الرئيسية | الوطن الدولي | كأنما "حزب الله" ولد بالأمس فقط !

كأنما "حزب الله" ولد بالأمس فقط !

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

إسماعيل القاسمي الحسني

 انقسام الأمة العربية يعرضه البعض على أنه نتيجة أحداث سورية، غافلا مع الأسف الشديد عن واقع مرير عايشناه منذ عقود، لا أقلها تحديدا يوم معاهدة "كامب ديفيد"؛ تلكم الطعنة النجلاء في قلب الأمة، و التي كان قد خطط لها الأمريكيون باعترافهم مع البريطانيين و من ورائهما طبعا إسرائيل، شتتت القيادات  و الشعوب معا، و فصلت مغربها عن مشرقها و ذلكم الهدف؛ تحت مبررات طالعت جزء منها تضمنته تقارير جهاز المخابرات المصرية 1990، محورها عملية مراقبة قام بها الجهاز بين عامي 1973-1978، وثق بالصورة و الصوت خلالها لقاءات سرية بين قادة خليجيين (رسميين و ممثلين عنهم) و قادة من العدو الإسرائيلي في اليونان، لضرب مصر من الداخل و إغراقها اقتصاديا؛ من هنا قرر أنور السادات رمي المنشفة، و الإعلان الرسمي المفاجئ للكل، بالذهاب للكينيست الإسرائيلي، و الاعتراف العلني و الرسمي بهذا الكيان، بدل ممارسة الخيانة سرا كغيره من قيادات الجزيرة العربية؛ هذا العذر على خطورته لم يكن مقبولا و لا كافيا بالنسبة لدول عربية لا تقل وزنا و أهمية. عام 1980 ما كادت الأمة تستفيق من صدمة النظام المصري، حتى استعرت الحرب بين دولتين إسلاميتين مركزيتين العراق و إيران، و هنا زاد الشرخ اتساعا فسورية و الجزائر مثلا كانتا ضد هذه الحرب، معتبرة إياها استنزافا لطاقة الأمة، و صرفا خبيثا عن العدو الأصيل؛ و دفعت الجزائر في سبيل إيقاف ذلكم النزيف خيرة رجالها وزير الخارجية (محمد الصديق بن يحي 23/05/1982) آنذاك و مرافقيه، حين أسقطت الطائرة التي كانت تقلهم من أجل إتمام وقف الحرب بين البلدين. و في مقابل سورية و الجزائر كانت دول الجزيرة العربية باستثناء سلطنة عمان، كلها تدعم العراق تحت عناوين ذاتها اليوم، طائفية بامتياز متدثرة دجلا بالقومية و العروبة و غيرها.

 لما أيقن العدو الإسرائيلي بأن الحرب بين البلدين قد وضعت على السكة، و لم يعد هناك بعد اغتيال الوزير الجزائري مجال لوقفها؛ بشهرين فقط اي 07/198 استباحت على مرأى من قادة العرب، أول عاصمة عربية في تاريخ صراعها معنا، و دخلت بيروت مرتكبة أبشع المجازر و الجرائم ضد الإنسانية، دون أن تجد رادعا و لا مدافعا بذات الشعارات التي كانت ترفع ضد إيران؛ و تم بفضل الانقسام العربي و انشغاله بمقارعة (الشيعة و الصفويين) احتلال لبنان، و الكتب و التقارير تفيض بقصص المآسي التي ترتبت عن ذلكم الانشقاق الأبله الغبي؛ هنا ولدت المقاومة الإسلامية اللبنانية، من رحم خيانة الدول العربية التي لم تحرك ساكنا للدفاع عن لبنان، الذي لم يعتدي على الكيان الإسرائيلي، و إنما و هنا مربط الفرس، لأن شعبه  آوى و احتضن المقاومة الفلسطينية، ذات السبب اليوم بالنسبة لسورية، و هو بعينه الذي ضرب الجزائر 1992 من الداخل فدمرها، و لاشيء سواه فاعلا مؤثرا بقوة في كل أحداث العالم العربي، من يحاول التعمية عن ضرب كل قلعة عربية تحاول دعم المقاومة الفلسطينية، من قبل الولايات المتحدة و أوروبا خدمة و حماية لكيان العدو الإسرائيلي، إنما يحاول تغطية الشمس بغربال في رابعة النهار. تشرذم العرب و انقسامهم ظهر على الهواء مباشرة أمام العالم، اثر قمة الزعماء التي صادق فيها بعضهم، على قرار أرسل من واشنطن باللغة الانجليزية، للاستعانة بالقوى الأجنبية لتدمير العراق، والسباب و الشتائم التي تبادلها القادة مازالت إلى اليوم على "اليوتيوب" لمن يريد مراجعتها. إذن انقسام العرب لم يكن أبدا بسبب أحداث سورية و لا موقف حزب الله، إنما يعود لمواقف سابقة تراكمت حد التخمة.

 عرفت "حزب الله" عام 1993، من ذلكم العام أتابع كل عملياته، و تصريحات قادته و رموزه، و يمكنني القول بطمأنينة أنه حزب له هيكلة تتطور بتطور الصراع بالغة الدقة و الذكاء، يعتمد المعرفة و العلم المعاصر كأدوات فاعلة و مؤثرة في صراعه مع العدو، لم يقتصر على ذراعيه العسكري و الأمني، بقدر ما أثبت قدرته و إمكاناته في اعتماد القوى الناعمة للتمدد أفقيا ليس على رقعة لبنان فحسب، و لكن على مساحة المجتمعات العربية و الإسلامية؛ و مرتكزات نجاحه في بناء صورة فريدة في عصرنا، كان أهمها ثلاثة عناصر، الصدق في القول و العمل الميداني و الترفع عن الاصطفاف الطائفي و المذهبي، هذه العناصر المشهود له بها على امتداد عقدين من الزمن على الأقل، و كلها تحت مظلة الدفاع عن الوطن و ضرورة تحرير فلسطين، ليست وليدة لحظة أو تغطية إعلامية آنية أو ظرفية، و إنما تراكم سنوات من الجهد، و تضحيات جسام بالمال و النفس و الولد. و متابعة حركة "حزب الله" و نشاطه تعني بالضرورة لكل عاقل، متابعة لا تقل تركيزا و عناية لخصمه و خصم الأمة جمعاء.

 لم تكن صدقية "حزب الله" منذ نشأته محل تساؤل خاصة أثناء و بعد  2006، و صموده الأسطوري مع كل شعب لبنان ضد الآلة الهمجية الإسرائيلية، و لم يتجاوز القدح بشأنها إلا تلكم العناصر السياسوية اللبنانية المعدودة، التي امتهنت بفطرتها و ارتباطاتها المتاجرة بالقضية الفلسطينية، بل و بالسعي الدءوب لنقل لبنان من دولة مواجهة، إلى مربع دعاة السلام مع العدو الإسرائيلي، ليتخذوه من بعدها مرتعا آمنا لنزواتهم البهيمية، و سوق نخاسة يغرق في أنواع اللحوم الحرام، و ما من عقبة تحول دون تحقيق هذا العمل الإجرامي بحق لبنان و شعبه و الأمة العربية، سوى "حزب الله" و من يدعمونه من قوى 8 آذار كما بات يعرف ذلك.

 لدي في الأرشيف مئات المقالات الإسرائيلية دون مبالغة، أغلبها مترجمة نشرت على صحيفة "القدس العربي"، فضلا عن تلكم التي تابعتها عبر مراكز بحث فلسطينية و عربية بل و حتى إسرائيلية، تغطي ما بين عامي 2000-2013، يجمع كتابها من كبار الصحفيين و المفكرين و السياسيين و الأمنيين الإسرائيليين، على ضرورة ضرب صورة "حزب الله"، و الدعوة لإلحاق الهزيمة به ليس عسكريا فحسب و إنما كذلك معنويا، و لفت عناية مسئوليهم إلى خطورة صفاء صورة هذا الحزب على المواجهة القادمة، و قدرتها على قلب الموازين، و من بين أهم ما تشير إليه تلكم المقالات طبعا "النظام السوري" باعتباره الحليف الأقوى، بل الظهر الرئيس للمقاومة، الذي يستوجب في إطار إدارة الصراع تحييده في أسوأ الأحوال، و في أحسنها الإطاحة به و استبداله بنقيضه.و إنه لمن الجهل المعرفي حقا اختزال فهم الحرب على الآلة العسكرية، و قصور مشين اعتبار العدو الإسرائيلي، لا يقوم بأي عمل عدائي تجاه كل عمل مقاوم و بكل الأدوات الممكنة، بل يبتكر هذا الخصم مجالات أخرى للصراع و أدوات حديثة لإدارته.

 أخيرا، من يتصور أن النظام السوري باحتضانه المقاومة الفلسطينية، و دعمه اللامحدود لحزب الله على امتداد عقدين، كلفا العدو الإسرائيلي الكثير، يمر دون حساب فهو قطعا يجهل أبسط أبجديات الصراع فضلا عن تفاصيله؛ و من ينظر لهذا الطرف "المقاوم" بناء على هوى نفسه، و تفاصيل لطالما اختبأت بينها الشياطين، دون أن يرتقي بعقله للمشهد العام و يجمع بين أول الخط و آخره، لينتهي بالضرورة لرسم اللوحة متكاملة، يقينا هو متوقف عند نقطة لا يمكن أن تعبر عن واقعية؛ و  لتبسيط الصورة و اختصار الطرح، ليتساءل كل معني: ماذا لو قررت سابقا أو حتى حاليا القيادة السورية إبرام معاهدة سلام مع كيان العدو الإسرائيلي، و نفضت يدها كما بقية العرب من المقاومة الفلسطينية و اللبنانية، ترى كيف يكون موقف الغرب منها؟ الجواب لا يحتاج لشرح و تفصيل؛ ما ينسحب على القيادة السورية نفسه، لو قرر "حزب الله" وضع السلاح، و قبل بمعاهدة السلام المعروضة على لبنان، ماذا يكون موقف الدول الغربية منه؟ من يتوهم أن هذا ليس معروضا على القيادتين منذ زمن بعيد، فهو يجهل الكثير، و من يتصور أنه لم يكن بإمكانهما عقد معاهدات سلام فهو مخطئ تماما؛ لأنه لا شيء يمنعهما غير العقيدة و أصلها "فلسطين"، و ليراجع كل متهم لحزب الله موقفه، ليس على أساس أنه حزب ولد بالأمس.


ismailelkacimi@gmail.com

شوهد المقال 2083 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ المسار الانتخابي ...2 !

د.حميد بوحبيب  للمرة الثانية في تاريخ الدولة الوطنية الفتية، تلوح في الأفق بوادر توقيف المسار الانتخابي .في المرة الأولى، فعلها الجيش بمعية القوى التي تحالفت ضمن
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats