الرئيسية | أعمدة الوطن | نصرالدين قاسم ـ الجمعة 120 الإفراط في ممارسة العنف لتغيير معسكر الخوف

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 120 الإفراط في ممارسة العنف لتغيير معسكر الخوف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نصرالدين قاسم
 
للأسبوع الرابع على التوالي تنشر السلطة الآلاف من عناصر الشرطة وقوات الأمن في العاصمة وعواصم الولايات الكبرى، باستثناء ولايات منطقة القبائل لأسباب لم تعد خافية على أحد.. الانتشار رهيب ومرعب ليس لضمان أمن الأشخاص وحماية الممتلكات، وحفظ الاستقرار الاجتماعي والأهلي،كما هو منصوص في مهامها الجمهورية، إنما للحيلولة دون تنظيم مسيرات الحراك الشعبية السلمية المطالبة بتغيير النظام واحترام إرادة الشعب في اختيار من يحكمه بكل حرية وديمقراطية.. مسيرات لا تستدعي التدخل الأمني لأنها سلمية لا يُعتدى فيها على بشر ولا شجر ولا حجر، ولا تقطع فيها نبتة ولا تكسر فيه زجاجة ولا تؤذى فيه ذبابة..
• العنف أحد تجليات الخوف
في الجزائر المصنفة السادسة عالميا من حيث عدد أفراد الشرطة مقارنة بعدد السكان من قبل وكالة بلومبرغ الأمريكية، بأكثر من مائتي ألف عنصر ناهيك عن أسلاك الأمن الأخرى، لا يعكس الانتشار الأمني فيها مظهرا من مظاهر الأمن والاستقرار والطمأنينة والسكينة المجتمعية، بل عاملا من عوامل القلق الاجتماعي، ومؤشرا من مؤشرات اللااستقرار السياسي، ومظهرا من مظاهر الطابع البوليسي للنظام..
أذكر أني حضرت ذات يوم من عام ألفين وثلاثة اجتماعا للمدير العام للأمن الوطني العقيد علي تونسي رحمه الله مع مدراء الصحف الوطنية، نيابة عن السيد عبدالله قطاف، وسألته سؤالا محرجا ضد مجرى الحديث الدائر في الاجتماع، ظننت أنه سيغضبه فمهدت له بالقول إني اعتذر إليكم لأني سأسبح ضد التيار وأسألكم سؤالا قد لا يروقكم، يتعلق بعلاقة الجزائري بجهاز الشرطة والأمن بصفة عامة.
• علاقة مضطربة مأزومة
"السيد تونسي قد لا يخفى عنكم أن تلك العلاقة يشوبها كثير من الحذر والحساسية والتوتر في بعض الأحيان، فالجزائري وبعيدا عن المجاملات والرياء لا يشعر فعلا أن الشرطة في خدمته، وبالتالي لا يشعر بالأمان بحضور الشرطة، كما أن الشرطي عموما لا يشعر أنه في خدمة المواطن ولا يعتبر الزي الرسمي التزاما بتلك الخدمة إنما يعتبره امتيازا على المواطن، بل إن الشرطة في بعض الأحيان لا تلتزم بالقانون في تعاملها مع المواطنين فتقوم بأعمال تذكر الجزائريين بممارسات وتجارب مريرة."
أمالَ المرحوم رأسه ونظر إلي وقد كنا متحلقين حوله مشيرا برأسه بأنه لا يعارض السؤال ثم نظر إلى ضباطه الجالسين صفوفا في منصة مقابلة، وأشار إليهم بإصبعه هل سمعتم ماذا قال، ثم التفت إلي قائلا:"من أجل ذلك نظمنا هذا اللقاء، فنحن بصدد إعادة تنظيم عمل الشرطة فيما يسمى بالشرطة الجزائرية بتنظيم دورات تكوينية لعناصر الشرطة حتى تكون شرطة جوارية في خدمة المواطن بحق تضمن الأمن وحماية الأشخاص والممتلكات حتى تتغير هذه العلاقة التي تتحدث عنها.."
• السلطة وفطرة الجنوح للعنف
بعد نهاية اللقاء اقترب مني السيد بوحنة وقد كان مسؤول الإعلام بالمديرية وأشهد للتاريخ أنه كان رجلا مهنيا ويحسن العلاقة مع الصحافة والتعامل معها، أو كان يبدو لي كذلك.. قال لي مازحا :"والله عندما رفعت يدك للتدخل عرفت أنك ستفجر قنبلة من العيار الثقيل..." قلت له لكن السيد تونسي تفهم وعرف كيف يرد على السؤال، ولم يتنطع برفض الاستنتاج..
تذكرت الواقعة وأنا أتابع بأسف كبير جنوح قوات الأمن إلى ممارسة عنف غير مبرر، ولا داعي له واعتقالات بالجملة لمواطنين مسالمين من الجنسين ومن مختلف الأعمار والفئات، لا يمثلون أي خطر ولا يبدون أية مقاومة.. مشاهد تعيد ترسيخ علاقة التنافر والتوتر نفسها بين المواطنين وعناصر الأمن..
• انتقاما من الحراك العصي
السلطة التي كانت تسعى للتأسيس لشرطة جوارية تكون قريبة من انشغالات المواطن وفي خدمته، هي نفسها تستنكف على عقبيها لتكرس الصورة النمطية للشرطي في خلد الجزائريين، صورة القمع العنيف بلا رحمة والاضطهاد دون شفقة، صورة تتماهى وذكريات أليمة للجزائريين، وجراح لم تندمل.. ولا يمكن لأحد أن يدعي ما نقلته أشرطة مصورة عن عنف لا يصدق كانت حالات معزولة ولم تكن سياسة.
البطش الذي تمارسه قوات الأمن هو حلقة من سياسة ممنهجة، وتنفيذ أمين لأوامر تؤكدها نبرة العنف الذي أصبحت تميز خطاب السلطة تجاه حراك سلمي كانت تصفه بالمبارك عندما ركبت موجته لإحداث الانقلاب ومصادرة إرادة السلمية.. ثم سرعان ما انقلبت علية لأنه لم يبلع الطعم ورفض تزكية عملية تجديد النظام الفاسد من الداخل بطبائع الاستبداد نفسها.
• نظرة استعلائية دونية
الممارسات الشرطية والأمنية بصفة عامة، تتناقض تناقضا صارخا مع مبادئ التكوين ومناهجه، إنها تجسيد فعلي وتمرين "بالذحيرة" العنيفة لعلاقة السلطة مع أي توجه شعبي نحو التغيير، ممارسات تعكس نظرة النظام العسكري الدونية الاستعلائية التسلطية على الشعب واستخفافه بإرادته وحقه المقدس في اختيار من يحكمه بكل حرية.
ثقافة العنف متجذرة في النظام السياسي الجزائري المعادي لمبادئ الديمقراطية والحرية وفضائل الحوار الحقيقي البعيد عن كل تضييق أو توجيه أو احتواء.. واستعداد عناصر الشرطة والأمن بصفة عامة التصرف عكس ما تلقوه من تكوين وفق المبادئ القانونية والأطر الدستورية، وعدم تشبعهم بقيم الجمهورية وأخلاقية المهنة والانصياع لموجبات الخدمة العمومية في إطار احترام الكرامة الإنسانية وحرمة الإنسان الحسدية، قد يجد تفسيره في دواع اجتماعية وعوامل نفسية تتعلق بالتركيبة البشرية للأسلاك الأمنية لا يملك ناصية تحليلها إلا المختصون..
• قرر الشعب فلا مفر
الجمعة العشرون بعد المائة وضعت النقاط على الحروف وباللون الداكن أن الإسراف في القمع والمعالجة البوليسية للاحتجاجات السلمية والمغامرة بالوحدة الوطنية، واعتقال المحتجين وتوظيف العدالة لإدانة أبرياء بتهم واهية تستحي الأمم المتحضرة في اعتبارها مدعاة لاعتقال شخص ناهيك عن محاكمته وسجنه، تعمق أزمة الأمن في البلاد، وتؤجل الحل وتفوت المزيد من الفرص، وتهدر المزيد من الجهد والمال، ولن تطفئ جذوة الثورة ولا تخمد نيران الغضب ولا تضمن للنظام الاستمرار والبقاء في الحكم...
أقصى ما يمكن أن يحققه الخيار الأمني التأثير على زخم الحراك، ومليونياته ويُحوّلُه إلى مسيرات شعبية في الأحياء بعيدا عن بطش قوات القمع، وتنظيم الانتخابات بأي ثمن وإن بمشاركة المشرفين على تنظيمها فقط.. السلطة ما زالت تتعامل مع الثورة الشعبية على أنها احتجاج فئة، أو جهة وتسعى بكل ما أوتيت من جبروت وإمكانيات سياسية ومالية وأمنية وقضائية ودعائية لجعلها كذلك، وتتوهم أنها ستقضي عليها ولا تريد أن تقتنع بالحقيقة الساطعة المانعة بأن الغضب عارم غضب جامع لشعب يريد استرجاع قراره ومصيره وحريته، موعود بالنصر والاستجابة، ويد الله مع "الجماعة"..

شوهد المقال 154 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نوري دريس ـ الغاية غير المعلنة : نريد برلمان ضعيف

د. نوري دريس  لا يمكن الجزم ان هذه هي النتائج التي كانت تريدها السلطة, ولكن المؤكد هو ان السلطة ارادت برلمانا ضعيفا, بواجهة جديدة, او ربما
image

مولود مدي ـ اكذوبة التغيير من الداخل

مولود مدي   لا يوجد ما يسمى ب "التغيير من الداخل" و "استغلال الهوامش المتاحة" التغيير هو مسألة شروط تاريخية ومسألة ميزان قوى بين السلطة والمجتمع، والسلطة
image

أحمد ختاوي ـ مدارات وبورتريهات الباحثة الأكاديمية ، الروائية ٔ الجزائرية المقيمة بكندا : أمال بن شارف : . لَسْلسة التشيؤ بمُمْكن الموئل ٔ

أحمد ختاوي  الباحثة والأكاديمية والروائية ، الشاعرة الدكتورة أمال بن شارف ، باعتبارها باحثة في الشأٔن التربوي (علم النفس المعرفي ) ، النفسي ( علم
image

ناصر جابي ـ الجزائر: بعض دلالات أرقام نسب المشاركة في الانتخابات

د. ناصر جابي  صعوبة نوعية الاقتراع الجديد الذي تبنته السلطة لأول مرة في الجزائر، المعتمد على قائمة النسبة المفتوحة، وكثرة الترشيحات الحزبية والمستقلة، التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ انتهت الانتخابات أما بعد مقاطعة الانتخابات

د. عبد الجليل بن سليم  في السياسة و فلسفة التغيير لا يوجد شيء إسمه حل ضرفي لكن الأنظمة المستبدة تؤمن بان الحل الضرفي قد يساعد !!
image

عثمان لحياني ـ ببساطة نفس الكتلة نفس السلوك

عثمان لحياني تبسيط الأمور يساعد على فهم الأمور، نفس الكتلة الناخبة بنفس القناعات والخيارات، وبنفس االسلوك الانتخابي، يعطي بالضرورة نفس النتائج، ويبقي نفس الفواعل السياسية في
image

رضوان بوجمعة ـ جسور للغد 7 سلطة أغلبية/الأقلية تنافي الديمقراطية وتهدد الوحدة الوطنية

د. رضوان بوجمعة  بعد أكثر من 70 ساعة عن غلق مراكز الاقتراع، خرج محمد شرفي مسؤول سلطة الانتخابات التي يقع مقرها بمحمية نادي الصنوبر، ومن قاعة
image

طيبي غماري ـ قراءة سريعة في انتخابات متسرعة

د. طيبي غماري  تكشف طريقة تسيير أو إخراج نهاية العرس الانتخابي على ضبابية الموقف بين مراكز القرار الأساسية، حيث لم تتمكن من حسم معركة السلطة لغاية
image

محمد هناد ـ سحب الاعتماد من فرانس 24

د. محمد هناد  نشرت وكالة الأنباء الجزائرية، نقلا عن وزير الاتصال، أن » الدافع وراء سحب الاعتماد، هو العداء الواضح والمتكرر للدولة الجزائرية ومؤسساتها وعدم احترام
image

العربي فرحاتي ـ كيف أتجاهل مزابل تاريخكم ..؟؟

د. العربي فرحاتي  يحلوا دائما لمن شاركوا وتسببوا في مآسينا ومآسي الشعب في التسعينيات من محترفي الكذب وجامعي الريع من المتمسلمين يعيبون علينا عند انتقادنا لترهاتهم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats