الرئيسية | الوطن الدولي | جلال خَشِّيبْ ـ كيفيةُ احتواء روسيا-بوتين: إستراتيجيةٌ لمواجهة قوّةٍ تعديليةٍ صاعدة مايكل مَاكْفُولْ

جلال خَشِّيبْ ـ كيفيةُ احتواء روسيا-بوتين: إستراتيجيةٌ لمواجهة قوّةٍ تعديليةٍ صاعدة مايكل مَاكْفُولْ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)
 
كيفيةُ احتواء روسيا-بوتين: إستراتيجيةٌ لمواجهة قوّةٍ تعديليةٍ صاعدة
مايكل مَاكْفُولْ
مؤسّسة انتساب المؤلّف: مؤسّسة هوفر ومعهد فريمان سبوغلي للدراسات الدولية بجامعة ستانفورد (سفير الولايات المتحدة السابق لدى روسيا ما بين 2012-2014)
مجلّة الشؤون الخارجية، 19 يناير 2021، الولايات المتحدّة
الكلمات المفتاحيّة: إدارة بايدن، روسيا-بوتين، إستراتيجية الاحتواء، الانخراط الانتقائي والقوّة التعديلية الصاعدة

يقترح ماكفول هنا على إدارة بايدن استراتيجيةً شاملةً لاحتواء روسيا-بوتين والتّي يرى فيها قوةً تعديليةً صاعدةً لا ينبغي الاستهانة بها، خاصّة وأنّ المرحلة القادمة ستحمل في نظره عودةً للتوتر بين القوتيْن. ينقسم هذا المقال المُطوّل إلى ستّة أقسام.
في القسم الأول، يُوضّح الكاتب بأنّ التفكير الأمريكي تجاه روسيا مليئٌ بالأساطير والمفاهيم الخاطئة التّي أعاقت تحليل واشنطن لموسكو طيلة سنوات، كما أعاق وضع تقييمٍ دقيقٍ لطبيعة التهديد الذّي تُشكّله ومن ثمّة صياغة استراتيجيةً مناسبةً للتعامل معه بفاعلية. لذا يدعو الكاتب، قبل كلّ شيئٍ، للتخلّص من هذه المفاهيم.
يُعدُّ التقليل من قوّة روسيا ونفوذها الإقليمي والدولي في مجالاتٍ عديدةٍ إحدى هذه المفاهيم الخاطئة السائدة، فروسيا ليست دولةً ضعيفةً كما يُقدٍّر كثيرٌ من المحلّليين والمسؤولين الأمريكيين. لا تزال روسيا قوّةً عسكريةً نوويةً هائلةً تستمر في تحديث ترسانتها، تُشكّل ترسانتها تهديداً كبيراً لأوروبا بل وتتفوّقُ على الناتو في بعض الاجراءات عند خطوط الالتقاء في أوروبا الشرقية، يستمر بوتين في القيام باستثماراتٍ كبيرةٍ في أسلحة الفضاء، الاستخبارات، القدرات السيبرانية حتّى صارت روسيا تُقرصن الولايات المتحدّة ذاتها. صحيحٌ بأنّ لموسكو تحالفات أقّل وأضعف مقارنةً بواشنطن، إلاّ أنّ علاقاتها مع بيجين عميقةٌ كما لم تكن من قبل.
يحتّل الاقتصاد الروسي المرتبة الحادية عشر في العالم والناتج المحلّي الإجمالي الروسي أكبر من نظيره الصيني وفقاً لنصيب الفرد منه. هكذا، فإنّ لبوتين مواردٌ اقتصاديةٌ كافيةٌ تحت تصرّفه لمتابعةِ أجندةٍ سياسيةٍ خارجيةٍ عدوانية.
علاوةً على ذلك، فلبوتين سلطةٌ إيديولوجيةٌ كبيرة، فقد استثمر بكثافة في أدوات القوّة الناعمة، حيث تبلغ الميزانية السنوية لقناة RT مثلاً 300 مليون دولار سنويا، كما شجّع نظامه على إنشاء العديد من المنظّمات شبه الحكومية وقوّات الأمن شبه العسكرية لتعزيز المصالح الروسية في الخارج كوكالة أبحاث الانترنت، مجموعة فاغنر العسكرية الخاصّة، مؤسّسة حماية القيم الوطنية وغيرها. إضافةً إلى ذلك، فإنّ بوتين مدفوعٌ للغاية بمجموعةٍ من الأفكار الأرثوذكسية وغير الليبرالية المناهضة للديمقراطية والغرب، فهو يحاول جعل نفسه زعيماً للعالم المُحافِظ غير الليبرالي في مواجهة النزعة الدولية اللبيرالية الأمريكية. لقد صارت للنزعة البوتينية قائمةٌ من المعتنقين في أوروبا وأمريكا ذاتها من قادةٍ سياسيين، أحزابٍ وحركاتٍ إيديولوجية، فلفترةٍ طويلةٍ قلّلت واشنطن من أهميّة هذا البعد الإيديولوجي للمنافسة الأمريكية الروسية تاركةً المجال لتوسُّع البوتينية.
يرى الكاتب أيضا بأنّ بوتين زعيمٌ تعديليٌ أكثر من نظيره الصيني، إذ يرى بوتين نفسه في حالةِ حربٍ مع الولايات المتحدّة وحلفائها والمؤسّسات متعدّدة الأطراف التّي أنشأتها، لم يعد بوتين يرغب في التعاون مع الغرب كما لا يريد مكاناً محترماً داخل النظام الدولي الليبرالي، بل يسعى لتدمير هذا النظام الذّي تقوده الولايات المتحدّة. لأجل كلّ ما سبق يُوصي الكاتب بضرورة ردع روسيا-بوتين واحتوائها على المدى الطويل عبر الاستفادة من التوصيات التّي وضعها جورج كينان قبل 75 سنة وتكييفها مع الظروف الجديدة.
في القسم الثاني من المقال يُحاجج الكاتب بأنّ أولى خطوات الاحتواء تبدأ من الداخل، خاصّةً بعدما أظهر التدخّل الروسي الأخير في شبكات الانترنت التابعة للحكومة الأمريكية والقطاع الخاصّ بأنّ الولايات المتحدّة لم تستثمر على نحوٍ كافي في الدفاع ضدّ هجمات موسكو على الشبكات الرقمية الأمريكية.
لذا يدعو الكاتب إدارة بايدن لتخصيص المزيد من الموارد لاحتواء التهديدات السيبرانية الروسية، كما يُقدّم توصياتٍ إجرائيةٍ لتعزيز الأمن السيبراني وبنيته التحتية كانشاء فضاءٍ سيبراني موازٍ لمجلس سلامة النقل الوطني.
يجب أن يتضمّن الاحتواء عنصراً اقتصادياً وإديولوجياً أيضا، فعلى واشنطن الحدّ من القوّة الاقتصادية لموسكو من خلال المطالبة بقدرٍ أكبر من الشفافية المتعلّقة بالأنشطة المالية والايديولوجية الروسية داخل الولايات المتحدة، أوروبا وآسيا، كما يقترح مباشرة اجراءاتٍ عمليةٍ ذات صلةٍ كدعوته الصريحة لحظر المشاريع الاقتصادية الروسية في الغرب ذات الأهداف الجيوبولتيكية الواضحة مثل بناء خطّ أنابيب (Nord Stream 2) ومواجهة التدخّل الروسي في الانتخابات الأمريكية المستقبلية.
أمّا القسم الثالث فيُخصّصه لشرح كيفية تجسيد الاحتواء في الخارج والذّي يقوم في نظره على مبدأ الردع باستخدام حلف الناتو أساسا. فبعد ضمّ بوتين للقرم سنة 2014، رفعت الولايات المتحدّة من جاهزية الناتو، ميزانيته وموارده في أوروبا، لقد كانت مبادرات جيّدة لكنّها ليست بالكافية كما يصفها الكاتب، فالناتو بحاجة إلى قدراتٍ عسكريةٍ بريّةٍ تقليديةٍ أكبر لصدّ أيّ هجومٍ روسي، خاصّةً على خاصرته الجنوبية الضعيفة. يحتاج الناتو إلى معالجة الانقسامات السياسية المتزايدة بين دوله الأعضاء (تركيا والمجر)، وكذا إعادة إلتزامه بالقيم الديمقراطية، إلتزام واشنطن بقيادته وتحديث استراتجيته لاسيما البحرية منها، فأفضل طريقةٍ للحفاظ على السلام في أوروبا هي ردع بوتين وجعله يُدرك التكلفة الباهضة لأيّ عدوانٍ يشنّه ضدّ أحد أعضاء الناتو.
في هذا الصدد، يعتبر الكاتب أوكرانيا بمثابة المسرح الأهمّ في معركة احتواء بوتين، وهنا يحثّ بايدن على زيادة الدعم متعدّد الأوجه لأوكرانيا حتّى تصير بلداً آمناً، مزدهراً وديمقراطياً مُلهماً لمن حوله، في مقابل تعميق العقوبات ضدّ روسيا ما دام بوتين يستمر في احتلاله للأراضي الأوكرانية، كما يدعو الكاتب إلى دعم الدول الأخرى على الحدود الروسية.
في القسم الرابع يدعو الكاتب بايدن إلى الوفاء بوعوده الانتخابية المتعلّقة أساساً بجعل القيم الليبرالية محوراً لسلوك السياسة الخارجية الأمريكية، لاسيما تجاه روسيا، هكذا ستكون هناك مزيدٌ من الضغوط على السلوك الروسي غير الديمقراطي المنتهِك لحقوق الانسان. على بايدن إثبات خطأ بوتين حينما ادّعى انتهاء زمن الليبرالية وذلك من خلال تجديد الديمقراطية الأمريكية في الداخل، وهنا يُقدّم ماكفول بعضاً من المقترحات لإصلاح المؤسّسات، لاسيما الاعلامية منها وتفعيلها، إضافةً لمؤسّسات الاشعاع الثقافي بهدف احتواء الايديولوجية البوتينية ومحاربة دعايتها المُغرضة.
يتحدّث القسم الخامس عمّا يُسمّيه الكاتب "بالانخراط الانتقائي" كسياسةٍ يجب أن تعمل عليها واشنطن في ذات الوقت الذّي تُباشر فيه احتواء النفوذ الروسي في الداخل والخارج، إنّها سياسةٌ قائمةٌ على إشراك موسكو في عددٍ صغيرٍ من القضايا ذات المنفعة المتبادلة، كتمديد العمل بمعاهدة ستارت الجديدة لمدّة خمس سنوات، فتح حوارٍ واسعِ النطاقِ مع موسكو حول القيود المحتملة على الأسلحة النووية غير الاستراتيجية، قضايا الجوائح وتغيّر المناخ، إلخ، كما يجب على الولايات المتحدّة أن تدفع روسيا للعمل داخل المؤسّسات متعدّدة الأطراف لاحتواء سلوكها التعسفّي.
سوف يستمر التنافس بين الولايات المتحدّة وروسيا خلال العقود القادمة، لكن لا ينبغي أن يكون سوء الفهم بينهما مصدراً للصراع حتّى يتمكّن الطرفان من تجنّب أسوء أشكال الحروب بين القوتيّن.
في القسم الأخير يوضّح الكاتب وجهة نظره لكيفية إرساء علاقاتٍ حسنةٍ مع روسيا ما بعد بوتين، فمهما طال الأمد ستتغيّر القيادة الروسية وربّما النظام بأكمله، وسيؤدّي ذلك إلى فتح العلاقات بين واشنطن وموسكو. على الولايات المتحدّة أن تُحضِّر لذلك اليوم من الآن من خلال ابتكار طرقٍ جديدةٍ لتنمية العلاقات الثقافية بين البلدين، تعميق الروابط مع المجتمع الروسي لأجل تقويض دعاية بوتين المعادية لأمريكا وكذا تصحيح الصورة النمطية الأمريكية عن الروس.
يُمكن بلوغ ذلك عن طريق تسهيل الدراسة في الولايات المتحدّة للطلبة الروس مثلاً وحثّ الحلفاء لفعل ذلك أيضا، بل وحتّى إلغاء التأشيرة أمامهم بهدف إبراز مزايا النظام الغربي (بشرط تعزيز دور وكالات مكافحة التجسّس)، تشجيع الدبلوماسيين الأمريكيين داخل روسيا على الانخراط بنشاط في الدبلوماسية العامّة، التوقّف عن شيطنة الشعب الروسي من طرف الجهات الرسمية والاعلامية الأمريكية وتأكيد إدارة بايدن بأنّ العقوبات الأمريكية مُصمّمةٌ لمعاقبة منتهكيِ حقوق الانسان ولتغيير السلوك العدواني لسياسة بوتين الخارجية وليس لإيذاء الشعب الروسي أو محاولة تغيير النظام، فليس للولايات المتحدّة مشكلةٌ مع التاريخ والثقافة الروسية.
هكذا، يُقدّم ماكفول استراتيجيةً شاملةً ومتكاملةً لاحتواء روسيا-بوتين باعتبارها قوّةً تعديليةً صاعدةً ومواجهتها خلال العقود القادمة.
...
إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الثاني، العدد الرابع الستّون، 19 فبراير 2021، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)
يُمكنكم تحميل العدد كاملا باللغتين العربية والإنجليزية على شكل ملف بي دي أف من الرابطين التاليين:
Arabic PDF:
English PDF:
بعد إنتهاء المراجعة التقنية لموقع المركز، ستتمكّنون من تحميل هذا العدد وجميع الأعداد السابقة باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.
 
 

شوهد المقال 209 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats