الرئيسية | الوطن الدولي | محمد مصطفى حابس ـ سيخلد التاريخ اسم هذه " النجاشية" النيوزيلندية كشخصية عظيمة أدارت الأزمة التي عصفت ببلادها بكل كفاءة واقتدار .

محمد مصطفى حابس ـ سيخلد التاريخ اسم هذه " النجاشية" النيوزيلندية كشخصية عظيمة أدارت الأزمة التي عصفت ببلادها بكل كفاءة واقتدار .

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد مصطفى حابس

 

كتبت  الواشنطن بوست  في افتتاحيتها  يوم الثلاثاء الماضي، تحت عنوان " العالم ينظر - بإعجاب كبير -إلى جاكيندة أرديرن"، رئيسة وزراء نيوزيلندا كيف تفانت في إسعاف مواطنيها، و اجراء تغييرات حتى في بعض ثوابت سياسة بلادها فيما يخص اقتناء و بيع السلاح بأنواعه، وذلك بعد الهجوم الإرهابي الذي أسفر عن مجزرة حقيقية في بلادها، قُتل فيها ما يقارب 50 ضحية من المسلمين، والتي كان مصرحها مسجدي مدينة كرايس تشيرش، ثالث أكبر مدينة تقع في الجهة الجنوبية لجزيرة نيوزيلندا. و أشادت الصحافة الغربية بهدوء وشجاعة، بل بتعاطف و رباطة جأش رئيسة الوزراء الشابة، في تسيير شؤون الأزمة

و قالت عنها يومية " واست أستراليان"، "في لحظات الأزمات تظهر قيمة الزعماء"، رغم أنها حديثة عهد بقيادة دولتها وحزبها معا، إلا أن "جاكيندا أرديرن" تتمتع بشعبية منقطعة النظير منذ خوضها حملة تشريعيات عام 2017 على رأس حزب العمال النيوزيلاندي، وعمرها لا يتجاوز37 سنة، إذ تعد أصغر من يشغل هذا المنصب العالي في الدولة النيوزيلندية، منذ عام 1856

كما أثارت موجة من التعاطف في جميع أنحاء العالم، ببساطة صورها المتعددة و التي تظهر فيها  السيدة جاكيندا وهي حزينة و مستاءة بشكل واضح، تتنقل من هنا لهناك معانقة لعائلات الضحايا، و باكية أحيانا كأنها منهم، حارسة على تغطية شعرها بخمار أسود أثناء زياراتها للجالية المسلمة في المقبرة والمسجد، دون أي تكلف و لا بروتوكلات النفاق السياسي الذي نعرفه عند بعض ساسة دول الغرب في أوروبا وأمريكا عموما.

 

من جهتها عددت مجلة "لونوفل أوبسرفاتور" الفرنسية في عدد هذا الأسبوع،  عشرة أمور قالت إنها تميز رئيسة الوزراء النيوزيلندية وينبغي للعالم الاعتراف بها لهذه السيدة الفاضلة، وذلك إثر تعاملها المثالي مع محنة مجزرة كرايست تشيرتش الذي أبرزت فيه أنها  فعلا قائدة لبلدها بل و"دعامة حامية" لنيوزيلندا- على حد تعبيرها- ، ومن هذه الأمور العشر التي تميزت بها، ذكرت المجلة صفحات مشرقة من سيرتها الذاتية، منها على سبيل المثال لا الحصر :

أن رئيسة الوزراء بعثتْ يوم الثلاثاء برسالة تضامن مع المسلمين، ووعدتهم بعدم نطق اسم سفاح المسجد أبدا، ذلك "الإرهابي المجرم المتشدد" وفقا لوصفها، كي لا يحظى بما سعى له من شهرة؛ كما افتتحت خطابها - وهي متوشحه بالسواد- بعبارة "السلام عليكم" باللغة العربية.

أن رئيسة الوزراء، هي بمثابة نجمة اليسار المعتدل في بلادها، و هي أصغر من يشغل هذا المنصب منذ 1856، والمرأة الثالثة في تاريخ نيوزيلندا، رغم أن سياستها الاجتماعية لا تروق أحيانا حتى لمن هم داخل حزبها، لأنها وعدت بتخفيض تكاليف دخول الجامعة، وتعزيز إمكانية الحصول على سكن للعائلات ذات الدخل المنخفض، منهم كثير من المهاجرين  ..

أن رئيسة الوزراء أم ليست كالأمهات السياسيات، بل حرصت على إحضارها ابنتها البالغة من العمر ثلاثة أشهر إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ كانت أول امرأة زعيمة لدولة تحضر هذه التظاهرة الدولية وهي تحمل معها رضيعا.. وحتى خلال الحملة الانتخابية، ردت أردرن على ملاحظات بشأن الوقت الذي ستنجب فيه أطفالا قائلة: "إن اختيار الوقت الذي ستنجب فيه المرأة أطفالا خيار خاص بها ولا ينبغي ربطه بحصولها على وظيفة من عدمه..".

ان رئيسة الوزراء، ابنة شرطي ترعرعت بديانة المورمون المسيحية، قبل التخلي عن دينها عام 2005 بسبب مواقف كنيسة المورمون من الشذوذ الجنسي، وهي أمور عدت إيجابية في نظر سكان نيوزيلندا، على حد تعبير ، المجلة الفرنسية.

 

و من خلال هذه الأوصاف الإنسانية النبيلة، عد بعض الكتاب على وسائل التواصل الاجتماعي، بأن التاريخ سيخلد اسمها كشخصية عظيمة أدارت الأزمة التي عصفت ببلادها بكل كفاءة وإنسانية و اقتدار، رغم صغر سنها.

وصدق من وصفها بأنها أعادت للأخوة الإنسانية - في زمن التوحش - معناها العادي و الطبيعي، كانت منذ اليوم الأول تضمد الجراح النازفة، وأبهرت العالم بعاطفتها الصادقة - ليس خوفا من أحد، فالعرب اليوم، و "المستسلمين منهم" عموما لا يخيفون أحدا - ولكن تسكينا للنفوس المكلومة التي جرحت بأمنها وسلامها إذ هربت شعوبا من جحيم بلادها لتحط بها الرحال في جوارها.. فالسيدة "جاكيندة أرديرن"، راعية وتعرف معنى المسؤولية الحقيقية عن رعيتها، كما يصفها آخر، بحيث سعت بل وأثبتت أنها تحافظ على صورة بلادها كواحة أمن ورخاء ومأوى لمن فقدوا كرامتهم وإنسانيتهم في مسقط رؤوسهم، وهي بسلوكها - الذي يدرس في احتواء وإدارة الأزمات - تجسد وتعلم أبناء وبنات بلدها معنى المحبة بين أبناء البلد الواحد والأخوة الحقيقية في الإنسانية ومعنى تعهد المشردين من ظلم ذوي القربى والباحثين عن الأمان مما ورثته من تعاليم السيد المسيح بن مريم عليه السلام، موصدة بذلك الباب على سدنة الشيطان من أن يعيثوا فسادا في بلادها وتحت سلطتها، وتئد بالتالي محاولات الأيدي الخفية العنصرية لتسميم أجواء السلم والعيش المشترك مما ألفه الناس واعتادوا عليه 

وبالتالي يرقى صنيع هذه السيدة الكريمة الى مستوى عدل النجاشي، إذ عدها أحد الاخوة الأئمة، حفيدة للنجاشي على حد تعبيره، ونِعمَ  “النجّاشية” العادلة هي النيوزيلندية جاكيندة أرديرن، نسبة إلى ذاك الملك النصراني العادل الذي احتضن صحابة الرسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما ذاق أصحابه ويلات المشركين

إذ كما جاء في السير، احتضان النجاشي للمسلمين المهاجرين من بطشة قومهم (وما أشبه اليوم بالبارحة) في هجرتهم الأولى إلى الحبشة واستقروا بها، ويوم وفاته تأثر لموته رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكأن الأرض فقدت نفسا طيبة كانت تعطر الجو بطاقتها الإيمانية الإيجابية، وتشد من أواصر الأخوة الإنسانية، فقال - بأبي هو وأمي – "قد توفي اليوم رجل صالح من الحبشة، فهلم فصلوا عليه".

و بمثل هذه الروح التي تحترم الآخر وتعترف به وتحفظ حقوقه، استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، وأذن لهم بالصلاة في مسجده.

 

قد يختلف بعض الناس على هذا الوصف أو المقاربة، وقولون لنا شتان بين و بين، إلا أني أعتقد جازما  أنّ ما أنجزته  هذه السيدة " النجاشية" لم يصل أليه حتى حكامنا العرب مع شعوبهم، وهو أمر تستحق عليه كل الوفاء و التقدير ، كم نتمنّى أن “تدبّ نار الغيرة ” لدى الدول العربية والإسلامية وحكامها خصوصا، كي يقومون باستقبال لاجئين من أهلهم، فروا إلى بلاد الغرب كنيوزيلاندا؟ وحتّى اللحظة نسأل لماذا تمنع هذه الدول الإسلامية من دخول لاجئ واحد إلى أراضيها، هذا السؤال الذي حيّر شعوبنا حتّى اليوم، ولم يجدوا له الجواب المقنع، وتساءلوا لماذا لا يغارون من "نجاشية" كهذه؟ ألا يحسدونها بأنّها دخلت التاريخ من أوسع أبوابه.

 

وبهذه المناسبة الأليمة ، لا يسعنا إلا أن نترحم  على النجاشي و نترحم  على كل النفوس " النجاشية" الطيبة - التي ما زالت على قيد الحياة أو لحقت بالرفيق الأعلى - وهي تحاول أن تجعل ما على هذه الأرض يستحق الحياة، كما تقوم به هذه السيدة النيوزيلندية الفاضلة، و هي تعطي درسا و تذكيرا لنا، بل وصفعة لمنافقي الساسة حتى في دول الغرب المضياف شعبها..

في الختام، لا يسعنا الا الترحم على شهداءنا في "نيوزيلندا" وغيرها من بلاد المنفى و المهجر، يحدونا في ذلك قوله تعالى :"ومَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ"، متضرعين لله أن يرحمهم رحمة واسعة .. فاللهم اجعل دماءهم البريئة رحمة لهم، ونقمة على المجرمين و المنافقين.. اللهم عليك بمن روع الآمنين في بيتك وقتل عبادك الموحدين.. اللهم من شهر سيفه وقلمه ويده لحرب عبادك المؤمنين، اللهم فأبطل بأسه ونكس رأسه واجعل الذل لباسه وشرد بالخوف نعاسه

آمين .. أمين و الحمد لله رب العالمين..

شوهد المقال 455 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر
image

العربي فرحاتي ـ ندوة العائلات المعذبة للسجناء السياسيين في الجزائر ..28 سنة بركات

 د. العربي فرحاتي  في هذه اللحظات من يوم (١٨ جانفي ٢٠٢٠ ) تجري في مقر جبهة القوى الاشتراكية (الافافاس) بالعاصمة فعاليات ندوة "بعنوان " ٢٨
image

محمد الصادق مقراني ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

محمد الصادق مقراني سليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران
image

سعيد لوصيف ـ الثورة و التوافق المجتمعي الذي يستشف من المسيرات...

د. سعيد لوصيف   مرّة أخرى تثبت الثورة في أسبوعها 48 ، أنّها ثورة تتجاوز كل الاختلافات، و أن القوى المجتمعية الفاعلة فيها، بالرغم
image

صلاح باديس ـ كُلّنا ضِدَّ الجلّاد... ولا أحدَ مع الضحية ..سجناء التسعينات ..

 صلاح باديس   بالصُدفة... وصلني رابط فيديو تتحدّث فيه امرأة شابّة عن والدها السّجين منذ تسعينات القرن الماضي. "سُجناء التسعينات" هذا الموضوع الذي اكتشفه الكثيرون
image

وفاة الدكتور عشراتي الشيخ

 البقاء لله.توفي اليوم والدي د. عشراتي الشيخ عن عمر يناهز 71 سنة بعد مرض عضال ألزمه الفراش.عاش عصاميا متشبعا بعروبته متشبذا بأصله بدأ حياته في
image

فوزي سعد الله ـ أول مستشفى في مدينة الجزائر خلال الحقبة العثمانية أُنجِز قرب باب عزون...

فوزي سعد الله   عكْس ما رددته المؤلفات الغربية والفرنسية على وجه الخصوص طيلة قرون زاعمة عدم وجود مستشفيات في مدينة الجزائر العثمانية وفي هذا البلد
image

وليد عبد الحي ـ تركيا والتمدد الزائد

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن تطبيق نظرية المفكر الامريكي بول كينيدي حول " التمدد الزائد" على القوى الاقليمية في الشرق الأوسط (غرب آسيا)
image

سعيد لوصيف ـ تصويب "ساذج" لتفادي زنقة لهبال...

د. سعيد لوصيف  اعذروا سذاجتي... واعذروا ما قد يبدو أنه تطرفا في الموقف... لكن الامر الذي انا اليوم متيقن منه، هو أنني لست

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats