الرئيسية | الوطن الدولي | وجيدة حافي ـ حُقُوق الإنسان الواقع والأرقام الكاذبة

وجيدة حافي ـ حُقُوق الإنسان الواقع والأرقام الكاذبة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
وجيدة حافي
 
أضحك كثيرا لما نتكلم عن حُقُوق الإنسان في هذا العالم الليبرالي الرأسمالي المليء بالمصالح الشخصية والربح السريع، كلمة حُق في زماننا أًصبحت من الكلمات الغير مُعربة في قاموس الساسة وأًصحاب القرار، طبعا ليس كُلُهم، لكن نصفهم لا يؤمن بها ويعتبرها ملهاة ،رُبما دبلُوماسيا يستعملونها كورقة لتمرير بعض الصفقات بمُختلف التسميات، لكنهم في قرارة أنفسهم يشمئزون منها ويعتبرونها لا شيء، كيف نتكلم عن الحُقوق ونصف العالم يعيش الحُروب والمآسي؟ جولة سريعة في أحضان هذا العالم ستكشف لنا عُمق المأساة، لأن الحق ليس فقط في الأكل والشُرب، بل في أشياء أُخرى تكاد تكُون مُنعدمة وخاصة في دُولنا العربية، التي تتشدق بهذا المُصطلح خارجيا، وتُعطي أرقام خاطئة لا علاقة لها بالواقع المرير الذي يقول أن المُواطن العربي للأسف لا يتمتع بحقوقه كاملة في وطنه، لذا يجد الضفة الأخرى ملجأ له ومكاناّ آمنا لمُمارسة حُقُوقه المسلوبة.
فالاختلافات بين البشر موجودة منذ الأزل وربنا سُبحانه وتعالى خلقنا مُختلفين جنسا ولونا وثقافة، وهذا بطبيعة الحال سيُودي إلى تنوع حاجاتنا ومطالبنا، فهناك من يبحث عن حقه في الأكل والشُرب، والسكن والوظيفة وغيرها من الحاجات الضرورية له والكمالية لغيره، فئة أُخرى تملك الوظيفة والسكن والدخل الُمُحترم، لكن همها الكلمة الحُرة المُغتصبة من هؤلاء الذين يعتبرونها عدوا لذودا وخطرا يجب إيقافه، بالتهديد والسجن والتعذيب كما يحدث لكثير من النُشطاء العرب عبر مُختلف البلدان العربية، والذين للأسف لا يلقون دعما وتأييدا من إعلامهم المُتواطئ مع الحاكم بطريقة أو بأُخرى في تقديم أرقام كاذبة لا تمت للحقيقة بصلة، فعن أي حق تتكلم مصر بقيادة رئيسها السيسي، ونصف الشباب والسياسيين المعارضين في السجن، والتهديد يطال كل من يتجرأ على ذكر سيادته بكلمة ، فالحرية في بلد الفراعنة للأسف مُصادرة وممنوعة منعا باتا للمُثقفين وأصحاب الأقلام الحُرة، فمصر تملك أقلام مُعبرة، تقول الحق ولو كان مُرا، لكنها مُقيدة بسلاسل والخطأ بحسابه، لذا تجدها صامتة ومُكتفية بالملاحظة من بعيد، تاركة المجال لأصحاب الشيتة، الذين يُسبحون بحمد الريس، والذين لا يلقون قُبولا من المُواطنين لكثرة تزلُفهم، فالمُحاكمات الجائرة إتسعت بسبب توسيع دور المحاكم العسكرية في مُحاكمة المدنيين، حتى القضاء غير عادل ومُستقل، فالرئيس وحده من يُعين المجالس القضائية، والحصانة موجودة لأفراد من القٌوات المُسلحة، سُجناء رأي وإعتقالات ، إختفاء قسري لعديد المعارضين، فحسب المُفوضية المصرية لحُقوق الإنسان ما لا يقل عن 710 أشخاص تعرضوا للإختفاء القسري خلال عام 2019، خط الفقر إتسع وهناك من المصريين في عهد السيسي من مازال يأكل من المزابل، حق الأطفال مهضوم وغير موجود، حق التعليم والحماية من مُختلف أنواع العُنف والتعذيب. وبما أننا نتكلم عن المُعتقلين، دعونا نُسلط الضوء على الصُحفي المصري "محمود حُسين" الذي أطلقت السلطات سراحه بعد سجن دام أكثر من أٍربع سنوات في قضية نشر أخبار كاذبة والإنتماء لجماعة محظورة، فهل كل هذه السنوات لم تكفي السُلُطات المصرية لمعرفة الحقيقة؟ ولماذا لم تُحاكمه في الأرٍبع سنوات؟ ولماذا أُطلق سراحه الآن؟ فالمفرُوض من السُلُطات المصرية إعادة النظر في الحبس الإحتياطي، لكي لا تظلم أبرياء، وشُكرا للمُصالحة الخليجية التي بدأت بركاتها تظهر عند الحُلفاء.
من أرض الفراعنة نرحل للسُعودية التي كُنا نتمنى أن لا يحدث فيها ما يحدث لكثير من النُشطاء نساء ورجالا، رُبما السُعودية كبلد بترولي، له من المداخيل من السياحة الدينية ما يحفظ كرامة أهله ، لا يعيش شعبه الفقر والحرمان مثل باقي الدُول، لكن المرأة هناك رغم الجُهود المبذولة لتحريرها لا تزال رهينة للرجل، حُرية الرأي لا تُوجد، وإذا سطُع شمسُها تغرب في حينها، الملك هو الكل في الكُل، قال الملك وفعل الملك وتحيا الملك، هناك تجد الناس يتكلمون عن كل ما يحدث عند جيرانهم وينتقدون، لكن لما تسألهم عن رأيهم في سياستهم الداخلية والخارجية يصمتون ويُغيرون الموضوع لأن للجدران آذان حسب تعبيرهم، وللأسف كل الدُول القابعة تحت نظام الوحدة الخليجية تسير على نفس النهج، فالخليجي مُقارنة بمُواطن عربي آخر أقل حرية، وما نسمعه ونراه من مُعارضة للنظام هو في الأغلب خارج الوطن، وفي رأي أن "جمال خاشقجي" والشيخ "العودة" مثالان حيان لإنعدام الحقوق السياسية والتعبيرية في هذا البلد، دون نسيان الناشطة السُعُودية "لُجين الهذلوُل" التي أُطلق سراحها بعد أكثر من عامين ونصف سجن، لُجين كانت من الناشطات الرائدات في مجال حُقُوق المرأة في السُعُودية، وسجنها تم بسبب تُهمة الإضرار بالأمن القومي.
نحن قدمنا مثالين عن وضعية حُقوق الإنسان في الدول العربية التي تُشبه بعضها البعض مع بعض الإختلافات، تونس خرج شعبها وأحرق وكسر بعد مُرور عام على الثورة البوعزيزية، لأنهم صراحة يعيشون أوضاعا صعبة، فتونس كبلد نجح في تجنب الربيع العربي وإستعادة دفة القيادة، فشل في تحقيق التوازن الإقتصادي والإجتماعي لمواطنيه، فالتُونسي الآن يبكي من الفقر ومن إنعدام العمل ،توفر أبسط الحاجات، لا يُريد سوى العيش بكرامة، يرفض ألاعيب السياسيين وخطاباتهم التي لم تنفع بالأمس ولا تنفع الآن، حتى سياسيا هم يتخبطون في مشاكل أدت إلى كل هذا الصراع التونسي الداخلي بين الشعب وأصحاب القرار.
الجزائر تعمل بجد لتجنب سيناريو جارتها، فالرئيس الجديد ومن خلال التعديلات الدُستورية وقانون الإنتخاب، وفرض صرامة ورقابة على بعض المسؤولين يُحاول أن يُحافظ على الإستقرار السياسي، والإجتماعي بإهتمامه بمناطق الظل وتحقيق التوازن بين إرتفاع الأسعار وضُعف القُدرة الشرائية للمُواطن، البطالة المُرتفعة والتشغيل الذي لم يجد له حلا لحد كتابة هذه الأسطر، أما عن الحُقوق في الجزائر فهي لا تُبشر بالخير وعلى كل المُستويات، فنحن وفي عهد الرئيس السابق ظاهريا كنا بلد حق وديمقراطية وغيرها من الشعارات الرنانة، أما باطنيا فالعكس تماما، "فمُحمد تمالات "الصُحفي الجزائري سيبقى وصمة عار للنظام السابق الذي لم يرحمه وبدل الإرتماء في حُضن أمه، إرتمى مُحمد في التراب بعد ما ذاق العذاب والآلام ،فالجزائر وفي السنوات الأخيرة ظهر فيها ما يُسمى بالتباين الطبقي، نسبة الفقراء والفقر زادت، العدالة الإجتماعية مُنعدمة تماما، وحتى مع الدُستور الجديد الذي لا يختلف كثيرا عن سابقيه، نجد أننا مازلنا نُعاني من بعض السُلوكيات الجماعية والفردية التي من المفروض أنها إندثرت مع الحراك ومطالبه، فحراك 22 فيفري أسفر عن بعض التجاوزات في حق أفراد وصحفيين، سجن وتهديد لبعضهم.
فأين هي حُقُوق اليمنيين الذين يُعانون المجاعة واللآمن بسبب التحالفات والأطماع، والعراقيين الذين هم كذلك في اللآمن وظُرُوف صعبة على كل المُستويات، حق الفلسطنيين اللاجئين في بُلدانهم، والمسجونين في سُجون الإحتلال، حق الإفريقيين المنهوبة بُلدانهم والمنكوبة أٍراضيهم وشعوبهم ،حق كل بلد يُعاني من الحرب والتبعية والإستغلال، اللاجئون المُنتشرون في بقاع العالم، يُعانون من التمييز والرفض، الأُمية والبرد في الشتاء، الحر في الصيف، هم يتمنون شيئا واحد وهو الإستقرار في بُلدانهم للعودة للديار ولم الشمل من جديد، فالغريب غريب حتى ولو فُرشت له السجادات الفاخرة، فيا حُكام العرب ما نطلبه الآن هو السلم، فحٌقنا في العيش بسلام من أولوياتكم، لذا لا تُفرطوا فيه بسُهولة لكي لا تندموا بعد ذلك، فعلى الأقل حافظوا على ما تبقى من شرفكم، وأحموا عرينكم المُهدد في ظل كل هذه التطورات الخطيرة على حُدُود بٌلدانكم، كُونوا يدا واحدة وخاصة مغربنا العربي الكبير الذي تُحاول أطراف زعزعته بصراعات وخلافات هدفها الدُخول لعُمق بُلدانه ونهب ثرواتها، فالحُقوق حُقوق وإن تعددت وإختلفت، ومتى تحققت سيتحقق الإستقرار والطُمآنية، وستجدون كل الواجبات التي من المفروض أن نقوم بها قد جاءتكم على طبق من ذهب.
أما هناك وفي العالم المُتقدم الذي في كل مرة تُطل علينا مُؤسساته الحُقوقية وتُعطينا درسا في الحُقوق، مع أنهم الأولى بهذه ا لدُروس، فالزنوج عانوا ومازالوا يُعانون في أمريكا من إعتداءات البيض وتسلطهم، إعتداءات وإنعدام الآمن، أُوروبا كذلك لا تحترم حُقُوُق الإنسان، فكل من يُدافع أو يُعارض يتعرض للضرب والتهديد، قوانين جائرة وضرائب مُرتفعة في حق البُسطاء، اللاجئون يُ طردون ويُتركون للعيش في بُؤس رغم أنه من المفروض أنهم ضحايا هذه البُلدان، فكل دولة تُحمل الأُخرى المسؤولية وتتهرب هي، حتى وصلنا إلى هذه الحالة، ففي روسيا حسب آخر تقرير قُبض على "أيوب تيتيف" رئيس مكتب الشيشان لحُقُوق الإنسان بتهمة المُخدرات ، في القرم يُسحق بوحشية أي شكل من أشكال المُعارضة للإحتلال الرُوسي، والمشكل أنهم لا يتوانون في تقديم المُساعدات لدُول أُخرى وأٍراضيهم مسرحا للحرب والدمار، مُسلمو الإيغور السُنة في الصين الذين يُعانون من أبشع أنواع التعذيب، فهم يُجبرون على شُرب الخمر، والتخلي عن إسلامهم، حلق اللحى، إختفى منهم ما يُعادل مليون شخص في مُعسكرات التعذيب ، تم دفنهم في الأرٍض، إغتُصب عشرات النساء، ولا أحد إهتم ويهتم، مليون من الروهينغا في دولة ميانمار تعرضوا للإبادة، فقضيتهم تعود لما قبل قيام الدولة المُعاصرة في بُورما، وتحديدا إلى فترة الإستعمار البريطاني الذي قام بتحريض البوذيين على قتلهم وتعذيبهم، وعلى إثر ذلك قام البوذيون بمُساعدة البريطانيين بإرتكاب مذبحة في حقهم عام 1942 وتوالت الإعتداءات بحقهم حتى بعد ذهاب المُستعمر بحُجة إختلافهم في الشكل، والبشرة والدين، مما يجعلهم في نظر العسكري أقرب إلى بنغلاديش، ملايين في كشمير يتعرضون للقتل والرُعب، ولا أحد من حُكام العالم تحرك وقال لا ، توقفوا، هناك بشر يُعانون ولابد أن نقف إلى جنبهم، فللأسف المصالح السياسية طغت على الإنسانية، لذا فرحمة الله على الحُقٌوق وكنصيحة ليهتم كل واحد بنفسه ويبدأ بإصلاحات على مُستوى داخلي قبل الخارجي لنُحقق التوازن لهذا العالم المُعتل.

شوهد المقال 292 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats