الرئيسية | الوطن الدولي | جلال خشيب ـ الجائحة والنظام السياسي: إنّها تستلزم دولة فرانسيس فوكوياما،

جلال خشيب ـ الجائحة والنظام السياسي: إنّها تستلزم دولة فرانسيس فوكوياما،

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

إعداد وترجمة: جلال خشّيب، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية
 
 
الجائحة والنظام السياسي: إنّها تستلزم دولة
فرانسيس فوكوياما، مجلة الشؤون الخارجية، عدد يوليو/أغسطس 2020، الولايات المتحدة

 

 

 


يُسجّل فوكوياما في هذا المقال الآثار الإيجابية والسلبية المحتملة لجائحة كورونا على الدول ونظمها السياسية في المستقبل المنظور، وقبل كلّ شيء يُعبّر مقاله هذا عن تنازلٍ تدريجيٍ مرنٍ عن الطرح الليبرالي الذّي طالما دافع عنه الباحث منذ أن نشر مقالته الشهيرة "نهاية التاريخ؟"، لا سيما ما يتعلّق بدور الدولة في حقبة ما بعد الحرب الباردة. 
لقد آمن الليبراليون سواءً في حقل العلاقات الدولية أو الإقتصاد منذ ثمانينيات القرن المنصرم بدورٍ أقلّ للدولة كفاعلٍ لصالح فواعل أخرى كالشركات متعدّدة الجنسيات، المنظمات الدولية، الأفراد على المسرح الدولي وإفساح المجال الأوسع للأسواق الحرّة والقطاع الخاصّ على المستوى الداخلي بدلاً من تدخّل السياسات الحكومية في تسيير الإقتصاد، يُعدّ ذلك أحد الأعمدة المركزية للفكرة الليبرالية والنظام الدولي الليبرالي ما بعد الحرب الباردة، كان فوكوياما أحد المدافعين بقوة عن هذه المسألة. 
أمّا اليوم وعلى ضوء التحوّلات التّي يعرفها العالم وساهمت الجائحة في تسريعها أكثر، يرى فوكوياما أنّه من الصعب جدّاً إنكار الحاجة إلى تدخّل الحكومات للعودة بالوضع السياسي والإقتصادي العالمي، المتدهور بسبب كوفيد-19 والتراكمات التّي سبقته، إلى الوضع الذّي كان عليه، مُقدّماً مثالاً يُقارن فيه بين قيمة المبلغ الذّي أعلنت عنه شركة تويتر الضخمة الخاصّة للمساهمة في مكافحة الجائحة (مليار دولار) وبين تخصيص الكونغرس لمبلغ قدره 2,3 تريليون دولار لذات الغرض. 
إضافةً إلى ذلك، ينفي فوكوياما تلك العلاقة الحتمية التّي أُقيمت في الآونة الأخيرة بين نمط النظام السياسي (ديمقراطي/إستبدادي) ومستوى التحكّم في الجائحة والإستجابة لها، فلم تكن النظم الديمقراطية بالضرورة أحسنُ إستجابةً من النظم الإستبدادية تجاه الجائحة أو العكس (الولايات المتحدة في مقابل الصين). لقد كان آداء بعض الديمقراطيات جيّداً، في حين لم يكن آداء أخرى كذلك (ألمانيا في مقابل الولايات المتحدة)، وهذا ما ينطبق على الأنظمة الإستبدادية أيضا (الصين في مقابل روسيا)، فالعوامل المسؤولة عن الإستجابة الناجحة للجائحة بالنسبة للكاتب تمثّلت في تظافر ثلاثة عوامل: قدرة الدولة، الثقة الإجتماعية والقيادة ذات الكفاءة والفاعلية. 
فيما يتعلّق بالآثار المحتملة للجائحة على الدول ونظمها السياسية، يضع فوكوياما القارئ أمام صورتيْن للمستقبل، إحداهما قاتمةٌ والأخرى أقلّ إشراقاً، إلاّ أنّ كلاهما يعكس في كلّ الأحوال الوضع الصعب الذّي يمّر به عالم اليوم، والفكرة الليبرالية أيضا. 
بالعودة إلى دروس التاريخ فمن السهل تخيّل العواقب المتشائمة لهذه الجائحة، إذ تُعزّز الجائحة من الإتجّاهات المعادية للنظام الليبرالي العالمي التّي صارت باديةً للعيان مؤخراً على غرار النَزَعَات القومية، الشعبوية والكارهة للأجانب، فضلاً عن النُظم غير الليبرالية التّي إستغل بعضها هذه الأزمة لتُعلن حالات طوارئ تمنحها سلطةً أكبر، تُوجّه أنظار شعوبها عن المشكلات الداخلية وتُبعدها أكثر عن الديمقراطية (المجر، الفلبين)، كما إستغلت بعض الدول الجَشِعة الآثار السلبية للأزمة على جيرانها لتتجّه نحو زعزعة إستقرار الأهداف المُفضّلة لديهم في الخارج أو خلق حقائق جديدةٍ على الميدان في مناطق النزاعات. لم تكن أوروبا الغربية الديمقراطية بعيدةً عن هذه الصورة القاتمة، فبدلاً من أن تتعاون دولها على نحوٍ بنّاء من أجل مصالحها المشتركة، فقد إتجّهت للإنكفاء على الداخل ومنافسة بعضها البعض والبحث عن "كبش فدائي سياسي" في الخارج. يتوقّع فوكوياما أن تتضرّر بشدّة البلدان الفقيرة ذات المدن المزدحمة وأنظمة الصحّة العامة الضعيفة (الهند مثلا)، سوف تتسبّب هذه الأزمة في تحطيم مزيدٍ من الآمال هناك، زيادة الغضب الشعبي، تزايد الهجرة، تغوّل القادة الديماغوجيين والفساد السياسي، تعزيز الرؤى الأبوكاليبسية (المُؤمِنة بإقتراب نهاية العالم) وإزدهار طوائفها التّي تنشأ عادةً بسبب القلق الناجم عن الإضطرابات طويلةِ الأمد، هكذا نشأت الفاشية في السابق عن الإضطرابات الناجمة عن الحرب العالمية الأولى، إنّها كما يقول "وصفةٌ كلاسيكيةٌ للثورة" والفوضى أيضا. 
في الجهة الأخرى، يُقدّم الكاتب إحتمالاتٍ أقلّ تشاؤماً قد تنجم عن الجائحة مُستعيناً بمختبر التاريخ أيضا، إذ يُمكن للجائحة أن تؤدّي إلى تنشيط الديمقراطية الليبرالية مثلما فعل الكساد الكبير بداية ثلاثينيات القرن المنصرم، فغالباً ما تدفع الصدمات الكبرى الأنظمة السياسية إلى مراجعة عيوبها ومتابعة إصلاحاتٍ بنيويةٍ طال إنتظارها. لقد ساهمت الجائحة في تعرية الأنظمة الديماغوجية التّي تتجاهل المِهنية والخبرة (بولسونارو-البرازيل) وأضعفت شرعية نُظمٍ سياسيةٍ إجتهدت طويلاً لإخفاء ضعفها وقلّة ثقة شعبها فيها (بوتين-روسيا). كشفت الجائحة نقاط ضعف المؤسّسات، أوضحت قدرة الحكومة على توفير الحلول، عزّزت شعور الحاجة إلى التكافل الإجتماعي وأضعفت التيارات النيوليبرالية المتطرّفة المُعادية لأيّ دورٍ حكوميٍ في الإقتصاد، كما قد تؤدّي هذه الأزمة إلى تجديد التعاون الدولي ومساهمة العلماء ومسؤولو الصحّة العامة في الدفع قُدماً نحو هذا الإتجاه للعمل على نحوٍ متعدّد لتعزيز المصالح المشتركة بين الأمم. 
ختاماً، يُشدّد فوكوياما على ثلاثية "مقدرة الدولة، التوافق الإجتماعي وكفاءة القادة" في تجاوز الدول للآثار السلبية لهذه الجائحة، متؤسّفاً بشدّة أن تحظى الولايات المتحدة بقائدٍ غير كفء مثيرٍ للإنقسام في هذه المرحلة الحاسمة، مُتوقّعاً أن تكون حقبة ما بعد كوفيد-19 حقبةً صعبةً جدّاً على الولايات المتحدة حتّى وإن فاز بايدن والديمقراطيين بالإنتخابات الرئاسية القادمة فإنّهم "سيَرثون دولةً جاثيةً على ركبتيْها" تحتاج سنواتٍ عديدةٍ لإعادة بناءها، إلاّ أنّه -كمنظّرٍ ليبرالي- لا يقطع الأمل في قدرة الديمقراطية والرأسمالية الأمريكية على التحوّل والتكيّف أثناء الصدمات وبعدها، مثلما أثبتت ذلك عبر التاريخ، مع ذلك فهي تحتاجُ هذه المرّة إلى وصفةٍ سحريةٍ لتجاوز الأزمة والنهوض سالمةً من جديد.
...
إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الأول، العدد التاسع والعشرين، 19 يونيو 2020، إسطنبول-تركيا (حقوق النشر: مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، جميع الحقوق محفوظة)

 

 

نظرا لوجود مراجعة تقنية بموقع المركز، يمكنكم تحميل العدد التاسع والعشرين لاحقا باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.

 

شوهد المقال 524 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي سيف الرعيني ـ الجابري الشاعر اليمني شاعرالارض والانسان

علي سيف الرعيني   الشاعرالجابري هوالأكثرتميزا شنف اذاننا بقصائده بمختلف اللهجات اليمنية نحن نتكلم عن الانسان المغرم بحب الارض والانسان ، لديه كتاب في علم العروض طريقة
image

ناصر جابي ـ هل صحيح أن الجزائر مقبلة على دخول اجتماعي وسياسي مضطرب؟

د. ناصر جابي  هذا ما توقعته مؤسسات دولية مختصة في دراسة الأزمات (كريزيس قروب) crisis group- ووكالة بلمبيرغ التي عادت للاهتمام بالوضع في الجزائر
image

نجيب بلحيمر ـ حديث المؤامرة

نجيب بلحيمر   في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك نقرأ بيانا جاء فيه: "أمر اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق
image

طارق السكري ـ اليمن خارج التعاطف

  طارق السكري  " نحن في نظر الدولة : خارجون على القانون . محل ريبة وعرضة للملاحقة أو النفي أو السبي . أو قبيلة من
image

خديجة الجمعة ـ عالم آخر

خديجة الجمعة   أنا وحدي عالم آخر لاأعرف نفسي، أينما ذهبت. فقد أكون موسيقى تعزف على وتر؛مرهفة الحس. وقد أكون في لحظة ما  تلك الصلبة التي لاتهزها
image

عادل السرحان ـ ماذا أُهديكِ يا بيروت

عادل السرحان                ماذا أهديكِ يابيروت سوى الكلمات ماذا أهديك وقد شُرِعَتْأبواب  الوطنِ  للسراق وللراياتهم ذبحوا كل الثورات هم كسروا كل الناياتْواغتالوا ألقَ الماضي وزهوَ  الحاضرِ والآتْماذا أهديكِ سوى الدمعاتفالدمعُ  كثير في وطني والجُرحُ
image

حميد بوحبيب ـ سيد الحماقات

د. حميد بوحبيب         للطبيعة حماقاتها... غديرٌ يتهادى رقراقا بين السهول ثم يغورُ فجأة في رحم الأرض ولا يعود إلى الظهور !
image

عثمان لحياني ـ موت السياسة في الجزائر

عثمان لحياني  مستوى السلطة السياسية كان أرقى بكثير في العقود السابقة، على الأقل كانت تعتمد نظرية المؤامرة عندما يتعلق باحداث أكثر جسامة ،كانتفاضة كأكتوبر
image

عبد الجليل بن سليم ـ فيروس COVID 19 علاقته مع الأصحاء، قلق الخوف

 د. عبد الجليل بن سليم  الان الكل و دون اسثناء يعرف مادا يفعل الفيروس بالذي أصابه لكن ماذا يفعل الفيروس بابالاضافة إلى العزلة و الحجر
image

مروان الوناس ـ الإشهار وسيلة ابتزاز النظام للصحافة الجزائرية

 مروان الوناس  منذ ربع قرن على الأقل كل المشتغلين في حقل الصحافة والاعلام يعرفون أن الاعلانات الحكومية التي توزعها شركة النشر والاشهار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats