الرئيسية | أعمدة الوطن | نصر الدين قاسم ـ الجمعة 118 الجزائر.. من الدولة المزرعة إلى الدولة الثكنة

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 118 الجزائر.. من الدولة المزرعة إلى الدولة الثكنة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نصرالدين قاسم
 
عندما عُين بوتفليقة في منصب رئيس الجمهورية تفاءل بعض الجزائريين خيرا، واعتقدوا أن الرجل يحمل فكرة عن النظام، ويمثل حلما بإحداث التغيير، لأنه صنيعة النظام الذي أقصاه ثم انتشله واستدعاه. بوتفليقة نحج إلى حد ما في تحييد عتاة الفتنة من جنرالات المؤسسة العسكرية واستعمل بعضهم الآخر وعرف كيف يضرب بعضهم ببعض حتى دنت له البلاد بكل ما حوت.
♦ بوتفليقة ضحية غروره
بعد العهدة الأولى أصبح بوتفليقة هو الأول والآخر في البلاد لا ينازعه في حكمها والتصرف فيها أي شخص ولا طرف ولا مؤسسة. وعوض أن يجتهد الرئيس في إرساء دولة القانون والحريات اعتبارا لما عاناه عقب وفاة الرئيس هواري بومدين الذي يعود إليه الفضل في إرساء دولة الانقلاب العسكرية، استحب بوتفليقة إرضاء غروره بالانتقام لنفسه ولكبريائه، ووضع البلاد والعباد في خدمة نزواته وأهوائه..
نجح الرئيس المخلوع في تحويل البلاد بعد سنوات الحرب الأهلية إلى مزرعة خاصة لعائلته وشرذمة من البطانة التي صنعها من العدم، لتكون له عونا وسندا.. لقد عاث بوتفليقة وآله في المزرعة فسادا، وصنعوا لأنفسهم شبكة من المنتفعين منهم رجال المال والأعمال (ونساء أيضا) كثير منهم في السجون، ورجال ونساء الإعلام.. واستخلص الرئيس لنفسه توزيع ثروات البلاد على مقربيه وأصحاب الفضل عليه ممن أنجدوه في ساعة العسرة من آل كونيناف وغيرهم، وأحاط نفسه بجيش من المسؤولين الذين يسبحون بحمده ويقدسون له في مختلف مناحي الحياة ومفاصل الدولة المزرعة.
♦ تغول العسكري
عندما بلغ السيل الزبى وطفح الكيل خرج الشعب ليضع حدا للمهزلة، عندها تحرك حراس المعبد المتربصون لإنقاذ النظام من السقوط مع دولة المزرعة فاستغلوا الثورة الشعبية لتصفية إدارة منطق المزرعة التي حكمت البلاد في إطار النظام العسكري نفسه الذي أُسس على أنقاض ثورة التحرير المباركة.
الدولة المزرعة لم تكن خارج النظام العسكري إنما كانت أحد تجلياته التي جسدت اتفاقا يعد الأول من نوعه في تقاسم الأدوار والصلاحيات، لم تكن فيه الغلبة للعسكر وحدهم لأول مرة في تاريخ البلاد.
سقوط الدولة المزرعة فسح المجال واسعا لتغول العسكري مرة أخرى فأخذ بزمام الأمور وفرض خارطة طريق تحدى بها الإرادة الشعبية مرة أخرى بتدبير انقلاب ناعم على الثورة الشعبية وسلب منها زمام المبادرة مستغلا هيمنته على مفاصل الدولة ومقدرات البلاد وثرواتها وتحكمه في مؤسساتها القضائية والأمنية.
♦ السلمية والهدنة الصحية
وعلى مر الاستحقاقات غير الشعبية التي فرضتها الإدارة العسكرية لصناعة واجهة مدنية، لم تخمد جذوة الثورة الشعبية السلمية وظلت تقارع الباطل بمسيرات مليونية كل جمعة وثلاثاء، إلى أن حلت الجائحة فاقتضت الحكمة والتعقل أن تجنح السلمية إلى هدنة صحية حفاظا على حياة الجزائريين..
الهدنة وعوض أن تكون فرصة للسلطة للتفكير مليا في مستقبل البلاد بمبادرات سياسية تشرك كل الجزائريين في التوصل إلى حلول توافقية تمكن من إرساء أسس دولة مدنية ديمقراطية يكون فيها الفيصل لاختيار الشعب، آثرت السلطة الفعلية بواجهتها المدنية، السعي بكل ما أوتيت من خبث ومخططات إلى تصفية الحراك الشعبي بمختلف السبل حتى الدنيئة منها بالنفخ في النعرة الجهوية والفتنة الطائفية، والمخاطرة بالوحدة الوطنية.. مساع باءت كلها بالفشل الذريع إلى أن قررت السلمية العودة إلى الشارع للتعبير عن الرفض والتطلع لبناء دولة القانون والعدل والحريات.
♦ الترهيب بالإسراف في العنف
عودة الحراك إلى الشارع أجج النزعة العسكرية لدى السلطة الفعلية لتنتقل مباشرة إلى التعامل مع الجمهورية وكأنها ثكنة عسكرية بالتهديد والوعيد المباشر، واعتماد الحل الأمني دون هوادة لوقف الحراك الشعبي.. ولم تعد القيادة العسكرية ومؤسساتها الإعلامية تتحرج في التدخل المباشر والعلني في الشأن السياسي وتوغل فيه وتتوعد الجزائريين وتهدد الناشطين..
الجمعة الثامنة عشرة بعد المئة كانت استعراضا صارخا لتغول منطق الدولة الثكنة في العاصمة وعديد الولايات الثائرة لإخماد ثورة الشرف.. الآلاف من عناصر الأمن بالزيين الرسمي والمدني مسخرين لمنع المسيرات السلمية، وقمع المتجرئين على السير بعنف مفرط والتنكيل بهم في المراكز الأمنية والمحاكم والسجون، لتخويف الجزائريين وثنيهم عن المغامرة بالخروج في مسيرات احتجاجية.
♦ العنف المفرط مؤشر ضعف
صحيح نجحت السلطة الفعلية في تشتيت المسيرات في العاصمة والتضييق عليها في شوارع متفرقة، وقمعها في أماكن أخرى بتسخير القوة العمومية وبعنف لا يوصف، لكنها لم تثبت بأن الأمور على ما يرام ولم تلمع صورتها المسودة في العالم كسلطة قمع وانتهاك للحقوق ومصادرة الحريات، بل أثبتت ذلك وأكثر.
قمع المسيرات السلمية بهذه الطريقة غير الإنسانية ليس بطولة البتة ولا يمكنه أن يكون مدعاة للفخر، إنه وصمة عار، ومؤشر ضعف وإعلان رسمي بالإفلاس والعجز.. حصار العاصمة وعديد الولايات مظهر صارخ من مظاهر نجاح الحراك الشعبي وانتصار السلمية ودليل استمرارها.. لأن وجود كل هذه الجيوش المجيشة من عناصر الأمن دليل على أن الخطب عظيم وأن السلطة تواجه غضبا شعبيا سلميا حضاريا عارما أعجزها وأحرجها ولم تجد سبيلا للتعامل معه بالطرق نفسها لضعف حجتها وافتقارها لكل مقومات الحوار والشرعية..
♦ الحراك ثورة وليس فكرة
قمع المسيرات في الجمعة الثامنة عشرة بعد المئة كان انتصارا آخر بأسلوب آخر للحراك الشعبي، أعطى نفسا جديدا للحراك السلمي زاده تصميما على المضي نحو تحقيق الهدف المنشود عمليا. ذلك لأن الحراك الشعبي ثورة، والثورة فعل متواصل في الزمان والمكان بين كر وفر يترسخ رويدا رويدا في الأذهان ويتجسد في الواقع يوما بعد يوم ويتطور وقد يتخذ أشكالا مختلفة على ضوء التطورات وردود الفعل..
الحراك فعل ملموس وليس مجرد فكرة كما يشاع ذلك لأن الفكرة وإن كانت لا تموت فعلا، إلا أنها صورة ذهنية وتدبر عقلي قد يظل نظرة تتخمر وتراود أصحابها، أو حلما سرمديا جميلا تتوارثه الأجيال دون أن يتحقق، مثل جمهورية أفلاطون أو مدينة الفارابي الفاضلة. أما الثورة فهي فعل مضارع مرفوع بالإرادة الشعبية التي لا تقهر، مشفوع بحتمية الانتصار فلم يشهد العالم ثورة شعبية لم تنتصر.

شوهد المقال 111 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نوري دريس ـ الغاية غير المعلنة : نريد برلمان ضعيف

د. نوري دريس  لا يمكن الجزم ان هذه هي النتائج التي كانت تريدها السلطة, ولكن المؤكد هو ان السلطة ارادت برلمانا ضعيفا, بواجهة جديدة, او ربما
image

مولود مدي ـ اكذوبة التغيير من الداخل

مولود مدي   لا يوجد ما يسمى ب "التغيير من الداخل" و "استغلال الهوامش المتاحة" التغيير هو مسألة شروط تاريخية ومسألة ميزان قوى بين السلطة والمجتمع، والسلطة
image

أحمد ختاوي ـ مدارات وبورتريهات الباحثة الأكاديمية ، الروائية ٔ الجزائرية المقيمة بكندا : أمال بن شارف : . لَسْلسة التشيؤ بمُمْكن الموئل ٔ

أحمد ختاوي  الباحثة والأكاديمية والروائية ، الشاعرة الدكتورة أمال بن شارف ، باعتبارها باحثة في الشأٔن التربوي (علم النفس المعرفي ) ، النفسي ( علم
image

ناصر جابي ـ الجزائر: بعض دلالات أرقام نسب المشاركة في الانتخابات

د. ناصر جابي  صعوبة نوعية الاقتراع الجديد الذي تبنته السلطة لأول مرة في الجزائر، المعتمد على قائمة النسبة المفتوحة، وكثرة الترشيحات الحزبية والمستقلة، التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ انتهت الانتخابات أما بعد مقاطعة الانتخابات

د. عبد الجليل بن سليم  في السياسة و فلسفة التغيير لا يوجد شيء إسمه حل ضرفي لكن الأنظمة المستبدة تؤمن بان الحل الضرفي قد يساعد !!
image

عثمان لحياني ـ ببساطة نفس الكتلة نفس السلوك

عثمان لحياني تبسيط الأمور يساعد على فهم الأمور، نفس الكتلة الناخبة بنفس القناعات والخيارات، وبنفس االسلوك الانتخابي، يعطي بالضرورة نفس النتائج، ويبقي نفس الفواعل السياسية في
image

رضوان بوجمعة ـ جسور للغد 7 سلطة أغلبية/الأقلية تنافي الديمقراطية وتهدد الوحدة الوطنية

د. رضوان بوجمعة  بعد أكثر من 70 ساعة عن غلق مراكز الاقتراع، خرج محمد شرفي مسؤول سلطة الانتخابات التي يقع مقرها بمحمية نادي الصنوبر، ومن قاعة
image

طيبي غماري ـ قراءة سريعة في انتخابات متسرعة

د. طيبي غماري  تكشف طريقة تسيير أو إخراج نهاية العرس الانتخابي على ضبابية الموقف بين مراكز القرار الأساسية، حيث لم تتمكن من حسم معركة السلطة لغاية
image

محمد هناد ـ سحب الاعتماد من فرانس 24

د. محمد هناد  نشرت وكالة الأنباء الجزائرية، نقلا عن وزير الاتصال، أن » الدافع وراء سحب الاعتماد، هو العداء الواضح والمتكرر للدولة الجزائرية ومؤسساتها وعدم احترام
image

العربي فرحاتي ـ كيف أتجاهل مزابل تاريخكم ..؟؟

د. العربي فرحاتي  يحلوا دائما لمن شاركوا وتسببوا في مآسينا ومآسي الشعب في التسعينيات من محترفي الكذب وجامعي الريع من المتمسلمين يعيبون علينا عند انتقادنا لترهاتهم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats