الرئيسية | الوطن الدولي | جلال خَشّيبْ ـ وهمُ الإيديولوجيا: لا تدورُ منافسةُ أمريكا مع الصين حول العقيدة

جلال خَشّيبْ ـ وهمُ الإيديولوجيا: لا تدورُ منافسةُ أمريكا مع الصين حول العقيدة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
إعداد وترجمة: جلال خَشّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية
 
 
وهمُ الإيديولوجيا: لا تدورُ منافسةُ أمريكا مع الصين حول العقيدة
إلبريدجي كولبي وروبرت كابلان، مجلة الشؤون الخارجية، 4 سبتمبر 2020، الولايات المتحدة
 
يُنكِر كلٌّ من كولبي وكابلان في هذا المقال أن يكون عامل الإيديولوجيا سبباً وراء الموقّف المُوحّد –نسبيا- والمتشدّد للولايات المتحدة تجاه الصين، أو عاملاً مُفسّراً للتوتّرات المتزايدة بين القوتيْن، كما يُحذّران واشنطن من مَغبّة النظر إلى المنافسة مع الصين بعدساتٍ إيديولوجية، إذ سيؤدّي ذلك إلى نتائج سلبيةٍ وكارثيةٍ على الأمن، الإزدهار والمكانة الأمريكية العالمية، أخيراً يُقدّم الكاتبان بعضاً من التوصيات الحذرة للتعامل مع الصين الصاعدة وبتكاليفٍ أقل.
في البداية يذكر الباحثان بعضاً من الآراء التّي ترى بأنّ الصين "قد تُمثّل في نهايةِ المطاف تحدّياً إيديولوجياً أقوى ممّا فعله الإتحاد السوفياتي"، على غرار ما ذهب إليه كلٌّ من كورت كامبل وجاك سوليفان من قبل، كما يُشيران إلى تأكيد قيادات الحزب الشيوعي الصيني على إيديولوجيته الماركسية اللينينية، مُقدّمان أيضاً بعضاً من الأمثلة عن ممارسات الصين غير الديمقراطية المنتهِكة لحقوق الإنسان والحرّيات الأساسية.
مع ذلك، فهما يؤكّدان بأنّ الأسباب الجوهرية لموقف الولايات المتحدة المتشدّد تجاه الصين والتوتّر المصاعد بين القوتين راجعٌ إلى عوامل إستراتيجية محضة لا علاقة لها بالإيديولوجيا، إذ تُعدّ الصين أكبر قوةٍ عظمى صاعدةٍ في النظام الدولي منذ صعود الولايات المتحدة ذاتها أواخر القرن 19، وهي صاحبةُ إقتصادٍ ضخمٍ، عددُ سكانٍ هائلٍ وكتلةٍ أرضيةٍ واسعة، تهدف إلى تشكيل منطقةٍ إقتصاديةٍ تجاريةٍ في جوارها الإقليمي مُواتيةٌ لمعاييرها (قد تُستبعد منها واشنطن)، التخلّص من السياج الذّي تفرضه عليها الولايات المتحدة وحلفائها والحرص ألاّ تعيش مُجدّداً "قرن الإذلال" الذّي فُرض عليها من قبل، لتفرض نفسها في نهاية المطاف كمهيمنٍ على آسيا. لا يرتبط أيٌّ من الدوافع أو الأهداف السابقة بعامل الإيديولوجيا إلاّ أنّها جميعاً تُسبّب قلقاً عميقاً لصنّاع القرار في الولايات المتحدة، حتّى ولو كانت الصين دولةً ديمقراطية تُماثلها القيم.
أمّا تحذيرهما من النظر إلى الصين بعدساتٍ إيديولوجيةٍ فراجعٌ إلى أنّ ذلك سيتطلّب من واشنطن أن تعمل على تغيير الدولة والنظام الصينيين، الأمر الذّي سيدفع الصين لتبنّي سياساتٍ تصعيديةٍ تُجنّبها الهزيمة، ممّا قد يقود بدوره إلى مخاطرٍ كارثية. علاوة على ذلك، سوف تُعرقل النظرة الإيديولوجية إمكانية وجود علاقةٍ مستقرةٍ مع الصين، خاصّةً إذا أبدت الأخيرة إحترامها لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها هناك، كما سيكون من الصعب على الولايات المتحدة العمل مع حلفاءٍ آسيويين أقلّ ليبراليةٍ (الهند، ماليزيا) أو حلفاء غير ديمقراطيين (الفيتنام) يُشاركونها نفس الأهداف فيما يتعلّق بالصين إذا ما تبنّت منظوراً إيديلوجياً تجاه بيجين. أيضاً، لن تُؤدّي العدسات الإيديولوجية بالضرورة إلى حلّ التوتّرات الإستراتيجية مع الصين، على الولايات المتحدة أن تتعلّم ذلك من حربها الباردة ضدّ الإتحاد السوفياتي الشيوعي في السابق، فرغم سقوط الأخير، وصعود روسيا المعاصرة (الأشدّ معارضةً للغرب)، لم تنتهِ التوتّرات الإستراتيجية العالقة بين واشنطن وموسكو.
أخيراً، يُوصي الكاتبان الولايات المتحدة بأنّ تتبّع مقاربةً إنتقائيةً في تعاملها مع الصين، مقاربةٌ تجمعُ بين السياسة الواقعية والدفاع عن القيْم، إذ يجب على واشنطن أن تُدافع عن الحريّة والحكم الجمهوري والكرامة الإنسانية حتّى تُميّز نفسها عن الصين، كما أنّ الدفاع عن هذه القيْم من شأنه أن يجذب الآخرين عبر جميع أنحاء العالم إلى الراية الأمريكية، سيساعد ذلك في إظهار مخاطر الإنحناء لبيجين، ويوفّر قوةً محفّزةً لبذل جهودٍ جماعيةٍ تَحولُ دون تحقيق الصين لهدف الهيمنة على آسيا.
...
إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الأول، العدد الحادي والأربعين، 11 سبتمبر 2020، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)
يُمكنكم تحميل العدد كاملا باللغتين العربية والإنجليزية على شكل ملف بي دي أف من الرابطين التاليين:
Arabic PDF:
بعد إنتهاء المراجعة التقنية لموقع المركز، ستتمكّنون من تحميل هذا العدد وجميع الأعداد السابقة باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.
 

شوهد المقال 256 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ شعب عاطفي شعب عنيف شعب سخون ماذا نحن بالضبط ؟!!

د.عبد الجليل بن سليم  دائما عندما التقي بشخص غير جزائري و يكون من المشرق، عندما نقولو بلي أنا جزائر يقول أهل الجزائر دمهم حامي، شعب سريع
image

وليد عبد الحي ـ اليمين الأوروبي والعنف

أ.د.وليد عبد الحي ساهمت مجموعة من العوامل في تصاعد واضح لقوى اليمين ( ذات النزعات القومية) في الجسد السياسي الاوروبي (وايضا الامريكي)، وتتمثل محفزات
image

نوري دريس ـ الحل السحري للسلطة في الجزائر

د. نوري دريس   الأمر الذي يزعج السلطة منذ بداية الحراك, هو رفض الجزائريين للانخراط في احزاب قائمة او تأسيس احزاب جديدة تمثل وتتحدث باسم الجزائريين
image

عثمان لحياني ـ صدفة المفارقة بين أكبر مسجد في افريقيا ورئيس يعالج خارج الجزائر

عثمان لحياني  الصدفة التي تجمع في يوم واحد ، بين افتتاح جامع الجزائر الأعظم للصلاة ، وهو منجز لاشك قيم في عنوانه وعمرانه. وبين نقل الرئيس
image

رشيد زياني شريف ـ عندما لا تعني أكثر من نعم

د. رشيد زياني شريف  السياسة ليست علوم دقيقة ولا تنجيم ولا ...نوايا فحسب، بل قراءة متأنية بناء على تجارب متراكمة ونظرة اسشرافية، من اجل تحقيق الهدف
image

ابتسام ابراهيم الاسدي ـ رسالة سماء

ابتسام ابراهيم الاسدي        رسالة سماء عندما لاحتْ خيوطُ الليل .. و اوشك الغروب ان يزولَ بكتْ غيوم العصر البرتقالية بدموعٍ
image

أحمد سليمان العمري ـ الصراع الأذري الأرميني: أسبابه ومآلاته

أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف نزاع إقليم «ناغورني قره باغ» وهي جمهورية «أرتساخ» غير معترف بها دولياً، ذات الأغلبية الأرمينية. طالبت باستقلالها عن أذربيجان والانضمام إلى
image

فضيلة معيرش ـ مصطفى حمدان شاعر قضية شغلته على امتداد عقود من الزمن

فضيلة معيرش  شاعر يتقن التعبير عن قضايا الذات والإنسان ، يتميز شعره بعمق الأفكار وإن عَبَرَ عنها بأسلوب سهل سلس وكلام واضح ، تأثره بالشّعر التقليدي
image

عادل السرحان ـ لاصلاة إلا في محراب آمون

عادل السرحان                  لاصلاة إلا في محراب آمون وجوهٌ تتلاشىخلف  أحدابِ  الزمان  وأماكنُ  يبتلعها  الغياب تلو الغياب نشيجٌ يتعالى يُفْزِعُ طيور الذكرى  بأعشاش الحنين ثمَّةَ من يحاولون العبور الى الضفة الأخرى فتجرهم  كلاليبُ
image

محمد محمد علي جنيدي ـ لنور النور

محمد محمد علي جنيدي           لِنُورِ النُّور لِنُورِ النُّورِ أنْوَارٌ وخَيْرُ العِلْمِ أسْرَارُ ومَنْ رَامَ الرِّضَا الوَافِي  رَسُولُ اللهِ مُخْتَارُ يَدُ الرَّحْمَنِ تَرْعَاهُ ولَنْ

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats