الرئيسية | الوطن الدولي | فوزي سعد الله ـ الحرب الصامتة...الجزائر..الغاز البحري..والناتو

فوزي سعد الله ـ الحرب الصامتة...الجزائر..الغاز البحري..والناتو

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
فوزي سعد الله 
 
لا تكاد تختلف الخصوصيات الجيولوجية لأعماق الجهة الشرقية للبحر المتوسط مع نظيراتها في غربه. وبالتالي، تؤكد هذه المؤشرات العلمية للخبراء أن أعماق الجهة الغربية لهذا البحر لن تكون أقل ثراء بالغاز. من وجهة نظر سايمون تومسون المدير التنفيذي لمؤسسة "كيرن إينيرجي أوف بريتن" (Cairn Energy of Britain)، التي تقوم باستكشاف حقول النفط البحري في المياه الإسبانية وصاحبة الخبرة الكبيرة في مياه جزيرة قبرص، "هناك الكثير من الإمكانات في منطقة المتوسط في اعتقادنا (...) حيث تم اكتشاف كثير من المحروقات، لكن نعتقد أن أكثر بكثير سيأتي اكتشافه" على حد قوله في مجلة "أوف شور ماغازين" (OffShore Magazine) سنة 2013 التي أوضحت أن المياه المتراوحة بين سواحل غرب ليبيا ومالطا وتونس تتضمن مخزونات واعدة من المحروقات. وهو ما ثبتته حتى الآن دراسات المسح الزلزالي التي انطلقت منذ أكثر من 5 سنوات مستخدمة أحدث التكنولوجيات في هذا المجال. وقد أصبح معروفا أن التنقيب عن الغاز يأخذ مجراه منذ بضع سنوات في مياه مدينتي مرسيليا وتولون في جنوب فرنسا، وفي مياه بني صاف في شمال غرب الجزائر ومياه جيجل وبجاية في شمال شرق البلاد على بعد 15 كلم من الساحل، وفي المياه الإيطالية والإسبانية، فضلا عن الاستكشافات الجارية بعيدا عن أضواء الإعلام في مناطق بعيدة عن السواحل والمياه الإقليمية لدول الضفتين بالتعاون الوثيق مع الشركات العالمية الكبرى المتخصصة الأمريكية والإيطالية والفرنسية والبريطانية والهولندية. وتكتسي هذه "الاكتشافات" الغازية المتوسطية الغربية أهمية خاصة لقرب آبار الغاز من أوروبا، أحد أكبر أسواق الطاقة في العالم، مما يقلص تكاليف النقل وبالتالي الأسعار، ويحفز على وضع الخطط العملية لإيصاله إلى القارة "العجوز" عبر الأنابيب العابرة للبر والبحر.
استدعى هذا التطور الطاقوي الكبير الاهتمام بترسيم الحدود البحرية بين الدول المحيطة بآبار الغاز البحري حتى تتمكن كلٌّ منها من استغلال نصيبها من هذه الثروة والاستفادة منها كجرعة هواء منعشة في ظل الاختناق الاقتصادي العالمي المتزايد منذ أزمة الائتمان العقاري في سنة 2008. ويأتي الاهتمام بترسيم الحدود البحرية فجأة، بظهور تكنولوجيات جديدة أكدت وجود كميات ضخمة من الغاز في أعماق البحر المتوسط، لتنهي التلكؤ الطويل بهذا الشأن إلى حد الإهمال من طرف الدول المشاطئة، نظرا للجدوى الضعيفة في السابق لجهد الترسيم ولعدم طروء ما يستوجب الإسراع في الحسم فيه. وعندما حان وقت الترسيم، ظهرت الخلافات والتوترات بسبب تداخل الحدود البحرية لبعض الدول من جهة ونهم دول أخرى الذي يفوق حقوقها من جهة أخرى، فضلا عن الحسابات الجيوسياسية لمنع انتعاش قوة هذا الطرف أو ذاك باستفادته من هذه الجرعة من الطاقة.
في غرب البحر المتوسط، لم نصل بعد إلى حد الاحتكام للقوة، مثلما وقع في شرقه، وتبادل التهديدات واستعراض العضلات العسكرية في البر والبحر والجو بالمناورات والدوريات المكثَّفة غير المعهودة التي بلغت حد احتكاك القوى العسكرية المتنافسة، كما حدث بين تركيا واليونان وبين تركيا وألمانيا، بالإضافة إلى حشد التحالفات. غير أنه لا يعني أن التصادم لن يحدث في المستقبل، إذا غاب التوافق بين الدول المعنية، حينما تتضح جغرافية وأحجام الغاز النائم في أعماق البحر والذي يشهد آخر مراحل استكشافه.
بالتوازي مع أعمال التنقيب والاستكشاف، رسَّمت الجزائر حدودها البحرية في 2018 وفقا لما ينص عليه القانون الدولي، قانون البحار الصادر عن الأمم المتحدة سنة 1982، الذي يعطي الحق للجميع في ترسيم حدود "منطقة اقتصادية خالصة" وتوسيع حدود الدولة في عرض البحر، فيما تقتضي معالجة تداخل الحدود البحرية بين الدول المشاطئة، بمقتضى هذا القانون، التفاوض والتوافق على حلول مُرضية لكل الأطراف. وهو ما يجري منذ بضع سنوات بين الجزائر وإسبانيا من جهة وبينها وبين إيطاليا من جهة أخرى، على الأقل، في أعقاب انزعاج البلدين المجاورين من خريطة الحدود البحرية الجزائرية التي أقرها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في 2018 والتي جعلت الحدود البحرية الجزائرية تصل إلى جزيرة إيبيزا وكابريرا الإسبانيتين وإلى نظيرتها سردينيا الإيطالية. وقد تلا ذلك الانزعاج اتصالات وجهود دبلوماسية ما زالت متواصلة بين الجزائر ومدريد من جهة والجزائر وروما من جهة أخرى.
في هذا السياق، يبدو أن الجزائر اتخذت احتياطاتها بتعزيز ترسانتها العسكرية، البحرية والجوية بشكل خاص، تحسبا لما قد يطرأ، في حال تعذرت التفاهمات مع الجيران، باقتناء أحدث السفن العسكرية والغواصات والطائرات والصواريخ والمروحيات المتطورة وأنظمة الرادارات والأجهزة الإلكترونية بل وبابتكار أنظمتها الإلكترونية الدفاعية الخاصة، التي بقيت عالية السرية حتى الآن، وتطوير بعض أسلحتها القديمة والتصنيع العسكري (على سبيل المثال صناعة المروحيات في عين آرنات بسطيف بالشراكة مع إيطاليا بسواعد وعقول وطنية بنسبة تفوق 50 بالمائة) وعقد التحالفات الدولية حتى تكون قادرة على حماية حدودها البحرية وحقوقها الاقتصادية فوق مياهها وتحتها.
ولم تمر هذه الجهود الكبيرة دون إثارة "الانشغال" داخل الحلف الأطلسي، الذي يتابع عن كثب تحديث القوات المسلحة الجزائرية وتطوير قدراتها بالتزامن مع ضغط بعض أعضائه على موسكو ما أجل منع أو تعطيل، على الأقل، بعض الصفقات العسكرية التي عقدتها مع الجزائر، وعلى رأسها صفقة الطائرات المقاتلة المتعددة المهام "سو 57". كما لم تمر هذه التطورات العسكرية الجزائرية دون إثارة انتباه واهتمام الإعلام الدولي المتخصص الذي يتابع بشكل متزايد نشاط المؤسسة العسكرية الجزائرية على غرار مجلة "ميليتري ووتش ماغازين" و"ديفينس نيوز" الأمريكيتين و"ديفينسا" الإسبانية و"بلغاريا ميليتري" البلغارية و"آفيا بْرو" الروسية ومختلف الوسائط العالمية المعروفة المتخصصة في الشؤون العسكرية.
يشيع الاعتقاد والترويج، في هذا السياق، أن "حمّى" التسلّح الجارية في الجزائر تستهدف المغرب بالدرجة الأولى، ولو أن هذا الأخير لا يُستهان به في ظل الأوضاع الراهنة، فيما تقول طبيعة الأسلحة المقتناة وقوتها الكبيرة ومداها الجغرافي والتجهيزات والتكنولوجيات المكمِّلة لها أن "العدو" الذي تُعَدُّ له العُدَّة في الجزائر دون انقطاع منذ تجربة إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، على الأقل، أقوى بكثير من المغرب من الناحية العسكرية وأبْعد منه جغرافيا ويُهدِّد أمن البلاد من الضفة الشمالية للبحر المتوسط بالدرجة الأولى وليس من حدودها الغربية، وهو الحلف الأطلسي بمختلف أذرعه الإسبانية والإيطالية والفرنسية على الأقل، بالإضافة إلى "وكلائه" غير المنضويين رسميا تحت رايته. ولا شك أن الجزائر استخلصت الدروس مما جرى ويجري في شرق المتوسط وتجربة أنقرة الناجحة، حتى الآن على الأقل، في حماية حقوقها والمفاوضات التي جرت بهذا الشأن بين دول هذه المنطقة والتي من بينها المفاوضات بين مصر وجيرانها ونظيرتها اللبنانية الإسرائيلية التي ما زالت متعثرة.
فضلا عن هذه الاعتبارات الأمنية/الدفاعية، يتعين على الجزائر من الناحية الاقتصادية حماية حصتها من سوق الغاز العالمي أمام المنافسين الجدد ومشاريع أنابيب تصدير الغاز الجديدة إلى أوروبا بتعزيز احتياطاتها بنصيبها من غاز المتوسط، وهي تملك الخبرة التقنية والأفضلية من حيث القرب الجغرافي من أوروبا الذي يخفض تكاليف النقل وبالتالي الأسعار.
ليست الجزائر فقط التي تعزز قدراتها العسكرية الردعية في هذا الظرف الحسّاس والمصيري، بل نفس النهج تتبناه دول الجوار المتوسطي من المغرب وإسبانيا وفرنسا إلى إيطاليا، مثلما فعلت دول شرق المتوسط كمصر ودولة الاحتلال الصهيوني واليونان التي أنفقت وتنفق في السنوات الأخيرة أموالا طائلة على التسلّح، لاسيما البحري والجوي منه. وليس من باب الصدفة أن تتضاعف المناورات البحرية لهذه البلدان بالاشتراك مع الترسانة البحرية الأمريكية في مياه المتوسط والأطلسي وحتى في مياه البحر الأحمر بالتدرب على استخدام أسلحة جديدة وتنفيذ تاكتيكات حربية وتنسسيق العمليات بين مختلف القوات وعمليات الإنزال مثلما قامت بها القوات الفرنسية والأمريكية بضعة أسابيع في شمال البحر المتوسط ويقوم به في الأيام الأخيرة الحلف الأطلسي بقيادة البحرية الأمريكية بالاشتراك مع المغرب قرب جزر الكناري. ويُعتقّد في الأوساط المختصة في الشؤون الأمنية والإستراتيجية أن باريس لن تبق بعيدة عن ملف ترسيم الحدود البحرية الجزائرية مع إسبانيا وإيطاليا وسوف تعمل، بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق حلفائها ووكلائها، على تحييد مكامن القوة التي توفرها الحدود الجديدة للجزائر حتى تمنع "استقواءها" حفاظا على مصالحها الحيوية في المنطقة.

شوهد المقال 1261 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خلجات ...علاء الأديب

دلوني على بلاد لا تجف فيها الأنهار. ولا يحترق فيها القمح ولا يعيش فيها الانسان مهان ولا يموت فيها كموتة الديدان دلوني على بلاد أنام
image

حتى لا يستمر الخذلان

قال الشاعر الشيعي وهو يعبر عن الشيعة، ( أنا شيعي وعندي قصة ويه الحسين ) وما ظهر لي من قصة الشيعي مع سيدنا الحسين رضي
image

فروسية - قصة قصيرة

قصة قصيرة لم يسبق لى أن امتطيت خيلا ولا تعلمت الفروسية، ولا رأيت فارسا فى الحقيقة رغم مقابلتى لكثير من الخيول بحكم تواجد الخيل
image

سماسرة : منظومة الفساد ومافيا تصاريح العمل تستغل العمال الفلسطينيون الى حد العبودية!!

د.شكري الهزَّيل **فلسطيني عن فلسطيني يفرق وعلى جميع السماسره الفلسطينيون على ضفتي الوطن المُحتل ان يخجلوا من السمسرة واستغلال احوال اخوانهم واخواتهم العمال الفلسطينيون اللذين
image

أسباب انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش بقلم : حماد صبح

يتوجع عسكريون وساسة إسرائيليون من انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش ، في دولة قيل عنها يوما إنها جيش له دولة . ومن أشد العسكريين
image

هل الولايات المتحدة دولة إرهابية ؟! ترجمة : حماد صبح

لا مفر من الإجابة : نعم ، أميركا دولة إرهابية . غالبا ما تشير كلمة " الإرهاب " إلى هجمات عنيفة منظمة على
image

لا لمُعدل أقل من عشرة في البكالوريا والجامعة ليست مكانا للهو.

مبارك لكل الناجحين والناجحات في بكالوريا هذه السنة التي صنعت الإستثناء للمرة الثالثة على التوالي بتبني وإقرار مُعدل 9,5للظفر بالباك أو الثانوية العامة كما يُطلق
image

ما وراء الجدار!!

  د.شكري الهزَّيل في طفولتي المشاغبة لم اترك شئ لم اكتب او ارسم عليه رسمة ما,كتبت على الرمل والحيطان والاشياء وحجارة الرغمون وكنت دائما اشعر اني
image

تحت عجلة التدوير...الشاعرة ريم النقري ..سوريا

أنا لا أكتب الآن بل أتخيّل بطولاتكم على وقع مزامير عقمكم قد تصبحين دمية كبيرة زاحفة باتجاه الموج تترسّب عليها الكثير من
image

دستور نوح فيلدمان يلفظ أنفاسه، وتونس جزء من الأمة بجناحيها العربي والإسلامي

  في كتابه "سقوط وصعود الدولة الإسلامية" الصادر سنة 2008 يقول البروفيسور الأمريكي نوح فيلدمان أن على الإدارة الأمريكية دعم الجماعات الإسلامية في البلاد العربية والتحالف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats