الرئيسية | الوطن الدولي | زوبعة في فنجان: حقيقة التهديد بحرب ضد إيران

زوبعة في فنجان: حقيقة التهديد بحرب ضد إيران

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
كثير من تكلم ولا زال يتكلم عن حرب متوقعة ضد إيران، ولكن ينقصهم القراءة الواقعية لهذا السيناريو، فأوضاع الولايات المتحدة الإقتصادية والإجتماعية لا تسمح لها بتاتاً أن تدخل في حرب ربما تكون القاضية لها، وأنا لا أبالغ حينما أقول ذلك. فالوضع الإقتصادي والإجتماعي في الولايات المتحدة قد بدأ بالتراجع منذ عام 2008م وإلى اليوم، وأنا أرى بأن عام 2012م هي سنة أوج الإنحدار الأميركي حسب دراسات وتقارير صادرة عنها، فمع وجود أكثر من 40 مليون أميركي تحت خط الفقر، وتقرير آخر أميركي يخلص إلى وجود 10 مليون طفل أميركي جائع، ومع تنامي الأصوات بضرورة سحب القوات الأميركية من الخارج، ومع قرب إقرار الكونغرس الأميركي بند لخفض دعم الموازنة العسكرية خارج الأرض الأميركية، ومع تراجع شعبية أوباما الشديدة، تجعل كل ذلك أمر دخول الولايات المتحدة في حرب أخرى غاية في الإستحالة. فقد هددت إيران كثيراً بأن غلق مضيق هرمز هو أسهل رد على أي اعتداء سواء من أميركا أو حلفاءها، فمجرد هذا التهديد سيجعل أسعار النفط تقفز إلى مستويات غير مسبوقة وستكون نتائجها مدمرة للإقتصاد العالمي، وهذا بالتحديد سبب رفض روسيا والصين لهذه الحرب، وهذا أيضاً سبب رفض فرنسا وألمانيا لأي إجراء عسكري ضد إيران.

أما إسرائيل، وبسبب وقوعها تحت نار الصواريخ الإيرانية، وبسبب عجزها عن حسم عسكري ضد حزب الله في عام 2006م وضد حركة حماس في عام 2009م، مع كونهما تنظيمين لا يقارنان بقوة الجيش الإيراني الذي تسليحه هو شبه سرِّي بالنسبة للغرب، فلا يبدو أنها مستعدة لخوض معركة مع قوة إقليمية مثل إيران. أضف إلى ذلك بأن داعمي إسرائيل في حربها عام 2006م ضد حزب الله بدءاً من الولايات المتحدة ومروراً بدول الإتحاد الأوروبي وانتهاءً ببعض الدول العربية، لم يسعفها حقيقة بحسم المعركة، رغم أن أوضاع الإدارة الأميركية والدول العربية حينها هي غير أوضاعها الآن، ولهذا أستبعد نشوب حرب ضد إيران سوى هذه الزوبعات الإعلامية.

حتى أوضاع دول مجلس التعاون الخليجي لا تسمح أبداً لأن تنخرط في حرب مفتوحة ضد إيران، فلو نظرنا إلى سلطنة عمان، فسنجد بأنها لا تستطيع تحمل تكلفة هذه الحرب بسبب إنشغالها في الإصلاحات السياسية الداخلية بعد موجة الإحتجاجات في شهري فبراير ومارس من هذه السنة، ورفضها للمشاركة في قوات القمع ضد ثورة البحرين، ولذلك لن تدخل في حرب ربما تدمر اقتصادها. أما دولة قطر، كما يبدو أنها تسبح عكس تيار السياسة السعودية، بل نراها تحافظ على علاقاتها مع إيران، ومشاريعها التجارية معها لا زالت قائمة، وهي الأخرى رفضت المشاركة في قمع ثورة البحرين، فما بالك بخوض حرب يمكن أن يقضي عليها اقتصادياًّ، خصوصاً أن إيران تهدد بغلق مضيق هرمز، وهو الشريان الإقتادي الوحيد لها. ودولة الكويت، أيضاً لا تستطيع الإنخراط في هكذا حرب بسبب الأزمة السياسية التي تعانيها، فهي الأخرى رفضت إرسال قوات إلى البحرين لقمع ثورتها، فلا أرى بأنها ستقبل بالدخول في حرب إقليمية كبرى. أما البحرين، فهي أصغر من أن تنخرط في حرب مع إيران حتى ولو كان بضمانات أميركية - سعودية، بسبب أن الثورة فيها قائمة وبزخم كبير، والقوات البحرينية عاجزة عن وأد الثورة على أراضيها وهي منهكة، ولذلك حتى وإن كابر النظام البحريني، ولكنه واقعاً لا يستطيع الدخول في مثل هذه الحرب. أما دولة الإمارات العربية، هي الأخرى رفضت إرسال قوات عسكرية إلى البحرين لقمع الثورة، بل اكتفت بإرسال 500 شرطي بهدف مساندة وزراة الداخلية البحرينية، والشرطي يختلف عن الجندي، وهذا مؤشر آخر منها بأنها لا تريد المشاركة في دم الشعب البحريني. مع أن الإمارات لها مطالب باسترجاع الجزر الثلاث، ولكنها لا زالت تؤمن بالحل السياسي، وكما يبدو أنها لن تساهم في شن أي هجوم على إيران. أما المملكة العربية السعودية، التي تتصدر الثورة المضادة للربيع العربي، فقد فشلت فشلاً ذريعاً في لبنان والعراق، ولا زالت تحاول في مصر وتونس وليبيا دون جدوى كما أرى، وهي الآن شريكة في قمع ثورة البحرين ليس بجيشها، ولكن بحرسها الوطني كما نشاهده على أرض الواقع، ومع تنامي الخلافات داخل الأسرة الحاكمة السعودية، حيث استقال الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود من هيئة البيعة احتجاجاً على تخطي الملك السعودي لهذه الهيئة، وتعيينه الأمير نايف ولياًّ للعهد متخطياً سبع من إخوانه يكبرونه سناًّ في انحراف واضح للعرف الملكي السعودي في تعيين أكبر أعضاء الأسرة سناًّ في ولاية العهد. وكذلك حرمان الأمير عبد الرحمن بن عبد العزيز آل سعود عن تولي حقيبة الدفاع، رغم أنه أكبر سناًّ من الأمير نايف، وهو لم يطالب بولاية العهد، ليتفاجأ بتعيين الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود كوزير للدفاع. هذه الأجواء كما يبدو أنها غير صحية بتاتاً وتنذر بتفجر أوضاع سيئة بين أفراد العائلة الحاكمة السعودية، ووأضف إلى ذلك الإضطرابات التي ظهرت في المنطقة الشرقية التي تهدد بالإنتشار إلى منطقة الحجاز، وربما إلى كامل التراب العربي السعودي فور سقوط الرئيس اليمني علي عبدالله صالح - وهذا يفسر دفاع حكومة الرياض عنه -، وبحقيقة عدم خوض القوات السعودية لأية معركة حقيقية خارج حدودها، مما يعني نقص الخبرة وعدم الجهوزية، يجعل منها غير مستعدة حقيقة لشن حرب بالوكالة ضد إيران.

أما إيران نفسها، فطبيعة الشعب الإيراني مهما اختلفوا فإنهم وطنيين، ولن يسمحوا لأية قوة خارجية بشن حرب عليها، وستتفاجأ للوحدة بينهم في مواجهة أي اعتداء خارجي لأراضيها، فعقيدة الدفاع عن النفس هي أقوى عقيدة من مجرد الهجوم الأعمى غير المحسوب مخاطره. إيران وفي ظل تصديها لأعتى قوة حينها وهي القوات العراقية المدعومة خليجياًّ وعالمياً، ومع ضعف الإمكانيات العسكرية في إيران حينها، فلم يستطع المهاجمون احتلال ولا شبر من الأرض الإيرانية. فما بالك اليوم، حيث إيران تصنع أسلحتها بنفسها، وأميركا وأوروبا لا يعلمون حقيقة التسليح الإيراني، وهذا ما منعهم من الهجوم عليها كل هذا الوقت، فإن الدخول في حرب ضد إيران اليوم غير متوقعة نتائجها على المنطقة.

وختاماً أقول بأن الأوضاع لا تنذر بحرب حقيقية، سوى كونها زوبعة في فنجان، وإن حصلت - لا سمح الله - فالمنطقة برمَّتها ستشهد دماراً شاملاً لا يستثنى منها أحد.

الكاتب: المستبصر محمد المحرَّقي البحراني
الإيميل: almustabsir@gmail.com

شوهد المقال 4192 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ بين عسر ويسر

د.علاء الأديب            أأبيع نفسي كي أعيش منعّما؟هيهات لو بلغ الجفاف دمائي اني اشتريت بكلّ عمري عزّتيولبست تاج كرامتي وآبائي وسعيت بين الناس ابسط خافقيقبل الكفوف
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية فوق الإنكار

نجيب بلحيمر   تقعدك نزلة برد شديدة وحمى في يوم قائظ في البيت، وتجبرك على متابعة الإعلام الجزائري وكيف يغطي الثورة السلمية، لا أثر للمظاهرات على
image

العربي فرحاتي ـ بين الحكم المدني والحكم العسكري برزخ لا يبغيان

د. العربي فرحاتي  السلطة الفعلية تطور من الشيطنة.. فمن شيطنة شعار " يتنحاو قاع " واتهامه بالشعار "التعجيزي" إلى شيطنة شعار "دولة مدنية ماشي
image

نوري دريس ـ دولة مدنية مقابل دولة قانون

د. نوري دريس  الانزعاج الكبير الذي ظهر على لسان قائد الجيش من شعار "دولة مدنية وليست دولة عسكرية" لا اعتقد أنه يعكس رغبة الجيش في
image

نوري دريس ـ منطق الحراك ومنطق المعارضة

د.نوري دريس   بعد أن انسحبت السلطة بشكل رسمي من الحوار، باعتبار نفسها غير معنية به، ولن تشارك فيه، لأنها ( هي الدولة) وأقصى ما يمكن
image

ثامر ناشف ـ تعويذة الحفاظ على الحِراك من اجل الدولة والمجتمع!

د.ثامر ناشف  ان حركية المجتمعات ضمن اطار "عصر الجماهير III" والقدرة على بناء التوجه العام لن يتوقف ولن يستتب الا بمدى انتاج وإحداث
image

يسين بوغازي ـ خوارج الحراك

يسين بوغازي الخوارج عصابة  خرجت على فكرة فسميت بدلالة الخروج اللغوي  خوارجا ،وكانت فئة متدينة  ، أخلص العصب المناصرة  لعلى بن أبي طالب!
image

رضوان بوجمعة ـ أحزاب الغلق و المجتمع المفتوح

د. رضوان بوجمعة   ستولد الجزائر الجديدة بوعي سياسي جديد، وبوعي وطني ذكي يعترف بالاختلاف والتنوع، ويقطع نهائيا مع منطق العصبة والعصبية والشبكة والزمرة.هذا الوعي
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر 20 ..عرس وطني ..الجزائر كلها اهازيج

د.العربي فرحاتي  حسب ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي تحولت الجزائر اليوم في ٥ جويليا إلى عرس وطني بهيج .. بأهازيج وأغاني الثورة التحريرية التي
image

نجيب بلحيمر ـ إن الذكرى تنفع الثائرين

نجيب بلحيمر   نحن بحاجة إلى ذاكرة قوية لننتبه إلى أهم أساليب النظام في احتواء المطالب, وإفراغها من معانيها, وإدخالها إلى رصيد هذا النظام.نتذكر جيدا عندما كانت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats