الرئيسية | أعمدة الوطن | نصر الدين قاسم ـ الجمعة 116 نظام الغلق المغلق ومفتاح السلمية

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 116 نظام الغلق المغلق ومفتاح السلمية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 نصرالدين قاسم
يعرف علماء السياسة وفقهاء القانون الدستوري النظام الجزائري بأنه نظام شبه رئاسي مغلق، طبعا اعتمادا على النصوص، أي دراسة الدستور ومواثيق الجمهورية وقوانينها.. غير أن الواقع يحيلنا على تعريف آخر أكثر تعبيرا عن الحقيقة، إذ لا يمكننا الحديث عن نظام سياسي بالمفهوم العلمي في الحالة الجزائرية، فهو شبه نظام مغلق لم يستوف شروط النظام السياسي، احترف الغلق سبيلا للحفاظ على الحكم والانفراد به.
♦ نظام الغلق الشامل
النظام الفعلي في الجزائر لا يعلن نفسه ولا يكشف هويته، هو نظام منغلق على ذاته ظاهره لا يعكس باطنه البتة.. "الغلق" هو سمته الغالبة. منذ الاستقلال وسعيه الحثيث هو غلق المجال السياسي والاقتصادي والإعلامي والثقافي وحتى الاجتماعي غلقا مطبقا..
وبفضل هذا الغلق تمكن من الإمساك بمقاليد الحكم وما يزال إلى يوم الناس هذا، وقد نجح في كل مرة من إجهاض أية محاولة للحل أو الفتح، أو التحلل أو الانفتاح، وتمكن من إعادة فرض الغلق على كل مناحي الحياة، وتصفية كل القوى الساعية للفتح بمختلف السبل تارة بالعنف وتارة بسيف العدالة..
♦ ظاهره التعددية وباطنه الأحادية
استأثر بمقدرات البلاد المالية والعسكرية وتمتع بهما واستعملهما أداة لممارسة الحكم والبقاء فيه.. ولأنه لا يتمتع بمقومات النظام السياسي سواء كان رئاسيا أو برلمانيا أو بينهما، فإنه افتقد لكل مقومات الحكم وأهلية التسيير رافضا لكل البدائل المطروحة ليس بالحجة والامتياز إنما بالمصادرة والغلق.
أغلق المجال السياسي وحكم البلاد بقوة الحزب الواحد ردحا من الزمن، وأغلق المجال الاقتصادي بفرض خيار اقتصادي مشوه ظاهره الاشتراكية وباطنه الفساد والاختلاس، حتى كان قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والسقوط ببديل الانفتاح الديمقراطي نهاية الثمانينيات لكنه سرعان ما استعاد زمام الأمور بقوة الحديد والنار وأعاد إحكام الغلق التام والشامل وإن بشكل مغاير ظاهره التعددية وباطنه أحادية مقيتة أكثر جورا وعدوانا من الأحادية المعلنة ..
♦ السلمية مفتاح مغاليق النظام
في زمن الحراك الشعبي أعجزته السلمية وكشفت محدودية قدراته السياسية وأثبتت في أكثر من سجال أنها المفتاح الفعال الوحيد لمغاليق النظام، ومفكك انغلاقه.. وما زال ديدنه وحله الوحيد لكل الأزمات التي تواجهه هو الحل السهل "الغلق" بكل بساطة.
يغلق العاصمة ليتحرك مسؤولوه بحرية، ويغلق مداخل العاصمة لمنع دخول الجزائريين للمشاركة في المسيرات الاحتجاجية، ويغلق ساحة البريد بحجة تشقق أدراج المؤسسة العتيقة، لا لشيء سوى لمنع تجمع السلمية لأنه أصبح رمزا من رموزها.. وعندما استفحلت الجائحة يغلق الحدود على المواطنين، باستثناء أولئك الذين نقلوا للبلاد السلالات المتحورة من حاشية النظام وأنصاره والمنتفعين منه، ويحرم الجزائريين التائهين في عواصم العالم ومطاراتها من العودة إلى بلادهم.
♦ صادر المسيرة ولم يوقف المسير
الحراك الشعبي شيب نظام الغلق، وأفقدته مسيرات السلمية الحضارية القدرة على المناورة، وأفشلت كل محاولاته شق صفوفها وشيطنتها وتخوين شرفائها وأحرارها، وإشعال فتيل الفتنة الطائفية، وإشهار فزاعتي الانفصال والإرهاب لتصفيتها.. فلجأ إلى خطته المفضلة، الغلق.
فعمد إلى غلق شوارع العاصمة في ثلاثاء الحراك الطلابي لمنع الطلاب من تنظيم مسيراتهم الأسبوعية.. غلق الشوارع والأزقة وسد المنافذ بآلاف العربات، وقطع الطرق بآلاف عناصر الأمن مدججين بأسلحة القمع.. صادر المسيرة لكنه لم يوقف "المسير"..
♦ مليونية العاصمة فتح مبين
في الجمعة السادسة عشرة بعد المئة عمدت السلطة واجهة النظام القمعية إلى معاودة تجربة الغلق منتشية بنجاحها يوم الثلاثاء، فلقنتها السلمية درسا آخر في الحكمة والتعقل، وأثبتت لها مرة أخرى أنها هي المفتاح لثقافة الغلق، والمفك الذي يفكك دواليب النظام المغلقة، كما فتح أحرار منطقة القبائل محاولات الغلق على الحراك في حدود جهوية، وفككوا لغم الفتنة الطائفية.
في استعراض لقدرات السلمية في فتح عقد النظام وتجاوز خططه البليدة وابطال مفعول ألغامه البدائية سلكت مليونية العاصمة مسارا آخر غير المسار المغلق على مستوى ساحة موريس أودان حيث اعتادت أن تلتقي المسيرات المتدفقة من باب الوادي والقادمة من ديدوش مراد وأول ماي..
♦السلمية على دروب الشهداء
سارت الجماهير من " أبناء عميروش الذين للوراء ما يولوش" ملتفة بانتهاج شارع عميروش باتجاه حسيبة بن بوعلي وغيروا المسار باتجاه بلوزداد، وتركوا قوات التدخل المتربصة بشارع ديدوش مراد مشدوهة لتعود خالية الوفاض.. سلكوا دروب الشهداء لفك أغلال الاستبداد، وكما انتصر السلف سينتصر الخلف
الجمعة السادسة عشرة بعد المائة كانت مفتاحا رمزيا لغلق النظام، الآيل للسقوط، للشوارع وقطعه للطرق، ومفككا لحالة الانغلاق المزمنة التي تتقوقع فيها سلطة منتهية الصلاحية.
 

شوهد المقال 209 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نوري دريس ـ الغاية غير المعلنة : نريد برلمان ضعيف

د. نوري دريس  لا يمكن الجزم ان هذه هي النتائج التي كانت تريدها السلطة, ولكن المؤكد هو ان السلطة ارادت برلمانا ضعيفا, بواجهة جديدة, او ربما
image

مولود مدي ـ اكذوبة التغيير من الداخل

مولود مدي   لا يوجد ما يسمى ب "التغيير من الداخل" و "استغلال الهوامش المتاحة" التغيير هو مسألة شروط تاريخية ومسألة ميزان قوى بين السلطة والمجتمع، والسلطة
image

أحمد ختاوي ـ مدارات وبورتريهات الباحثة الأكاديمية ، الروائية ٔ الجزائرية المقيمة بكندا : أمال بن شارف : . لَسْلسة التشيؤ بمُمْكن الموئل ٔ

أحمد ختاوي  الباحثة والأكاديمية والروائية ، الشاعرة الدكتورة أمال بن شارف ، باعتبارها باحثة في الشأٔن التربوي (علم النفس المعرفي ) ، النفسي ( علم
image

ناصر جابي ـ الجزائر: بعض دلالات أرقام نسب المشاركة في الانتخابات

د. ناصر جابي  صعوبة نوعية الاقتراع الجديد الذي تبنته السلطة لأول مرة في الجزائر، المعتمد على قائمة النسبة المفتوحة، وكثرة الترشيحات الحزبية والمستقلة، التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ انتهت الانتخابات أما بعد مقاطعة الانتخابات

د. عبد الجليل بن سليم  في السياسة و فلسفة التغيير لا يوجد شيء إسمه حل ضرفي لكن الأنظمة المستبدة تؤمن بان الحل الضرفي قد يساعد !!
image

عثمان لحياني ـ ببساطة نفس الكتلة نفس السلوك

عثمان لحياني تبسيط الأمور يساعد على فهم الأمور، نفس الكتلة الناخبة بنفس القناعات والخيارات، وبنفس االسلوك الانتخابي، يعطي بالضرورة نفس النتائج، ويبقي نفس الفواعل السياسية في
image

رضوان بوجمعة ـ جسور للغد 7 سلطة أغلبية/الأقلية تنافي الديمقراطية وتهدد الوحدة الوطنية

د. رضوان بوجمعة  بعد أكثر من 70 ساعة عن غلق مراكز الاقتراع، خرج محمد شرفي مسؤول سلطة الانتخابات التي يقع مقرها بمحمية نادي الصنوبر، ومن قاعة
image

طيبي غماري ـ قراءة سريعة في انتخابات متسرعة

د. طيبي غماري  تكشف طريقة تسيير أو إخراج نهاية العرس الانتخابي على ضبابية الموقف بين مراكز القرار الأساسية، حيث لم تتمكن من حسم معركة السلطة لغاية
image

محمد هناد ـ سحب الاعتماد من فرانس 24

د. محمد هناد  نشرت وكالة الأنباء الجزائرية، نقلا عن وزير الاتصال، أن » الدافع وراء سحب الاعتماد، هو العداء الواضح والمتكرر للدولة الجزائرية ومؤسساتها وعدم احترام
image

العربي فرحاتي ـ كيف أتجاهل مزابل تاريخكم ..؟؟

د. العربي فرحاتي  يحلوا دائما لمن شاركوا وتسببوا في مآسينا ومآسي الشعب في التسعينيات من محترفي الكذب وجامعي الريع من المتمسلمين يعيبون علينا عند انتقادنا لترهاتهم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats