الرئيسية | الوطن الدولي | جلال شقرور ـ شبكات الجيل الخامس و التحديات الامنية ..مشكلة هواوي وترامب

جلال شقرور ـ شبكات الجيل الخامس و التحديات الامنية ..مشكلة هواوي وترامب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.جلال شقرور 

 

مشكلة هواوي مع ترامب تتركز في نوعين من التقنية: شبكات الجيل الخامس اللاسلكية 5G والهواتف الذكية التى تعمل على نظام الأندرويد. وبالرغم من أن مشكلتها في 5G أخطر إلا أنّ الناس مُهتمة أكثر بالهواتف الذكية لأنها الأقرب لها، فهي بين أيديها. لهذا سأختصر الكلام عن ال5G وأركز على الثاني.

 

ال5G هي شبكات المستقبل التي ستقضي تقريبا على كل الشبكات الأخرى على الأقل في المدن الكبرى ذات الكثافة السكانية العالية.الكلام هنا عن البنية التحتية للشبكة والتي يظهر منها للمستخدم الهوائيات التي توضع على أسطح المباني. ترامب منع الشركة الأمريكية المُسيطرة على رخص وبراءات اختراع هذه التقنية، وهي كوالكوم qualcomm، من التعامل مع الصين. شخصياً سبق وعملت على تطوير برامج تعمل على منتجات هذه الشركة (كوالكوم) في بداية ظهور شبكات الجيل الرابع منذ أكثر من عقد من الزمن، وذلك لصالح السوق الهندية، في مخابر شركة ألكاتال-لوسنت Alcatel-Lucent، التي كانت وقتها أكبر مُنتج لهذا النوع من البُنى التحتية الرقمية قبل صعود هواوي و ZTE الصينيتان. 

الذي يتحكم في تقنية 5G وينجح في تسويقها يستطيع اختراق الشبكة والتجسس على كل شيء يمر عبرها، خصوصاً معلومات الشركات والبنوك (الجوسسة الاقتصادية) ومعلومات القوات المسلحة و الأجهزة الأمنية (الجوسسة الكلاسيكية)، بل ويستطيع شل حركة كل شيء من الاقتصاد إلى الخدمات كالنقل والصحة و المطافئ، ويستطيع التلاعب بمصير دولة كاملة من خلال التدخل في الانتخابات والتأثير على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي إلخ.
لذا فهذه مسألة سيادة وتهديد مباشر للأمن القومي لأي دولة، وأمريكا أدرى الناس بهذا لأنّها لطال ما مارست هذا الاختراق ضد جُل الدُول بما فيها حُلفائها (كألمانيا وبلجيكا) وفي الأغلب لأسباب اقتصادية، وهذا بسبب تحكمها في مختلف التقنيات وقوة اقتصادها. والصين نفسها مارست هذا النوع من الجوسسة كثيرا. مثلاً في السابق قامت بتجهيز مقر عصري لمنظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا ووضعت فيه حواسيب جديدة وشبكة وغيره. لكن أحدهم لاحظ أن الحواسيب تنشط بشكل غير عادي في منتصف الليل وعند التحري اكتشف خبراء جزائريون أنها مُلغّمة ببرامج جوسسة تُرسل كل معلومات الحواسيب عبر الأنترنت إلى خوادم موجودة في الصين.

 

أما بالنسبة للهواتف الذكية فالخطر الأمني أقل بكثير لأن ضحية الجوسسة أو الاختراق هم المواطنون العاديون أو الأفراد وليست البنية التحتية الرقمية. مشكل هواوي في هذا المجال اقتصادي بالأساس لأن قرار ترامب يُهدد موقعها كثان أكبر منتج للهواتف الذكية في العالم (بعد سامسونج وقبل آبل). ومن يظن أنّ هواوي ستخرج من هذه الورطة بسهولة بمجرد تطوير نظام تشغيل بديل فعليه أن يتوقف عن الفتوى بغير علم ويسأل أهل الذكر.

لفهم المشكل لا بد من مقدمة تشرح بنية هواتف الأندرويد ويمكن للقارئ غير المهتم بالتقنية تفادي هذا للجزء من المنشور. شخصياً قمت بتطوير برامج أندرويد موجودة على متجر جوجل وأؤطر بعض الطلبة لتطوير برامج أخرى كمشاريع تخرج في الجامعة باعتبار أنها تكنولوجيا سهلة لدول مثل دولنا.

 

أولاً هناك العتاد وأهم شيء فيه هي معمارية المعالج processor architecture، وهو بمثابة دماغ الهاتف، ثم تأتي الشاشة والبطارية ودارة الشبكة اللاسلكية، ألخ.
فوق العتاد تأتي البرامج مُنظمة في طبقات، أولها نظام الأندرويد نفسه ويأتي فوقه التطبيقات التي يعرفها كل مستخدم مثل تطبيق الفيسبوك أو اليوتوب أو الكاميرا. إخ.
نظام الأندرويد في حد ذاته مُكون من ثلاث طبقات، أولها وأقربها إلى العتاد هي نواة لينكس linux وهذه هي ما يُعرف بنظام التشغيل، أي تشغيل العتاد منذ لحظة فتح الهاتف إلى غاية بدء أي تطبيق وتشغيل التطبيقات بعد ذلك. النواة مكتوبة بلغة سي C بإستثناء أجزاء طفيفة تكون بلغة التجميع الأسمبلي assembler وهذه الأخيرة تتبع لمعمارية العتاد. النواة يوجد فيها أجزاء خاصة تُشغل قطع العتاد وتسمى بالمُعرفات device drivers، مثل دارة الاتصال اللاسلكي بتكنولوجيا بلوتوث bluetooth و واي فاي wifi، و4G، إلخ. وهاذان الجزءان (جزء الأسمبلي ومُعرفات العتاد) يكتبهما في الغال الشركة المُطورة للعتاد أما باق نواة لينكس فهو موجود ومفتوح المصدر ويشارك في تطويره مبرمجون من شركات ودول و تخصصات شتى، ويُستعمل في أنواع أخرى من الحواسيب مثل خوادم النت والتلفاز الذكي والأنظمة المُضمّنة mebedded systems، فضلاً عن الهواتف الذكية.

 

 

فوق النواة يوجد في نظام الأندرويد عدد من مكتبات النظام الأساسية وهي مكتوبة بلغة سي أيضا أو لغة السي بلاس بلاس ++C وإلى جنبها يوجد آلة افتراضية للغة جافا JVM كانت تسمى دالفيك dalvik وصارت الآن art. وكي تعمل هذه الطبقة السفلى من البرامج (النواة ومكتبات النظام والآلة الافتراضية) فلا بد من ترجمتها compiling من لغة السي إلى لغة الآلة الحقيقة وهي اللغة الثنائية binary المرتبطة بمعمارية العتاد. وهذه الترجمة تحتاج سلسلة أدواة toolchain يوفرها من يُطور العتاد بالتعاون مع من يطور مُترجم اللغة compiler.
ثم فوق هذا نجد الطبقة الثالثة من البرمجيات داخل نظام الأندرويد مكتوبة بالجافا تسمى الإطار framework، وهذه هي التي يتعلمها المطور الذي يريد كتابة برامج للأندرويد. أخيراً المستخدم يحصل على التطبيقات من متجر توفره شركة جوجل التي طورت نظام الأندرويد، في حين أن العتاد تطوره عدة شركات مختلفة مثل هواوي وسامسونج وغيرها. إذاً البرامج المعروفة للمستخدم ما هي إلا الطبقة الأخيرة التي تكون فوق الإطار، فوق الآلة الافتراضية ومكتبات النظام، فوق النواة ومعرفات العتاد، فوق العتاد الذي يمسكه المُستخدم بيده أويضعه في جيبه. 

مشكلة هواوي مع الأندرويد المخصص للهواتف هي أولاً في العتاد. حالياً لا يوجد شيء مُنافس لمعمارية آرم arm في السعر والآداء لا سيما في اقتصاد البطارية. ولا حتى معمارية أتوم atom المشتقة من x86 من إنتل intel. وهذه شركات التزمت بالحضر المفروض (وإن كانت arm في الأساس شركة بريطانية). المعماريات الأخرى كميبس mips (المملوكة الآن لشركة صينية) وغيرها تستهلك طاقة أكبر وبالتالي لا تصلح للهواتف. ومن الصعب تطوير مُعالج جديد من الصفر دون الاستفادة من تكنلوجيا آرم arm. وإذا حصل هذا يبقى على مُخترع هذا المُعالج عمل سهل هو حمل نواة لينكس له وتوفير مُعرفات العتاد وتوفير سلسلة مترجم compiler toolchain كي تستطيع هواوي أو غيرها بناء المكتبات الأساسية للنظام من السي إلى اللغة الثنائية ثم بناء آلة جافا افتراضية لتتمكن بعدها من تطوير أو تشغيل التطبيقات. المُشكلة الثانية تكمن في منع الشركات الصينية (بعد ثلاثة أشهر من الآن) من استعمال أي إصدار جديد من نظام الأندرويد مع أي هواتف جديدة أو قديمة لأن الحضر منعها من الاستفادة من رُخص برامج جوجل التي تبيعها على مُصنعي العتاد. لذلك لا بديل لها عن تطوير أو استخدام متجر تطبيقات آخر.

 

إذاً بالنسبة لهذه الشركات، هناك مشكل أكبر من العتاد ورُخص برامج جوجل وهو متجر التطبيقات app/play store. وهذا يحتاج لكي ينجح جذب عدد هائل من المطورين وهو ما فشلت فيه سابقاً شركات كبيرة مثل مايكروسوفت. فقط جوجل وآبل جازتا القنطرة. حاليا هواوي عندها متجر لكن ضعيف وأيضا سامسونج عندها متجر عنده نفس المشكل. وهناك متاجر أخرى بعضها مفتوح المصدر تعاني من نفس الشيء، ولا أظن هواوي قادرة على فرض متجرها خارج السوق الصينية.

أهم شيء لنجاح أي متجر التطبيقات هو تكوين مجتمع المطورين. هناك فيديو قديم لستيف بالمر، مدير مايكروسوفت، السابق، وهو يجري فوق منصة في المؤتمر السنوي للمطورين وهو يصرخ كالمجنون developers developers developers. لكنه فهم بعد فوات الأوان. ثان أهم شيء لنجاح المتجر هو توفيره من البداية للتطبيقات ذات الاستخدام الشائع والتي تحتاج شبكة سحابية مهولة كتطبيق البريد الإلكتروني gmail و تطبيق الخرائط maps وتطبيق الوثائق التعاونية google docs. وهذه تفتقدها أغلب الشركات بإستثناء الثنائي المذكور. فقط شركات البرمجيات العملاقة (وكلها أمريكية) تستطيع رفع التحدي التقني. ومع ذلك فالوقت فات لأن السوق متشبع بكل من آبل وجوجل ومن الصعب المنافسة فيه إلا إذا حدثت طفرة جديدة في التقنية أو هبوط حاد في الأسعار.

 

شوهد المقال 492 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ أصداء حوار في القصر.. شكرا سفيان جيلالي

نجيب بلحيمر   لم يكتف رئيس حزب جيل جديد سفيان جيلالي بالحديث عما قاله لعبد المجيد تبون في اللقاء الذي جمعهما بمقر الرئاسة أمس بل
image

مرتضى كزاز ـ الطائفة التي تقتل ابنائها

 مرتضى كزاز   عين الطائفة لا تبصر ٦٠٠ شهيداً من أبنائها قتلتهم بأظافرها وهي تهرش جلدها الفاسد؛ لكنها تبصر بوضوح جثة السفّاح الذي شهد عليه بني
image

نوري دريس ـ مأزق الشعبوية ...عبان رمضان ..عبد الحميد بن باديس

د. نوري دريس  بالنسبة للبعض, الإساءة الى عبان رمضان تحديدا هي أقرب الطرق للتقرب الى من يتوهمون أنهم اعداء عبان داخل السلطة. او
image

حارث حسن ـ صراع مَنطِقَين في العراق

د.حارث حسن  الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في اوكتوبر/تشرين هي أكبر تحدي واجههته الشيعية السياسية في العراق، لأنها ليست مجرد تعبير عن انقسام سياسي داخل
image

جباب محمد نورالدين ـ لا زال النظام يتصرف بأريحية، هذا إن لم يكن يبتسم سخرية

د.جباب محمد نور الدين تابعت درجة السخط العالية، من الموالاة تحديدا، الذين اعتقدوا أن النظام خذلهم واختار خصوم توجهاتهم الفكرية و الأيديولوجية ، وكل يوم
image

سعيد لوصيف ـ Avis d'appel d'offres لترميم تصدعات اجهزة النظام ...

 د. سعيد لوصيف    بعيدا عن مسألة اضفاء شرعية مزيفة لرءيس معين، او القول بالواقعية في التعامل مع السلطة، فإن استقبال السيد تبون للسادة بن بيتور،
image

حكيمة صبايحي ـ السؤال الشريف : لماذا بسطاء الناس أكثر رجولة وشرفا من النخب أغلبها؟

د. حكيمة صبايحي   سؤال جارح: لماذا عامة الناس أكثر شجاعة من حملة الشهادات العليا والإطارات السامية في مفاصل الدولة؟ (حسنتُ ألفاظ السؤال، والسؤال
image

محمد محمد علي جنيدي ـ التطرف وقانون نيوتن

محمد محمد علي جنيدي - مصر   يعد التعصب للرأي هو البلدوزر الذي يقوض بناء أي أمة مهما كانت صلابتها أو تقدمها فهو الدوامة التي تجتذب المتشدد
image

شكري الهزَّيل ـ الحال الفلسطيني ليس على ما يرام...عصابة رام الله تغتال القضية الفلسطينية وطنيا وتاريخيا!!

د.شكري الهزَّيل  يدرك كل من يملك ذرة عقل وادراك سياسي وتحليلي ان القضية الفلسطينية تمُر منذ عقدين من الزمن في احلك ايامها وازماتها لابل
image

نسيمة الهادي اللجمي ـ أدلب " ادلب الجريحة أَوْجَعْتِ مني القريحة "

نسيمة الهادي اللجمي           ادلب والقلوب تتعب العمر يشحب والفرحة تغرب والشر في الأركان يضرب الظالم يصخب ظلمه لا يتعب آثِمٌ يُذنب هذا ما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats