الرئيسية | الوطن الدولي | فاروق الرشدان ـ العالم ما بعد كورونا

فاروق الرشدان ـ العالم ما بعد كورونا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فاروق الرشدان ـ  الأردن
 
يشهد العالم اليوم على واحدة من أهم التغيرات في التاريخ البشري بسبب أزمة جائحة كورونا مما يساهم في التغير الجذري على جميع مناحي الحياة و كل ذلك سيعتمد على قدرة العالم على الاستجابة للظروف و الأزمات و درجة الوعي الجماعي .
من خلال مراجعة الماضي نستطيع قراءة المستقبل ، بكل بساطة التاريخ يعيد نفسة بهذه الأزمة و غيرها من الأزمات ، ولكن بي أوجه جديدة فهناك الكثير من الأحداث على مر العصور .

ونذكر منها هنا الأوبئة التى غيرت مجرى التاريخ البشري بدءا من طاعون جستنيان سنة(541-750) و الموت الاسود سنة (1347-1351) و الكوليرا سنة (1817-1823) و انفلونزا الاسبانية سنة (1918-1920) و المتلازمة التنفسية الحادة سنة (2002-2003) و انفلونزا الخنازير سنة (2009-2012) و ايبولا سنة (2014- 2016) و انتهاءا بي جائحة فيروس كورونا .
لا يوجد فائز او خاسر في هذه المعركة فهي مواجهة بين عدو مجهول و الإنسانية جمعاء ولا تفرق بين عرق او جنس او دول ، لقد حصد الفيروس إلى الآن أكثر من 370 حالة وفاة و أكثر من إصابة 6 مليون حالة حول العالم.
لا شك في أن المنظومة العالمية فشلت على التوالي في إنقاذ البشرية من الأزمات و الكوارث الطبيعية و البشرية ؛ و هنا نقول بأن المشكلة ليست جائحة فيروس كورونا إنما المشكلة أخلاقية متجذرة منذ زمن بعيد .
من خلال قراءة احصائيات الامم المتحدة و المنظمات الدولية تقضي الحروب و النزاعات و المجاعات و الحوادث الطبيعية و البشرية و الامراض المزمنة أضعاف مضاعفة لإعداد الإصابات و الوفيات لفيروس كوفيد 19 سنويا ان الوباء الحقيقي الذي دمر الانسان و الطبيعة هو غياب المبادئ و القيم الأخلاقية.
هناك الكثير من الدول التى أعلنت عن انتهاء الفيروس و إعادة فتح الأبواب الداخلية و الخارجية لجميع الأنشطة الحياتية ، ولكن هذا لا يعني انتهاء الأزمة و الفيروس او ظهور أوبئة جديدة ، ان العالم اليوم اصبح مهدد بسبب التصرفات الغير مسؤولة وكل هذا الأحداث السابقة و اللاحقة سوف تعتمد على القرارات الاستراتيجية و ردة الفعل تجاه الظروف و الأحداث مما يشير إلى البدء والتهيئة بالمرحلة الانتقالية للنظام العالمي الجديد .

ظواهر اجتماعية و سلوكية غريبة :

أدي فيروس كورونا الى ظهور أشكال جديدة من الممارسات الاجتماعية وأنماط التفكير و السلوك بسبب النتائج التي فرضتها الأزمة من فرض حالة الطوارئ و إغلاق جميع الحدود بين الدول و إيقاف أغلب الرحلات البريه و البحرية و الجوية في جميع دول العالم وتم منع الأشخاص من التنقل و إقامة المناسبات الاجتماعية و الدينية وتم تسريح ملايين الموظفين حول العالم ، حيث تشير أغلب الدراسات والبحوث بأنه سيرتفع معدلات الاكتئاب و الخوف و القلق و الانتحار و الجريمة و العنف وظهور أمراض نفسية و سلوكية بعد الأزمة ما" يعرف باضطراب ما بعد الصدمة" ،حيث ستتغير أغلب الأعراف الاجتماعية من حيث العادات والتقاليد و الأحكام الشرعية وتغير الممارسات الاستهلاكية و أوجه الإنفاق و التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج المنزلي و الاعتماد على الذات و التكافل الاجتماعي على صعيد المجتمع و الدولة و سوف يطرأ تغير على سلوك النظافة و التعقيم بحيث تكون أكثر صرامة و الابتعاد عن مظاهر التجمعات العائلية و تغير عادات التهاني و الزواج و الجنائز  بحيث ان هناك الكثير من العادات والتقاليد الأصيلة ستزول .

الذكاء الاصطناعي بديل الانسان:

ساهم فيروس كورونا في تسريع عملية التحول الرقمي في الصناعات و التعليم الإلكتروني و الخدمات اللوجستية و التجارة مما يشير إلى أن التكنولوجية بعد زمن قريب سوف تصبح جزء لا يتجزأ من حياة كل شخص وفي شتى المجالات الحياتية ، خلال هذه المرحلة و ما بعدها ثبت و بشكل قاطع ان التكنولوجيا سوف تحل بدل الانسان في الكثير من القطاعات ومنها القيادة الذاتية للسيارات و الطائرات و أجهزة المحاسبة الذاتية وتشغيل المصانع و المناجم من خلال الروبوت الضخم وأنظمة التحكم و التشغيل عن بعد ، الوقاية من الأمراض بتقنية النانو تكنولوجي من خلال خارطة الجينات الوراثية لمعرفة التاريخ المرضي و التنبؤ بها و الوقاية منها و إجراء العمليات عن طريق الروبوت وبدون تدخل جراحي ، انتشار التطبيقات الإلكترونية لجميع المجالات الحياتية ، التعليم عن بعد حيث ان اكبر الجامعات في امريكا MIT أعلنت عن تحويل المواد التعلمية و المساقات الدراسية إلى 130 ألف مادة إلكترونية حيث ان هذه الظاهرة بدأت بالانتشار من خلال الجامعات والمعاهد الافتراضية و المنصات التعلمية الإلكترونية في شتى أنحاء العالم ، وتم طرح تقنية جديدة من شركة google العقل المتعلم وذلك بزرع شريحة داخل الدماغ بحيث يصبح الشخص لدية كل المعلومات و المعرفة المطلوبة ، ان الشهادات و الدراجات العلمية لن تكون مطلوبة بعد الان و لكن المطلوب القدرة على الاداء و المهارات التي تواكب متطلبات العصر وسوف تكون هناك أجهزة قادرة على قراءة الدماغ و تحسين الذاكره و سيصبح الانترنت و الخدمات اللوجستية مجانية مما يتح للإنسان وبالاندماج في الفضاء الخارجي .
الذكاء الاصطناعي و الروبوت سوف يستحوذ على 80% من الاعمال اليدوية و الصناعية و انتشار التكنولوجيا الضوئية اللاسلكية و ابتكار أجهزة الترجمة الفورية و التنبؤ بالمستقبل و إنشاء قاعدة بيانات عالمية ، و استخدام تقنية النانو تكنولوجي بكل الأدوات التقنية مما يساهم في اختصر التكاليف و الأحجام و التقنية عالية الجودة و لأداء و الدقة .
اليوم امريكا لديها أكثر من 80 ألف عالم متخصص بالذكاء الاصطناعي بينما الصين النصف و تعتبر الامارات من أوائل الدول الدول التي وضعت استراتيجيات البدء بالعمل عن طريق الذكاء الاصطناعي ، و لكن التساؤل هل يوم من الايام سنفقد على أجهزة الذكاء الاصطناعي وتتحكم بنا ؟

الانهيار و الانتعاش الاقتصادي العالمي :
شهد العالم منذ زمن قريب على العديد من الأزمات المالية و الاقتصادية و إبرازها الانهيار الكبير عام (1929) وصدمة النفط عام (1973) وأزمة الانترنت عام (2000) وأزمة الرهن العقاري و إفلاس البنوك عام (2007-2012) و التي لا زلت أثرها واضحة ومؤثرة إلى يومنا هذا ، و اليوم يدق ناقوس الخطر بظهور مؤشرات تدل على بدء الانهيار الاقتصاد العالمي ، وحسب التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة وصندوق البنك الدولي فإن جائحة كورونا سيكون لها آثار هائلة و طويلة المدي على الاقتصاد العالمي و قد ندخل في إفلاس عالمي وكساد و انكماش الاقتصادي وخاصة ان أكثر من 90 دولة تقدمت لطلب الاقتراض من صندوق البنك الدولي ، و ان الإجراء التى قامت بها البنوك و المؤسسات المالية سوف تحدث تغيرات اقتصادية فادحة ، وحسب التقارير الصادرة عن جامعة اكسفورد و المنتدى الاقتصادي العالمي وCNN و Indeed للتوظيف تشير إلى أن التحول التكنولوجي سيتسبب بزوال 80مليون وظيفة بحلول عام 2030 وهكذا إشارات جامعة اكسفورد ان 45% من الوظائف ستنخفض خلال 10 سنوات بسبب ظهور ما يعرف بتقنية الذكاء الاصطناعي و النانو تكنولوجي و ستكون الوظائف وأهمها علم النفس الصناعي و امن المعلومات و التعليم الإلكتروني وهندسة الجينات الوراثية و هندسة الطاقة البديلة وهندسة الإلكترونيات و البرامج .
سوف يتجاة العالم إلى إيجاد ممرات تجارية جديدة مثل آسيا الوسطي مرورا بالشرق الاوسط و شرق أوروبا و شمال إفريقيا و إيجاد عملة عالمية موحدة تحل محل الدولار الأمريكي لان بدء يفقد قيمتة بسبب التسهيل الكمي و طباعة الدولار دون ربطة بقيمة مالية من المعادن او العملات الاجنبية لذلك هناك مشاكل في النظام النقدي العالمي وهذا سيقوم بإعادة النظر في العملات الدولية وظهور عملة عالمية موحدة بالاضافة الى العملات الرقمية الجديدة و اعتمادها في البيع والشراء الإلكتروني و هناك مؤشرات للارتفاع الذهب و اعتماده بالبيع والشراء .
ظهور تحالفات و منظمات اقتصادية مثل BRIC التي تمثل مجموعة من الدول الصاعدة : الصين و روسيا و الهند و البرازيل وظهور اقتصادات واعدة جديدة مثل جنوب افريقيا و سنغافورة و تركيا وتايلاند و الامارات و السعودية ، وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى إعلان الكثير من الشركات عن الإفلاس او الاندماج مما يشير إلى ارتفاع نسبة البطالة والفقر والحرمان ؛ ولكن ربما بعد هذا العسر من الزمان سوف يخرج العالم إلى الانفراج و الانتعاش الاقتصادي و كل ذلك سيعتمد على فلسفة القوى العظمى الجديدة لعملية التحكم في العرض و الطلب في السوق العالمي .

السقوط و الصعود السياسي الدولي :
حذر المفكر العالمي نعوم تشومسكي من كارثتين وهما حرب نووية و الثانية كارثة بيئة حتمية بسبب التغير المناخي و الاحتباس الحراري ، حيث نلاحظ أن هناك سباق عالمي لاستلام دفة القيادة و السيطرة العالمية من قبل الصين و تحالفات جديدة وبدء سقوط الفيدراليات الإقليمية في بعض الدول وانهيار المنظمات الدولية و إعادة ترسيم الحدود الإقليمية والدولية ، إلى الان قد بدأت الحرب الاقتصادية الباردة وهذا يمهد للبدء بالحرب العالمية الثالثة العسكرية التي ستكون مختلفة عن سابقتها المتوقع أن يتم استخدام أسلحة غير تقليدية مثل الحرب البيولوجية و الإلكتروني و الفضائية او التكنولوجية باستخدام القنبلة الكهرومغناطيسية والتي بدورها قادرة على إرجاع العالم إلى العصور الحجرية ومن هنا سنلاحظ إلى تسارع الدول بإيجاد حلول سياسية و دبلوماسية و المسارعة إلى التوقيع على الاتفاقيات و المعاهدات لفرض السلام .

كما قال اينشتاين « ان المشكلات الكبرى التى تواجهها لا يمكن حلها بنفس مستوى التفكير الذي كنا علية عندما نشأت المشكلة »
ولكن العالم اليوم في نقطة اللارجوع اما السعي إلى النفوذ و السيطرة و التناحر و العيش في حروب ونزاعات و اما الاستفادة من الدروس و التعايش ضمن المواطنة العالمية وإسقاط الأقنعة و القيم المزيفة التى ارهقت العالم و البدء بالتحول الأخلاقي « عصر الحكمة» وهو المنقذ للبشرية للعيش ضمن عالم تسوده المبادئ الكونية الثابتة.
 

شوهد المقال 8178 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

بلقيس في 05:07 13.06.2020
avatar
تحليل مثير للإهتمام دكتور فاروق مشكور على قراءتك الاستشرافية لمستقبل العالم مابعد كورونا

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.92
Free counter and web stats