الرئيسية | الوطن الدولي | جلال خَشِّيبْ ـ سياسةٌ خارجيةٌ للبراغماتيّين: كيف يُمكنُ لبايدن أن يتعلّم من التاريخ في الوقت الراهن

جلال خَشِّيبْ ـ سياسةٌ خارجيةٌ للبراغماتيّين: كيف يُمكنُ لبايدن أن يتعلّم من التاريخ في الوقت الراهن

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)
 
سياسةٌ خارجيةٌ للبراغماتيّين: كيف يُمكنُ لبايدن أن يتعلّم من التاريخ في الوقت الراهن
جَدْعُون رُوزي (يُنطق بالإنجليزية ڨِدْيُون)
مجلّة الشؤون الخارجية، عدد مارس/أبريل 2021، الولايات المتحدّة
الكلمات المفتاحيّة: الليبرالية، الواقعية، البراغماتية، التاريخ، إدارة بايدن والسياسة الخارجية الأمريكية

يُرافِع الكاتب في هذا المقال لأجل سياسةٍ خارجيةٍ أمريكيةٍ أكثرَ براغماتيةٍ تتجاوزُ الالتزام الصارم بإطارٍ نظريٍ أحاديٍ حتّى تتجنّب العيوب التّي تعتري هذا الإطار في التفسير، التوجيه أو الاستشراف، مُحاججاً بأنّ البراغماتية التّي تجمع بين ميزات الخرائط المعرفية العديدة والمتنوّعة تُعدّ بمثابة الايديولوجية الأمريكية الحقيقية التّي يبنغي على إدارة بايدن أن تتبنّاها في سياستها الخارجية حتّى تسمح للولايات المتحدّة برؤية العالم على نحوٍ أوضح والعمل فيه بشكلٍ أكثر فعالية.
يُركّز جدعون روز هنا على الخرائط المعرفية التّي قدّمتها (وتُقدّمها) النظريتيْن السائديْن في السياسة الدولية لصنّاع القرار الأمريكيين بخصوص التعامل مع مشكلاتِ عالمِ اليوم أو التنبؤ بما يحمله المستقبل من تحدّيات، أيّ النظريتيْن الليبرالية المتفائلة، والواقعية المتشائمة كما يصفهما.
هكذا، يستعرض الكاتب في القسم الأول من المقال بشكلٍ مُوجزٍ تاريخ الجدل اللامنتهي بين فلاسفة وروّاد النظريتيْن طيلة ال 300 سنة الماضية منذ توماس هوبز وحالة الفوضى الحتميّة المتشائمة، في مقابل جون لوك والحالة التعاونية السلميّة المتفائلة، مُوضّحاً كيف تطوّر الجدل بينهما إلى أن صار أكثر علميةً ما بعد الحرب العالمية الثانية من دون أن يتمكّن أحد الطرحيْن من الفوز على الآخر، كيف جذبت طروحات كلتا النظريتيْن أتباعاً لهما، ميزةُ كلٍّ طرحٍ على حساب الآخر، ثمّ أخيراً عيوب هذيْن الطرحيْن التّي أثبتت تحدّياتُ القرن الحادي والعشرين وجودها حتّى تنامى الحديث منذ مدّةٍ عن "موت نظرية العلاقات الدولية"، مُقدّماً أمثلةً عمليةً عديدةً عن قصور الخرائط المعرفية التّي ترسمها هذه النظريات للادارات الأمريكية المتعاقبة فيما يتعلّق بنمط السياسة الخارجية التّي ينبغي تبنّيه.
يُؤكّد الكاتب اشتهار السياسة الخارجية الأمريكية بالتوتّرات الداخلية، إذ لا تتناسب مُنطلقاتها ومُخرجاتها بسهولة مع أيّ إطارٍ نظريٍ واحد. أثبتت هذه التعدّدية، بالنسبة له، كونها ميزةً وليست خللاً أو عِلّة، فلأنّها لم تتبنّ أيّ مقاربةٍ واحدة للسياسة الخارجية بشكلٍ ثابت، فقد تمكّنت واشنطن من تجنّب أسوء الجوانب على الاطلاق. هكذا، يدعو الكاتب إدارة بايدن إلى الاحتفاظ بكلتا الحقيقتيْن (التفائلية والتشاؤمية) في الجيْب، وإخراج كلّ منهما حسبما تقتضي الضرورة.
أمّا طريقةُ القيام بذلك، فهي جعلُ المُنظِّرين، وليس المُدراء، الفريق الحقيقي من المنافسين للإدارة وإجبارهم على القيام بتنبؤّاتٍ واقعية، تقديم نصائح عمليةٍ قابلة للاختبار ومن ثمّة معرفة أيُّ خيارٍ سيكون الأفضل في الوقت الراهن، مُعتبراً بأنّ البحث عن النزاهة الفكرية أكثرُ أهميّةً من مُجرّد تبنّي إيديولوجية ما.
في إطار مُحاججته، يستشهد الكاتب بمقالٍ كتبه كلٌّ من دانيال دريزنر، رونالد كريبس وراندال شفيلر العام الماضي بمجلةّ السياسة الخارجية تحدّثوا فيه عن "موت الاستراتيجية الكبرى" (سبق وأن قدّمتُ له مُلخّصاً بالعدد 21 من البوصلة الجيوبوليتيكيّة)، وبأنّ عالم اليوم عالمٌ كثيرُ التفاعل، شديد التعقيد، مُضطربٌ ومائع، لا يسير فيه التاريخ بخطٍّ مستقيمٍ، أيْ يصعبُ التنبؤ فيه بالمستقبل، لذا فهو عالمٌ لا يعترف بالفضيلة المفترضة للاستراتيجية الكبرى، لاسيما تلك التّي يحكمها إطارٌ نظريٌ واحد. إذن، فخرائط الطريق المُبسّطة ليست مفيدة جدّاً في التعامل مع المشهد الدولي المُعقّد اليوم. مع ذلك، يرى جدعون روز بأنّ ذلك لا يعني التخلّص من هذه الخرائط، بل يدعو الإدارة الجديدة لمعرفة كيفية استخدام "خريطتيْن سيّئتين" في وقت واحد.
قبل كلّ شيئ، لا تتعلّق السياسة الخارجية بعملية رسم خرائط، إنّما هي عملية توجيه: أيْ سباقٌ بجنونٍ عبر منطقةٍ خطرةٍ وغير معروفة، كما أنّ المنظّرون ليسوا بصنّاع خرائط وإنّما مُدرّبون تتمثّل مهمتّهم في مساعدة اللاعبين على السباق بشكلٍ أفضل. لذا، فعلى إدارة بايدن أن تعمل على دمج طروحات الليبراليين والواقعيين معاً قدر الإمكان، مع عدم الثقّة المُطلقة بكليْهما وحثّ المُنظرّين على إجراء تنبّؤاتٍ قابلةٍ للتجريب لتجنّب الفشل في السياسة الخارجية.
في آخر المقال، يَخْلُصُ الكاتب إلى أنّ مُحرّك نجاح الدبلوماسية الأمريكية عبر التاريخ هو اعتمادها على نظرياتٍ متعدّدة، المزج بين إداراتٍ عقائديةٍ متعدّدةٍ والتعاقب السياسي المنتظم بين الإدارات الليبرالية-المتفائلة والواقعية-المتشائمة.
علاوةً على ذلك، يحثّ الكاتبُ الباحثِين على التحلّي بالتواضع العلمي أثناء محاولة استشراف المستقبل وعدم الخجل من الاعتراف بالتعقّد الذّي يتسّم به عالم اليوم وكذا التعامل مع المشكلات بفضولٍ أكبر، بانفتاح عقلي ومرونة، فجوهرُ التنبؤ الناجح هو الجمع بين خرائط معرفية متعدّدة ودمج تقنيات استشرافٍ مختلفة، هكذا فلن تضطر إدارة بايدن إلى تنبّي خيارٍ مأساويٍ محصورٍ بين التشاؤم أو التفاؤل، بين الواقعية أو الليبرالية، بدلاً من ذلك يمكنها أن تختار البراغماتية كونها الايديولوجية الأمريكية الحقيقية.
لن تُغيّر مقاربةُ السياسة الخارجية هذه العالم، لكنّها ستسمحُ للولايات المتحدّة برؤية العالم على نحوٍ أوضح والعمل فيه بشكلٍ أكثر فعالية.
...
إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الثاني، العدد الخامس والستّون، 26 فبراير 2021، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)
يُمكنكم تحميل العدد كاملا باللغتين العربية والإنجليزية على شكل ملف بي دي أف من الرابطين التاليين:
Arabic PDF:
English PDF:
بعد إنتهاء المراجعة التقنية لموقع المركز، ستتمكّنون من تحميل هذا العدد وجميع الأعداد السابقة باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.
 

شوهد المقال 362 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خلجات ...علاء الأديب

دلوني على بلاد لا تجف فيها الأنهار. ولا يحترق فيها القمح ولا يعيش فيها الانسان مهان ولا يموت فيها كموتة الديدان دلوني على بلاد أنام
image

حتى لا يستمر الخذلان

قال الشاعر الشيعي وهو يعبر عن الشيعة، ( أنا شيعي وعندي قصة ويه الحسين ) وما ظهر لي من قصة الشيعي مع سيدنا الحسين رضي
image

فروسية - قصة قصيرة

قصة قصيرة لم يسبق لى أن امتطيت خيلا ولا تعلمت الفروسية، ولا رأيت فارسا فى الحقيقة رغم مقابلتى لكثير من الخيول بحكم تواجد الخيل
image

سماسرة : منظومة الفساد ومافيا تصاريح العمل تستغل العمال الفلسطينيون الى حد العبودية!!

د.شكري الهزَّيل **فلسطيني عن فلسطيني يفرق وعلى جميع السماسره الفلسطينيون على ضفتي الوطن المُحتل ان يخجلوا من السمسرة واستغلال احوال اخوانهم واخواتهم العمال الفلسطينيون اللذين
image

أسباب انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش بقلم : حماد صبح

يتوجع عسكريون وساسة إسرائيليون من انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش ، في دولة قيل عنها يوما إنها جيش له دولة . ومن أشد العسكريين
image

هل الولايات المتحدة دولة إرهابية ؟! ترجمة : حماد صبح

لا مفر من الإجابة : نعم ، أميركا دولة إرهابية . غالبا ما تشير كلمة " الإرهاب " إلى هجمات عنيفة منظمة على
image

لا لمُعدل أقل من عشرة في البكالوريا والجامعة ليست مكانا للهو.

مبارك لكل الناجحين والناجحات في بكالوريا هذه السنة التي صنعت الإستثناء للمرة الثالثة على التوالي بتبني وإقرار مُعدل 9,5للظفر بالباك أو الثانوية العامة كما يُطلق
image

ما وراء الجدار!!

  د.شكري الهزَّيل في طفولتي المشاغبة لم اترك شئ لم اكتب او ارسم عليه رسمة ما,كتبت على الرمل والحيطان والاشياء وحجارة الرغمون وكنت دائما اشعر اني
image

تحت عجلة التدوير...الشاعرة ريم النقري ..سوريا

أنا لا أكتب الآن بل أتخيّل بطولاتكم على وقع مزامير عقمكم قد تصبحين دمية كبيرة زاحفة باتجاه الموج تترسّب عليها الكثير من
image

دستور نوح فيلدمان يلفظ أنفاسه، وتونس جزء من الأمة بجناحيها العربي والإسلامي

  في كتابه "سقوط وصعود الدولة الإسلامية" الصادر سنة 2008 يقول البروفيسور الأمريكي نوح فيلدمان أن على الإدارة الأمريكية دعم الجماعات الإسلامية في البلاد العربية والتحالف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats