الرئيسية | الوطن الدولي | وليد عبد الحي ـ السنوات الخمس الحاسمة في مستقبل الشرق الاوسط

وليد عبد الحي ـ السنوات الخمس الحاسمة في مستقبل الشرق الاوسط

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أ.د.وليد عبد الحي

 

 

أزعم أن العراك الأمريكي الايراني سيحدد الملامح الاستراتيجية لمنطقة الشرق الاوسط، وأن المدى الزمني لهذا العراك هو السنوات الخمس –تقريبا- والتي تشتمل على بقية فترة ترامب واحتمالات تنصيبه ثانية او احتمالات فشله( في الانتخابات او العزل او الاغتيال).
وتقوم استراتيجية ترامب مع ايران على ثلاثة ركائز هي:
1- الخنق الاقتصادي لإيران الى اقصى حد متاح.
2- توظيف الحلفاء الاقليميين –لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي- لسد بعض الثغرات في الجانب الاول من هذه الاستراتيجية الامريكية.
3- عرض العضلات العسكري بالتهديد احيانا او احضار قوات رمزية للمنطقة بشكل يثير القلق لايران.
ولكن ماذا يريد ترامب من ايران في ظل استراتيجيته تلك ؟:
أ‌- حرمانها من فرصة التطور النووي وتطوير تكنولوجيا الصواريخ لضمان احتكار اسرائيل للقوة النووية في الشرق الاوسط.
ب‌- تجفيف موارد ايران للحيلولة دون دعم حلفائها بخاصة سوريا وحزب الله وانصار الله والمقاومة الفلسطينية، وتقدر بعض الدراسات ان ذلك يكلف ايران قرابة مليار دولار سنويا، وسيؤدي النجاح في هذا الهدف- تجفيف موارد الدعم لحلفاء ايران- الى تيسير التمدد الصهيوني وفتح المزيد من القنوات له بشكل يجعل المسرح أكثر تهيؤا " لصفقة القرن " او ما يماثلها.
ت‌- ارباك المنظور الجيواستراتيجي لكل من روسيا والصين في منطقة غرب آسيا تحديدا من خلال شل قلب المنطقة وهي ايران.

 

 

المواجهة بين الطرفين الامريكي والإيراني:
يمكن رصد جوانب المواجهة بتحديد جوانب الفشل والنجاح في تكتيكات كل من ايران وامريكا على النحو التالي:
أولا: الاستراتيجية الامريكية : 
أ- فيما يتعلق بالخنق الاقتصادي هناك قدر من التأثير " الثقيل " للسياسة الامريكية على الوضع الاقتصادي الايراني، ويمكن توضيح هذا التأثير من خلال المقارنة بين الوضع الاقتصادي الايراني حتى عام 2015( توقيع الاتفاق النووي ) ثم الفترة التي تلتها الى مجيء ترامب واعلانه الانسحاب من الاتفاق، فقد تراجع النمو الاقتصادي الايراني في السنة المالية 2018-2019 بنسبة 4.9%، لكن هذا التراجع جاء بعد سنتين (2015-2017) من النمو، والملاحظ ان التراجع الإيراني تم بشكل متباين بين القطاعات الاقتصادية لكن القطاع النفطي كان هو الخاسر الاكبر، حيث وصل التراجع بعد الانسحاب الامريكي مباشرة الى 14% في النفط، و 6.5% في الصناعة، و 4.5% في قطاع الانشاءات، و 2.4% في القطاعات الاخرى غير النفطية، وكل ذلك انعكس على حجم التجارة الايرانية لتتراجع بحوالي 10.7% مع تهاية شهر 8 من عام 2019.
ولكن إذا حسبنا ان قطاع الخدمات الذي يشكل 55% من اجمالي الناتج المحلي الايراني لم يتأثر باجراءات ترامب وأن الانخفاض في الناتج الزراعي الذي يمثل 10% من الناتج المحلي تراجع فقط 1.5%، فإن ذلك يعني ان النجاح مؤثر –بلا شك- ولكن ليس للحد الذي يجعل الاقتصاد الايراني على حافة الانهيار.
غير ان التحليل الدقيق لانعكاسات سياسات ترامب على المواطن الإيراني تشير الى تأثير واضح، فإجراءات ترامب أدت لفتح المجال للسلعة المحلية (بسبب تراجع الواردات) ، وهو ما جعل السمة العامة للمنتجات في السوق هي أنها محلية الصنع من ناحية ولكنها من ناحية ثانية تُباع باسعار عالية(أي سلع اقل جودة بتكلفة أعلى) ، فانعكس ذلك على المواطن من خلال تراجع معدل الدخل الفردي في المدن بنسبة 6.7% و حوالي 9.1% في الريف الايراني، وهي مستويات حادة يراهن المخطط الامريكي على أنها ستقود لاضطرابات داخلية فاسعار المواد الغذائية بخاصة اللحوم ارتفعت بمعدل 47% وهو ما دفع الدولة لمنع تصدير المواشي للخارج، وجعل 3% من الايرانيين(حوالي 2.5 مليون نسمة) يعيشون على اقل من 2 دولار يوميا.

 

 

ب- التوقعات الاقتصادية من الجهات الدولية (مثل البنك والصندوق الدولي وبعض الدراسات الاوروبية والروسية والصينية) تشير الى أن الاقتصاد الإيراني يتجه نحو النمو بمعدل 1% بدءا من 2020 وسيستمر ذلك حتى عام 2024، ورغم ان ذلك لا يوحي بتحسن كبير بخاصة من زاوية تراجع معدل الدخل الفردي( نتيجة ارتفاع الاسعار والتضخم) ، الا انه كاف لإغواء القياد الايرانية بالاستمرار في المقاومة خاصة ان معدل البطالة في النصف الثاني من عام 2019 وصل الى حوالي 11% وهو المعدل الأدنى في السنوات من 2014-2019 ولعل ذلك راجع لدور قطاع الصناعة الوسيطة، وتفسير ذلك هو ان تراجع قيمة العملة الإيرانية بحوالي 60% من قيمتها ليكون أجر العامل 5 دولار يوميا(وهو نصف ما يتقاضاه العامل الصيني على سبيل المثال) فتح المجال امام الصناعة الايرانية لإحلال الصناعة القائمة على العمالة المكثفة بدلا من التكنولوجيا المكثفة، وهو ما ساهم في امتصاص بعض البطالة وتخفيف بعض الاحتقان الاقتصادي.
ج- مشكلة ايران مع مستوى الالتزامات الدولية معها: فالى جانب الشكوى الايرانية الدائمة من " التثاؤب" الأوروبي تجاه المطالب الايرانية بتفعيل نظام آلية الدفع الخاصة لتنفيذ العمليات المالية والتجارية مع الاتحاد الأوروبي، بعيدًا عن العقوبات الأمريكية، وقد بدأ هذا التفعيل في شهر 6 من هذا العام، لكن ايران دائمة الشكوى منه لأنه اقل مما تريد او ما هو منصوص عليه.
من ناحية أخرى ، فان ايران تواجه بعض التعقيدات في العلاقة مع زبائنها الكبار، ففي عام 2018 كانت ايران تنتج 3.8 مليون برميل تصدر منها 2.3 مليون برميل..وهناك ثماني دول هم الزبائن الأهم لايران وهي الصين،والهند واليابان ، وكوريا الجنوبية،وتايوان، وتركيا واليونان وايطاليا.
لكن متابعة مسار الصادرات النفطية الايرانية يشير انه بدءا من مارس 2019 تراجعت الصادرات النفطية الايرانية الى 1.1 مليون برميل،(تايوان واليونان وايطاليا اوقفت الاستيراد النفطي من ايران)، بينما الصين والهند خفضت صادراتهما بمعدل 39% للصين و 47% للهند، وهو ما يعادل خسارة ايران حوالي 8 مليار دولار، واستمر التراجع ليتراوح بين 400 الف و 200 الف برميل ، وعند تصنيف التزام هذه الدول بعلاقاتها مع ايران يتبين ان الصين وتركيا هما الاكثر تمسكا بالنفط الايراني الى جانب ان هناك العديد من المراجع التي تشير الى ان ايران تمارس مسالتين تخففان من ثقل الموضوع النفطي :
أ‌- تهريب النفط( او ما يسمى الناقلات الشبح)، وتقدره بعض الجهات بحوالي 100-150 الف برميل يوميا.
ب‌- تخزين النفط في اراضي الصين رغم ان ارقام الجمارك الصينية تشير لتراجع الواردات النفطية الصينية من ايران بحوالي 60% خلال الفترة من 2018-2019، كما تراجعت ارقام التجارة (ككل) بين البلدين خلال نفس الفترة بحوالي 46%.
ماذا يعني كل ذلك؟
من الواضح ان سياسة ترامب الاقتصادية بدأت تعض الاقتصاد الايراني بشكل مؤلم، وهو ما دفع ايران لمواجهة هذه السياسة من خلال استراتيجية العمل على " توظيف المكانة الاقليمية لإيران لتوسيع هامش حركتها الدولية" كما سنوضح في النقطة الثانية .
ثانيا: الاستراتيجية الأيرانية:
يبدو ان جبهة " الصد" لسياسات ترامب ما تزال قوية بخاصة في ظل وجود خامنئي متحكما بقدر كبير في صنع القرار الاستراتيجي مسنودا بالحرس الثوري ، ويبدو ان المعادلة التي تحكم القرار الايراني هي ان ترامب وصل الى " نهاية ما يستطيع" ، وعليه فان المستقبل لا يحمل في طياته الا إما استمرار الوضع الحالي " وهو وضع قابل للتحمل من قبل ايران رغم قسوته" او تحسن نسبي وتدريجي في وضع ايران بخاصة ان ترامب على أعتاب انتخابات رئاسية قد يفوز بها( وهو ما يستدعي من ايران التفكير في سيناريوهات أسوأ" او ان يفشل ترامب مما " قد" يفتح الباب امام الخروج الايراني من النفق، هذا إذا نجا ترامب من تبعات احتمالات المحاكمة او العزل في ظل التطورات الاخيرة ومكالماته مع الرئيس الاوكراني.
في ظل ما سبق وضعت ايران استراتيجية تقوم على التوجهات التالية:
أ‌- ضمان استقرار داخلي : تراجعت نسبة الاحتجاجات في ايران بحوالي 38%( طبقا لتقارير المعهد الدولي للدراسات الايرانية)، وكانت ذروة هذه الاحتجاجات في مايو 2018 ، عندما بلع المعدل 69 احتجاجا او مظاهرة يوميا ، ومع ان الدوافع الاقتصادية للاحتجاج لم تتراجع ، لكن الاحتجاجات تراجعت لعدة اسباب:
1- الخطر الخارجي: أي ان الشعور العام لدى المجتمع الايراني بالخطر الخارجي يساهم في امتصاص التوتر الداخلي الى حين.
2- سياسة عرض العضلات في الخليج بهدف ايقاظ الحس القومي.(اسقاط الطائرة الامريكية، حجز السفينة البريطانية،المناورات العسكرية المتلاحقة والعروض العسكرية .
3- كان لإعلانات ترامب انه لا يستهدف تغيير الحكومة الايرانية بل يعمل على تغيير سياساتها أثرها المحبط لتطلعات بعض شرائح المعارضة الايرانية التي كانت تأمل تدخلا أمريكيا لمساندة المعارضة على غرار ما جرى في العراق او ليبيا او سوريا.
4- ممارسة السلطات الايرانية قدرا كافيا من القبضة الامنية الداخلية .
5- تصعيد الخطاب الديني الداخلي بهدف تحويل الاهتمام من المعدة الى الوجدان الوطني.
6- السياسة السكانية الناجحة في ايران ، اذ ان سياسة ضبط الزيادة السكانية في ايران بين 1986 و2000 أدت لتراجع نسبة الخصوبة في المجتمع الايراني بحوالي 64%، وهو ما جعل ضغط تراجع النمو الاقتصادي أقل عبئا.
ب- موقف القوى الاخرى غير الامريكية من الأزمة الإيرانية: فالموقف الاوروبي لم يكن بالمستوى الذي تطمح له ايران ، كما ان روسيا والسعودية عوضتا نقص الامدادات الايرانية للصين ، الاولى زادت صادرتها بحوالي 45% والثانية بحوالي 84%.، مع ملاحظة أن بعض النقص في الواردات الصينية من النفط هو بسبب نقص الواردات من الولايات المتحدة في ظل الحرب التجارية بين البلدين، وهذا يعني ان تعويض الحلفاء النقص من البترول الايراني يشكل اضعافا للقدرة التفاوضية الايرانية مع خصومها.
الخلاصة:
1- إذا تمكنت الولايات المتحدة من إحكام الحصار على ايران بمزيد من التضييق الى الدرجة التي تصل الى قبول ايران " تجرع السم" وقبول تغيير سياساتها ، فان المشهد العام في كل من ايران وسوريا واليمن بل والعراق وفلسطين سيصاب بتغير جذري، وهو امر لا يجوز استبعاده.
2- إذا تمكنت ايران من تفكيك سلاسل القيود على الوضع الاقتصادي الايراني بشكل تدريجي او بفضل تغير في صانع القرار الامريكي فان التغير سيصيب الخليج العربي وفي عمق العمق بل قد تصل شظاياه الى مصر.
3- نعتقد ان احتمالات التفاوض بين امريكا وايران خلال الفترة القادمة لا تزيد عن 25%، وقد تستمر جهود بعض الدول الاوروبية في هذا المجال ، لكنا نعتقد ان ايران لن تغير مواقفها ، بل إن استراتيجية " اللسع العسكري" للمصالح الامريكية او الحلفاء الإقليميين لأمريكا يوحي بأن إيران ستعمل على امتصاص كل الضغوط الى حين ظهور مصير ترامب خلال الفترة من الآن وحتى نوفمبر 2020....
4- يبدو ان صناع القرار الإيرانيين واثقون من ان ترامب- ولأسباب بنيوية في الولايات المتحدة- لن يُقدم على أي عمل عسكري ذي شان استراتيجي، وهو ما يهز ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها، ويوسع هامش المناورة لطهران، وهو ما يعزز نزوعها لعدم الانحناء لترامب.
5- تدرك ايران ان روسيا والصين لن يسمحا بتغير استراتيجي يفقدهما كل المكاسب المحققة بخاصة خلال السنوات العشر الأخيرة تقريبا.

 

شوهد المقال 169 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats