ثانية أشرفت عليه السلطة ووجهته لتزكية مخرجات وضعت سلفا وقبل تشكيل لجنة الحوار نفسها. حوار أردفته السلطة الفعلية وفق سياق "حتى النهايتية" وتنفيذا لمخرجات الحوار المزعوم بتشكيل سلطة انتخابات غير دستورية حلت محل هيئة مراقبة الانتخابات الدستورية قبل تعديل الدستور نفسه. سلطة مُنحت صلاحيات الإعداد للانتخابات وتنظيمها والإشراف عليها.. عُيّن رئيسها من طرف قائد الأركان مباشرة كما اعترف بذلك رئيسها محمد شرفي نفسه.
♦ استحقاقات مطعون عليها
وفي المحطة الرئيسية الثالثة شرعت السلطة الفعلية في تنظيم استحقاقات انتخابية افتتحتها بانتخابات رئاسية مرتبة أشرفت عليها سلطة الانتخابات غير الدستورية لأن الدستور الساري المفعول آنذاك كان يخول الإدارة صلاحية تنظيم الانتخابات وينص على هيئة لمراقبتها. لينتقل الرئيس "المنتخب" في استحقاق مشوب بمحاولات تزوير مضادة لغير مرشح الجماعة القوية في السلطة دفع ثمنها فيما بعد جنرالات أقوياء، إلى تمرير تعديل دستوري يمنح منصب الرئيس صلاحيات واسعة تجعل كل السلطات خاضعة لإرادته، ويخول لأول مرة دون شرط أو قيد ".. الجيش الوطني الشعبي الدفاع عن المصالح الحيوية والاستراتيجية للبلاد طبقا لأحكام الدستور"، ويسمح لأول مرة أيضا بتدخل الجيش الوطني الشعبي في الخارج..
عقب استفتاء دستوري قاطعه الجزائريون على غرار الرئاسيات التي سبقته، عمدت السلطة إلى حل المجلس الشعبي الوطني الذي لم تتحرج في استعماله لتزكية مختلف قراراتها، وأقرت انتخابات تشريعية مبكرة شهدت مقاطعة شعبية قياسية غير مسبوقة.
♦ قمع بقوة العنف وقوانين منافية للدستور
موازاة مع هذه المحطات لجأت السلطة إلى سن قوانين قمعية تصادر الحريات والحقوق الدستورية أو تضيق عليها، ترصد تهما بالإرهاب يمكن تكييفها مزاجيا على كل من ينتقد أو يعارض توجهات السلطة أو يحتج على قراراتها.. وأدخلت تعديلا خطيرا على قانون العقوبات يجرم النضال من أجل تغيير النظام السياسي.
إخفاق هذه الإجراءات والاستحقاقات في إقناع الثورة السلمية بجدواها رغم فرضها بالقوة، دفع السلطة إلى الإمعان في منطق "الجوسكو بوتيزم" باللجوء إلى تفعيل الخيار الأمني بالعنف البوليسي المفرط والتصعيد أكثر مع توالي الخيبات، لمنع مسيرات الاحتجاج في العاصمة وكبريات المدن الجزائرية، تمهيدا لإنهاء ثورة الشعب السلمية.. قمع كان مشفوعا برفع وتيرة الاعتقالات والمتابعات في حق المناضلين، والقسوة في المعاملة لترهيب الناشطين، ليتجاوز عدد سجناء الرأي مائتين وخمسين معتقلا
♦ فخاخ الاستدراج إلى العنف
أخطر ما في هذا المنطق أنه، مع تصعيد العنف الجسدي المفرط ضد المحتجين وعدم الحرج في الزج بالمئات في السجون بتهمة ممارسة حرية التعبير والاحتجاج لتصفية الحراك، بدأت الأحداث تتجه ، أو تبدو أنها تتجه نحو إقناع عموم المحتجين والرافضين لخيارات السلطة بأنه لا جدوى من السلمية، وتيئيسهم من أي مكسب يرجى من السلمية، وتعميم القنوط بين الفاعلين الحراكيين ودفعهم نحو خيار العنف المدمر بحجة أنه لم يعد ثمة أي أمل في مواصلة التمسك بالسلمية..
انطباع بدأ يتجلى في تكرار تساؤلات حول مستقبل الحراك وإلى متى والجزائريون يحتجون بمسيرات عقيمة لا تقدم ولا تؤخر ودعوات متعددة إلى ضرورة تغيير المنهجية.. منطق: "le jusqu'au-boutisme" لا يضيره في شيء انتقال من هذا النوع لأنه يرفع عنه كل حرج ويكفيه عناء الاجتهاد لإيجاد مصوغات البطش بالحركة الاحتجاجية وتجريم المطالب الشعبية.
♦ السلمية صمام الأمان
صحيح أن ماشهدته الساحة الوطنية في الأشهر الأخيرة من تجاوزات وانتهاكات جديرة بأن تخلف ردات فعل غير محسوبة وتدفع الشباب الغاضب إلى المقاومة والانتقام بما لا تحمد عقباه، خاصة في اشتباكات فض المسيرات الطلابية، ومسيرات الجمعة في العاصمة ووهران وعنابة وغيرها.. غير أن حكمة السلمية فوتت عن المغامرين الفرصة وتحملت ألم الاضطهاد والعنف المفرط وفضلت السجون على أن تجاري الشطط الحاصل أو تقاومه بأساليبه فأبعدت شبح العنف واستبعدت اللجوء إليه مهما كانت الإكراهات..
طيلة تلك الفترة المشوبة بالترهيب والاعتداءات والانتهاكات ظلت السلمية شامخة بقناعاتها ثابتة على موقفها متمسكة بقيمها الحضارية تردد في مسيراتها شعارا غاية في البلاغة والتعبير والعمق في الدلالة."بشوية بشوية نجيبوا الحرية ونديروا رايس عندو الشرعية"..
♦ "الشي المليح يطول..."
الإصرار على تمرير التشريعيات بنسبة متدنية تحرّج رئيس سلطة الانتخابات في ذكرها فكتمها، يعد أحد أخطر تجليات منطق الذهاب حتى النهاية الانتحاري. في انتظار آخر استحقاق وعدت السلطة أن تختم به بناءها صرح الجزائر الجديدة.. في الجمعة الثانية والعشرين جددت السلمية شعاراتها في كل ما أتيح لها من مسيرات ووقفات سلمية في ظل القبضة الأمنية، وأعلنت براءتها من سياسة "الذهاب حتى النهاية" ومخرجاتها وهتف الجزائريون "ما انتخبناش ما عندنا رايس ما عندنا مجلس"..
شعار الجمعة الثانية والعشرين بعد المائة "ما انتخبناش" يختزل الرد، ويعلن الرفض بالمختصر المفيد وينسف البناء المزعوم.. ويؤكد أن السلمية هي الأصل والفصل والفضيلة والمنجى والملجأ، وما دونها شطط وهرج ومرج وشر متربص وهوج.. والثورة السلمية لا تسمح بأن تُغتال، وإن لم ترد بمنطق العين بالعين، لأنها أكبر من العنف بكثير وتملك من الرِّفْق واللُّطْف واللِّين والأَمْن، والحِلْم ما يؤهلها لإفشال كل رهانات "le jusqu'au-boutisme" ومخرجاته وقد برهنت على كل ذلك في مختلف مراحل هذا المنطق طيلة عامين..
 

شوهد المقال 246 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ الشرق الاوسط ما بعد أمريكا

أ.د. وليد عبد الحي قبل 25 سنة بالضبط ، وتحديدا في أكتوبر من عام 1996، في العدد 126، من مجلة السياسة الدولية التي ينشرها مركز الدراسات
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 127 حس السلمية الإنساني ومقدمات موجة رابعة مبكرة!

نصرالدين قاسم في الأسبوع السابع والعشرين بعد المائة من الحراك الشعبي المحاصر بترسانة السلطة الأمنية والقانونية في معظم ولايات الوطن، بلغ هيجان وباء كورونا وبطشه بالجزائريين
image

عبد الجليل بن سليم ـ سيكولوجية التجسس في دول الموز

د.عبد الجليل بن سليم  هذه الايام قالك أجري أجري المغرب يتجسس علينا ببرنامج جابتو من الدولة الغير شرعية و هز و حط، و ظهر هدوك الناس المختصين
image

وليد عبد الحي ـ قراءة في الكتب المقدسة

أ.د .وليد عبد الحي من بين الكتب التي قرأتها وتركت اثرا على نفسي ، بل وعدت له في مناسبات عدة ولعشرات المرات كتاب:The Portable World Bible
image

عبد الجليل بن سليم ـ التشيلي درس أخر في الإنتقال الديمقراطي

د. عبد الجليل بن سليم  قبل شهرين حدثت إنتخابات في التشيلي و هي إنتاخابات من أجل إختيار أعضاء المجلس التأسيسي من أجل صياغة دستور جديد للبلاد
image

طيبي غماري ـ بين شعب وشعب: ونار جهنم التي يريد المخزن اشعالها في شمال إفريقيا وجزر الكناري

د. طيبي غماري  مشكلة الدبلوماسيين العرب انهم لا ينطقون عن الهوى، وإنما هو وهي يوحى، من طرف الجهات التي تصنع المطر و الجو الجميل، ولهذا تأتي
image

عثمان لحياني ـ محمد سايكس بيكو... محاولة لفهم العقل المغربي

عثمان لحياني  كل الأنظمة في المنطقة المغاربية مسؤولة بقدر ما على الاخفاق في البناء وفتح المغاليق وايجاد المخارج وتفكيك الأزمات، من الطبيعي أن تأجيل فك المشكلات
image

بادر سيف ـ مع زرداشت في خلوته

بادر سيف         إلى الأعلى،،إلى ياس الجبل أريد أن ألهو و العب بفضيلة أسماءك المختارة لا بتلك العوالم التي أرعبت أناي أما الفضيلة الأرضية فهي مصونة
image

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01).

هل أعلن قطاع الصحة الحرب على المرضى في تيسمسيلت؟؟ (الحلقة 01). المسؤولون يغالطون الوالي،، والوالي يقدم وعودا لم تتحقق. وزارة الصحة مسؤولة عن
image

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 126 الاجتماعية بعد السلمية الحل بالعنف ينذر بحرق البلاد

د.نصرالدين قاسم سجل الأسبوع السادس والعشرون من الحراك الشعبي الحضاري سلسلة من الأحداث تدين السلطة وتضعف حجتها، وتؤكد خطأ سياساتها وانحراف ممارساتها،وتقوي شوكة السلمية وتثبت صواب

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats