الرئيسية | الوطن الدولي | العياشي عنصر ـ عنف الشرطة! ام عنف النظام ؟!

العياشي عنصر ـ عنف الشرطة! ام عنف النظام ؟!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. العياشي عنصر 
 
بعد حادثة اعتقال الامريكي ذي الاصول افريقية جورج فلويد ووفاته بالطريقة التي يعرفها الجميع، والمظاهرات والاحتجاجات المناهضة للعنصرية التي عمت الولايات المتحدة الامريكية، قبل ان تنتقل الى بلدان اخرى في دورة كاملة حول العالم. دفع ذلك دول عديدةالى فتح ملف الاساليب العنيفة بل الوحشية التي تعامل بها الشرطة وقوى الامن الخاصة بمكافحة "الشغب" لاحظوا الكلمة المستخدمة رسميا في توصيف المظاهرات والاحتجاجات ! بل وصل الامر في الولايات المتحدة الى مراجعة التشريعات الخاصة بالشرطة، وتفكيك جهاز الشرطة في ولاية منيابوليس مهد الحادثة !
كما سارعت الحكومة الفرنسية عن طريق وزير الداخلية الى توجيه رسالة شديدة اللهجة الى الشرطة بانها لن تتسامح اطلاقا مع السلوكيات العنصرية او المبالغة في استخدام القوة .
كل هذا الكلام جميل ومتوقع ، وترحب به تنظيمات المجتمع المدني! لكن ! لكن ما يتبغي ان يعرفه الناس عامة ولا ينبغي ان يفوت عاى ذهن وملاحظة المهتمين والمدافعين عن حقوق الانسان والمناهضين للعنصرية ان سلوك اجهزة الشرطة والامن عموما ليست مجرد اخطاء فردية، او تجاوزات وخروق للقًوانين من طرف بعض افراد الشرطة المتشبعين بالعنصرية! وان كانت هذه الحالات موجودة فعلا، الا انها لا تمثل حالات استثنائية او شاذة. لماذا؟ 
ينبغي تجاوز هذه الصورة النمطية السطحية والغوص في جوهر بنية التظام الراسمالي لفهم حقيفةً الظاهرة ووضعها في سياقها الصحيح والطبيعي! نعم النظام الرأسمالي يقوم اساسا على عدم التكافؤ في الفرص والحظوظ التي ليست تعبيرا عن الحظ ابدا.بل تعبر عن عدم تكافؤ هيكلي او بنيوي متجذر في آليات عمل التظام الذي يؤدي مع مرور الوقت الى تجذر الاستغلال والظلم والقهر بين أقليات متنفذة وأغلبية مستتغَلة، و مهمشة. يحافظ النظام الراسمالي على استمرار هذا اللاتوازن واللاتكافؤ بآليات مختلفة. تتشكل في مجموعتين حسب الفيلسوف الفرنسيي لويس التوسير Louis Althusser 
المجموعة الاولى اسماها "الاجهزة الايديولوجية للدولة" وتبرز فيها بالاساس المدرسة او منظومة التعليم، والاسرة والاعلام التي تعمل جميعها بطرق مختلفة كادوات قوة ناعمة تغرس في النفوس قبول واقع النظام الراسمالي ومنحه الشرعية. وهو ما اطلق عليه الفيلسوف والمناضل الايطالي انطونيو غرامشي Antonio Gramsci تحقيق "الهيمنة" اي التماهي والقبول القائم على الرضا والطواعية، تمييزا له عن "السيطرة" كون هذه الاخيرة قائمة على القسر والاكراه وغياب الرضا والقبول . وهو بالضبط ما ذهب اليه ماكس فيبر Max Weber ايضا عند تمييزه بين القوة والسلطة.اذ بينما تعبر القوة عن علاقة غير متكافئة بين طرفين او اكثر لا تتوفر على الشرعية، بل تعتمد على القسر والاكراه ، فان السلطة تعبر عن علاقة غير متكافئة، علاقة سيادة وخضوع لكنها قائمة على القبول والرضا ، وهو ما يمنحها الشرعية ، عكس القوة التي تفتقد الشرعية.
اما المجموعة الثانية فاسماها التوسير "اجهزة الدولة القمعية" ، وتتمثل هذه طبعا في جميع الاجهزة المستخدمة للقوة العنيفة عكس المجموعة الاولى! تتمثل خاصة في الشرطة والاجهزة الأمنية والعسكرية. يلجأ النظام الراسمالي عموما الى هذه الاجهزة عندما تفشل لأي سبب من الاسباب اجهزة المجموعة الاولى عن توفير الهيمنة ، وتحقيق الامن ، او عندما يصبح الامن العام ، وهو في نهاية التحليل امن النطام الراسمالي، مهددا برفض شعبي واسع في شكل انتفاضات ، احتجاجات وثورات تسائل شرعية النظام الراسمالي، وترفض سلطته، وتطالب بتغييرها واستبدالها!
لعل الشيء الاهم في بنية وطبيعة اجهزة الدولة القمعية هي انها قائمة على عقيدة راسخة في نفوس الافراد الذين يشكلونها قناعة بما اسماه فيبر حق الدولة في احتكار استخدام العنف للحفاظ على الاستقرار والطمانية والامن العام! هذه العقيدة التي يستبطنها افراد اجهزة قوى الامن والعسكر تقوم عملية تنشئة و تطبيع اجتماعيين باستخدام منظومة التعليم والتاهيل ، وتعززها المزايا والمصالح المادية والمعنوية المكتسبة . لكن أهم شيّء فيها هو انها تخلق تماهيا بين المصلحة العامة المفترضة للمجتمع في الاستقرار والامن ، ومصلحة الدولة باعتبار. مجموعة مؤسسات واجهزة تحقق مصالح الطبقات المسيطرة. ومن هنا تتم شرعنة استخدام العنف بجميع اشكاله دفاعا عن النظام العام وعن الاستقرار والامن والدولة باعتبارها ممثلة للمجتمع باكمله، وليس لانه يخص طبقة او شريحة محددة. 
الخلاصة هي ان القمع الذي تمارسه الشرطة وقوى الامن عمًوما سواء في شكل السلوك العنيف الممارس في التعامل مع المواطنين في الشارع او في الاحتجاجات، او في شكل ممارسة التعذيب بمختلف انواعه ، ليسسلوكا فرديا عابرا او ينبع من نزعة او تصورات فردية ، رغم اهمية هذه العوامل، انما هو عملية تطبيع وتأهيل متأصلة في بنية النظام الراسمالي، ومتجذرة في العقيدة التي يتم غرسها في نفوس وعقول الافراد المنتمين الى هذه الاجهزة.
وبالتالي ، فان ما تقوم به الحكومات الان عبارة عن عمليات تجميلية بسيطة تخفف من حدة العف والقمع المتجذر في طبيعة النظام الضروري لاستمراره وبقائه. بل أهم من ذلك هي محاولات تضليل وتمويه تبعد بها الأنظار عن المصدر الحقيقي والجوهري للعنف ، والحفاظعلى النظام وان استدعى الامر التضحية ببعض الافراد واجراء بعض التعديلات على شكل تنازلات انية تقتضيها حماية أسس النظام الرأسمالي وحماية الدولة التي تجسد مصالحه وتحميه من الزلزال !! . 

 

شوهد المقال 353 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats