الرئيسية | الوطن الدولي | حميد بوحبيب ـ تدخل البرلمان الأوربي : زوبعة في فنجان

حميد بوحبيب ـ تدخل البرلمان الأوربي : زوبعة في فنجان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د. حميد بوحبيب 
 
قبل إبداء موقف ما إزاء البيان المطول الذي خرج به البرلمان الأوربي ،وقبل العزف على أوتار الوطنية البلهاء ، يتعين علينا أن نتذكر ما يلي :
-العالم قرية واحدة ( وهي جملة ترددها حتى صحافة الصرف الصحفي) مقسمة الى مناطق نفوذ ، تهيمن عليها القوى العظمى : ولا حاجة أن تكون فقيها في الجيوستراتيجيا كي تعرف أن الجزائر تقع ضمن الشرق الأوسط الكبير الذي يضم كل شمال افريقيا ، وإن هذه المنطقة حلبة لصراع فرنسا وامريكا وروسيا ...ولكل طرف من أطراف الصراع أوراقه وبيادقه من داخل دول المنطقة .
ثانيا ، أن نفرق بين البرلمان الأوربي والاتحاد الأوربي وحلف الناتو .
البرلمان الأوربي هيأة منتخبة مثلما يدل عليها اسمها ،بمثابة برلمان يعكس كل الحساسيات الموجودة في بلدان أوربا فرادى، وليس غريبا أن يكون فيه أعضاء من اليمين المتطرف مثلا ، إذا انتخبوا في بلدانهم ليمثلوا التيار السياسي الذي ينتمون إليه ، وهذا ما يفسر وجود برلماني يشيد بالاستعمار مثلا، لأنه ينتمي إلى أقصى اليمين المقرب من الفاشية الجديدة . وهذا البرلمان بياناته وخطبه مكرسة أكثر للتأثير على الناخبين في أوربا ، وانتقاد سياسات الحكومات القومية فيما له علاقة ببناء أوربا الغد .
والبيانات والقرارات التي يخرج بها هذا البرلمان ليس لها أي طابع إلزامي لا للاتحاد الأوربي ولا للناتو .
البرلمان يمثل الشعوب وليس الدول والحكومات .
أما الاتحاد الأوربي من جهته فهو هيأة ذات طابع خاص
sui generis
أي تنفرد بميزات خاصة ، فهي تضم 28 بلدا ، تتحالف بموجب انضمام ارادي فردي ، ينال قبول بقية الأعضاء ، ويحق لكل بلد أن ينسحب منه متى ما أراد .
الاتحاد الأوربي ليس دولة ولكنه يطمح أن يكون كذلك ليصبح بمثابة الولايات المتحدة الأوربية . البلدان المنضوية تحت لوائه الأزرق تتنازل عن بعض صلاحياتها الوطنية وتنتدب الاتحاد ليتصرف فيها، سواءفي الاقتصاد والسياسة أو الدفاع. وله مجلس عام بمثابة مجلس الوزراء يتشكل من الزعامات المحلية للبلدان الثمانية والعشرين ، ولكن ثقل كل بلد وتأثيره يتحدد بالوزن الاقتصادي أكثر من أي شيء آخر ، لذلك ففرنسا وألمانيا هما القاطرة الفعلية للاتحاد الأوربي.
الاتحاد الأوربي إذن جمعية دول متحالفة لمواجهة تحديات الصراع الكوني بصفوف مرصوصة بدل دخولها فرادى . وقد استحدث الاتحاد بعد معاهدة ماسترخيت ليكون ثقلا مضادا لأمريكا وروسيا والصين . وظيفته الجوهرية هي الدفاع عن مصالح أوربا ومناطق نفوذها ، وقراراته ملزمة لجميع أعضائه فيما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية مثلا ، أو تحديد سقف فوائد البنوك ، أو السياسات الخارجية في مجال حقوق الإنسان ومحاربة الإرهاب ....
أما الناتو ، فهو منظمة عسكرية للدفاع المشترك ، وتاريخه مرتبط بالحرب الباردة ومواجهة حلف وارسو. وأمريكا عضو فيه ...وهو اليوم في مفترق طرق ، إذ يوجد تيار في أوربا يدعو إلى فك الحلف وإعادة النظر في بنيته ، وخطاب ماكرون الأخير في هذا الشأن مثال على أزمة هذه الهيأة .

 

 

عودة الآن إلى تقرير البرلمان الأوربي المتوج بالبيان المفصل الذي أثار ثائرة السلطة الجزائرية، فضلا عن المتنافخين من كل صوب باسم رفض التدخل الأجنبي ، و زيتنا في دقيقنا ، وغسيلنا القذر يكون بيننا فقط ...الخ 
ماذا ورد بالضبط في ورقة البرلمان الأوربي، لأنه يبدو أن أغلبية المتحامقين لم يطلعوا عليها ! ويكتفون بما تقوله قنوات الزيڨو.

 

 

-يستند النص من البداية إلى مجموعة من النصوص المرجعية ، اي يبني مشروعيته : و هي مجموع النصوص التي سبق للاتحاد أن أصدرها حول الوضع في الجزائر مثل قرار 15 افريل حول سجن المعتقلين السياسيين، وحقوق العمال وحقوق الإنسان عامة في الجزائر . وكذا قراره في مارس تحت عنوان " ما بعد الربيع" الذي يشمل كافة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا MENA.
يستند النص بعد ذلك إلى آخر الأخبار والمستجدات في الجزائر ، وهي إشارة مبطنة إلى ما حدث في البويرة وحملة الاعتقالات الواسعة .
ثم يعود إلى قرارات المجلس الأوربي حول حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم، وهو فضفاض .
ثم يذكر النص الوثيقة الموقعة بين الجزائر والاتحاد الأوربي في 14 ماي 2018. التي راجعتها الجزائر ووقعتها ، وهي حول إصلاح المؤسسات وترقية الديمقراطية. ثم يؤكد النص على المادة 2 من اتفاقية الشراكة الثالثة مع الاتحاد الأوربي التي تنص صراحة على أن احترام حقوق الإنسان والديمقراطية شرط أساسي لقيام الشراكة بين الطرفين .
وأخيرا يعتمد النص على مواد من الدستور الجزائري ، خاصة المواد 34، 36،39،41،42،48،54.
التي تنص كلها على احترام الحريات الفردية والجماعية ..ثم بناء على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان.
ثم يستطرد النص للتذكير بالمراحل التي مر بها الحراك في الجزائر منذ فبراير ، وينوه بطابعه السلمي الباهر وبشعبيته الواسعة في كل الولايات وقدرته على التجنيد المستمر خلال تسعة أشهر كاملة ، مع التشبث بنفس المطالب النبيلة الطامحة إلى محاربة الفساد وبناء دولة ديمقراطية حقيقية ...الخ 
وبناء على تقارير دولية تصنف الجزائر كبلد تعاني فيه الصحافة من الرقابة الشديدة ، والحريات فيه مهددة ، وحرية المعتقد مقموعة ( إشارة إلى غلق الكنائس ).
وبناء على اعتقال الصحافيين أو دفعهم إلى الاستقالة من خلال الرقابة والتدخل في عملهم (مريم عبدو من القناة 3 كمثال)....الخ 
بناء على التضييق الحاصل على الحريات حتى في الفضاء الافتراضي ، مثل غلق موقع Algérie debout الذي يستقطب نصف مليون متابع ، فضلا عن استهداف المدونين الأحرار ومضايقة رموز الحراك واعتقالهم وتعنيفهم . بناء أيضا على تقرير منظمة الدفاع على حقوق الإنسان في الجزائر الذي يؤكد اعتقال نحو مائة ناشط ومتظاهر بتهمة المساس بوحدة الوطن أو بتهمة التجمهر غير المرخص به أو بتهمة الحط من معنويات الجيش....الخ .
وبناء على تنديد اتحاد المحامين بالإجماع بالاعتقالات التي مست المتظاهرين المسالمين ، فضلا عن المظاهرات التي شارك فيها القضاة والمحامون للمطالبة باستقلالية القضاء .بعد ذلك يشير النص الى حالة المجاهد لخضر بورڨعة الذي يقبع في السجن بسبب الانتقادات التي وجهها إلى قائد الأركان، فضلا عن حالات أخر لا ذنب لأصحابها سوى التعبير عن آرائهم يذكر النص بعد ذلك بالمرحوم كمال الدين فخار الذي توفي في السجن على إثر اعتقال وإضراب عن الطعام دام 53 يوما دون أن يحظى بعناية طبية، وحالة الناشط رمزي يطو الذي مات متأثرا بجراحه من جراء التعذيب الذي تعرض له.
يستطرد نص القرار بعد ذلك لذكر أشهر حالات المعتقلين من الحراك ممن تمت محاكمتهم أو ممن ينتظرون خلف القضبان....الخ
هنا يبدأ النص الفعلي ***:

 

 

* بناء على كل ما سبق فإن البرلمان الأوروبي يطلب من السلطات الجزائرية إطلاق سراح معتقلي الرأي فورا وبلا شروط ، ويسرد النص قائمة مطولة ( لا نجد فيها اسم الويزة حنون ! ) .
* يدعو البرلمان الأوربي السلطات الجزائرية إلى ضمان حرية التعبير وحرية التجمع والتنظيم في جمعيات وحرية الصحافة ...وكل الحريات التي يخولها الدستور الجزائري ، وتكفلها المواثيق الدولية العدية التي وقعتها الحوار وصادقت 
عليها.
* يطلب البرلمان الأوربي وقف الاعتقالات والكف عن كل أشكال القمع والتضييق على حرية العقيدة بما في ذلك المسيحية والمذاهب الأخرى مثل الأحمدية، وفي هذا يذكر البرلمان الأوربي بأن التعليمية 06-03 تضمن حرية العبادة ، ويدعو بناء على ذلك إلى إعادة فتح فضاءات العبادة التي أغلقت .
*يدعو البرلمان الأوربي السلطات الجزائرية إلى تعديل قانون 91/19 الصادر في 2 ديسمبر 1991 الذي يضيق على حرية المظاهرات، وجعله يتماشى مع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوربي ، خاصة في بندها21 ( بند خاص بالحريات ).
*ويؤكد البرلمان الأوربي على قلقه من كون القانون المتعلق بمنع المظاهرات في العاصمة( صدر زمن بن فليس2001) مازال ساري المفعول على الرغم من تعديل الدستور سنة 2016 !
*يدعو البرلمان الأوربي السلطات الجزائرية إلى نبذ كافة أشكال استعمال القوة المفرطة في تفريق المتظاهرين ، تفاديا لتكرار حالة رمزي يطو ، مع محاكمة كل من يتسبب في ذلك بمحاكمة عادلة في ظل قضاء مستقل .
* يناشد البرلمان الأوربي
Service européen pour l’Action extérieure
ويطلب من الدول الأعضاء مساندة منظمات المجتمع المدني الجزائرية وكافة النشطاء الحقوقيين والصحافيين والمتظاهرين ،عن طريق المتابعة المستمرة لما يحدث في الميدان ، وزيارة المعتقلين في السجون،. متابعة ما ينشر من بيانات وتقارير ، ومحاكمات ...فضلا عن دعم منظمات حقوق الإنسان بكل الأدوات المتاحة ، بما فيها الأداة الأوربية للديمقراطية وحقوق الإنسان .
*يدعو البرلمان الأوربي السلطات الجزائرية إلى مراجعة القانون 
no 12-06 de 2012 
الخاص بالأحزاب والجمعيات ، مع فتح حوار وطني دون إقصاء لصياغة قانون جديد يتماشى مع الدستور والمواثيق الدولية .
* يدعو البرلمان الأوربي السلطات الجزائرية إلى ضمان الممارسة الفعلية لكافة الحريات بما فيها حرية المعتقد والتفكير التي يكفلها الدستور الجزائري وتؤكدها المواثيق الدولية.
* يعبر البرلمان عن انشغاله بشأن التعقيدات البيروقراطية التي تعاني منها الأقليات الدينية خاصة 
l’ordonnance no 06-03;
وتدعو الحكومة الجزائرية إلى مراجعتها لتتماشى مع الدستور والمواثيق الدولية ، خاصة مع المادة 18 من الاتفاقية الدولية المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية .
* يحيي البرلمان الأوربي الاعتراف بالأمازيغية كافة رسمية منذ 2016 ويشجع على تطبيقه الفعلي، ويدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين 42 الذين سجنوا بسبب حملهم الراية الأمازيغية .
*يطالب بضرورة إيجاد حل للأزمة على أساس صيرورة سياسية سلمية ومفتوحة ، ويؤكد على قناعته بأن الإصلاحات الديموقراطية والحوار البناء الشامل الذي يضمن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الجزائر ، من شأنها أن تعبد بعث اتحاد المغرب العربي من جديد، وهو أمر مهم جدا للتعاون بين دول الضفتين في المتوسط.
* يكلف البرلمان رئيسه بتبليغ هذه الوثيقة إلى نائبة رئيس اللجنة الممثلة العليا للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوربي ، والى حكومات الدول الأعضاء ، وكذا الحكومة الجزائرية، ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة .

 

بصراحة ، هذا النص ، وهذا الموقف لا يزعجني إطلاقا ، ولا أرى فيه تدخلا ، لا يد أجنبية ولا كراع كلب. ولا جد مواليكم .

شوهد المقال 1319 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نوري دريس ـ الغاية غير المعلنة : نريد برلمان ضعيف

د. نوري دريس  لا يمكن الجزم ان هذه هي النتائج التي كانت تريدها السلطة, ولكن المؤكد هو ان السلطة ارادت برلمانا ضعيفا, بواجهة جديدة, او ربما
image

مولود مدي ـ اكذوبة التغيير من الداخل

مولود مدي   لا يوجد ما يسمى ب "التغيير من الداخل" و "استغلال الهوامش المتاحة" التغيير هو مسألة شروط تاريخية ومسألة ميزان قوى بين السلطة والمجتمع، والسلطة
image

أحمد ختاوي ـ مدارات وبورتريهات الباحثة الأكاديمية ، الروائية ٔ الجزائرية المقيمة بكندا : أمال بن شارف : . لَسْلسة التشيؤ بمُمْكن الموئل ٔ

أحمد ختاوي  الباحثة والأكاديمية والروائية ، الشاعرة الدكتورة أمال بن شارف ، باعتبارها باحثة في الشأٔن التربوي (علم النفس المعرفي ) ، النفسي ( علم
image

ناصر جابي ـ الجزائر: بعض دلالات أرقام نسب المشاركة في الانتخابات

د. ناصر جابي  صعوبة نوعية الاقتراع الجديد الذي تبنته السلطة لأول مرة في الجزائر، المعتمد على قائمة النسبة المفتوحة، وكثرة الترشيحات الحزبية والمستقلة، التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ انتهت الانتخابات أما بعد مقاطعة الانتخابات

د. عبد الجليل بن سليم  في السياسة و فلسفة التغيير لا يوجد شيء إسمه حل ضرفي لكن الأنظمة المستبدة تؤمن بان الحل الضرفي قد يساعد !!
image

عثمان لحياني ـ ببساطة نفس الكتلة نفس السلوك

عثمان لحياني تبسيط الأمور يساعد على فهم الأمور، نفس الكتلة الناخبة بنفس القناعات والخيارات، وبنفس االسلوك الانتخابي، يعطي بالضرورة نفس النتائج، ويبقي نفس الفواعل السياسية في
image

رضوان بوجمعة ـ جسور للغد 7 سلطة أغلبية/الأقلية تنافي الديمقراطية وتهدد الوحدة الوطنية

د. رضوان بوجمعة  بعد أكثر من 70 ساعة عن غلق مراكز الاقتراع، خرج محمد شرفي مسؤول سلطة الانتخابات التي يقع مقرها بمحمية نادي الصنوبر، ومن قاعة
image

طيبي غماري ـ قراءة سريعة في انتخابات متسرعة

د. طيبي غماري  تكشف طريقة تسيير أو إخراج نهاية العرس الانتخابي على ضبابية الموقف بين مراكز القرار الأساسية، حيث لم تتمكن من حسم معركة السلطة لغاية
image

محمد هناد ـ سحب الاعتماد من فرانس 24

د. محمد هناد  نشرت وكالة الأنباء الجزائرية، نقلا عن وزير الاتصال، أن » الدافع وراء سحب الاعتماد، هو العداء الواضح والمتكرر للدولة الجزائرية ومؤسساتها وعدم احترام
image

العربي فرحاتي ـ كيف أتجاهل مزابل تاريخكم ..؟؟

د. العربي فرحاتي  يحلوا دائما لمن شاركوا وتسببوا في مآسينا ومآسي الشعب في التسعينيات من محترفي الكذب وجامعي الريع من المتمسلمين يعيبون علينا عند انتقادنا لترهاتهم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats