الرئيسية | الوطن الدولي | ناصر بن غيث ـ الضمير الإنساني المشترك

ناصر بن غيث ـ الضمير الإنساني المشترك

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


د. ناصر بن غيث
 
كتب بتاريخ 2012-09-18

 

 


حالات التطاول الغربية المتوالية على الرموز الدينية للمسلمين لا يمكن قراءتها كما تدعي الحكومات الغربية على أنها حالات فردية معزولة لا تمثل التوجه الرسمي ولا تعكس المزاج الشعبي، كما لا يمكن أن يقبل أياً منا بأن تلك الحكومات لا دخل لها وأنها لا تستطيع أن تتدخل لإيقاف هذا التطاول حيث أنها حرية التعبير التي لا يمكن لأحد المساس بها أو الإنتقاص منها تحت أي مسوغ أو ذريعة، فحرية التعبير لا تثار إلا عندما يـتعلق الأمر بالمسلمين أما عندما يتعلق هذا الأمر بمصالح الغرب أو اليهود أو بمسلماتهم فإن حرية التعبير أخر ما يكون في الحسبان، لكن هذا الرفض من قبلنا للمسوغات التي سيقت للتطاول على مقدساتها ورموزنا يجب أن تستتبعه محاولة جادة من قبلنا لإقامة الحجة عليهم وذلك من خلال إيصال العديد من الرسائل : أولاً أن ممارستهم لحرية الرأي يجب أن لا نتحمل تبعاتها نحن دونهم بسبب كوننا الحلقة الأضعف في سلسلة الحضارة اليوم، وثانياً أن قيمهم قد تلزمهم هم لأنهم هم من إختارها من خلال منظومة التشريع لديهم من خلال تبني ما تقرره أغلبيتهم ولا يجب أن نلتزم نحن بما قررته هذه الأغلبية لأننا لم نشارك في تقرير ذلك ولأننا قوم لنا كياننا وتارخنا ومسلماتنا وقيمنا وأننا مختلفون عنهم، وثالثاً وهو الأهم أن يكون إيصال هذه الرسائل بطريقة عقلانية لكن حازمة تضمن وصولها بأقل تكلفة ممكنة.
إن إفترضنا حسن النية في الطرف الآخر فإننا نتحمل الجانب الأكبر من المسؤولية عن التطاول هذا الذي نتعرض له، فنحن لم نحسن إلى أنفسنا أو إلى بعضنا البعض كي يحسن الطرف الاَخر معنا أو إلينا، كما أننا لم نتمكن من إفهام الطرف الأخر حقيقة أن مفهوم 'المقدس' لدينا يختلف عن ما لديهم وأن الله بالنسبة لنا أكثر من مجرد إله نتفق أو نختلف حوله وأن القراَن الكريم أكثر من مجرد كتاب نقرأه وأن محمد عليه الصلاة والسلام أكثر من مجرد رجل نبجله وأن الرأي وحريته لدينا تخضع للمقدس وليس العكس، رغم إختلافنا مع الغرب الذي إستتبع رفضنا للكثير من المفاهيم التي يتبناها إلا أننا لم نتمكن من تقديم مفاهيم بديلة للمفاهيم التي تطرح، فنحن على سبيل المثال لا نقبل بالكثير من أطر وأسس حقوق الإنسان لدى الغرب لكننا وفي الوقت نفسه ليس لدينا أسس وأطر بديلة لهذه الحقوق، كما أننا لا نقبل بالتصور الغربي لحرية التعبير كما هو على إطلاقه لكننا لا نستطيع أن نفرض عدم القبول هذا على الغرب ببساطة لأننا لدينا أي تصور أو ممارسة لحرية الرأي إن إننا نعيش في ظل أنظمة قمعية لا تعترف بأي صورة من صور الحرية وفاقد الشيء لا يعطيه، والغرب عموماً لا ينظر إلى الإسلام من خلال المنظومة القيمة التي جاء بها بل من خلال المسلمين ولا يحكم على أداء الإسلام عن طريق قراءة تاريخ الحضارة الإسلامية بل عن طريق النظر إلى حال المسلمين اليوم، والمشاهد لحال المسلمين اليوم لا يمكن أن يكون عنده أي قدر من التعاطف للإسلام كمعتقد أو كأسلوب حياة، فالغرب الذي يجد نفسه اليوم متفوقاً حضارياً يعتقد أنه متفوق حضارياً لأنه متفوق 'أخلاقياً' ويعتقد أن المسلمين متخلفين حضارياً لأنهم متخلفين 'أخلاقياً' والسبب في ذلك من منظوره يرجع في المقام الأول إلى الإسلام لأنه يشكل منظومة أخلاقية 'بدائية ومتخلفة'، وبالأضافة إلى تخلفنا نحن المسلمين الإقتصادي والسياسي فإننا كذلك كأفراد غالباً ما نقدم صور غاية في السوء عن طرق الإختلاف والرفض والإعتراض والإحتجاج فإختلافنا غالباً عقيم ورفضنا سلبي وإعتراضنا صاخب وإحتجاجنا عنيف، فالمظاهرات التي إجتاحت العالم الإسلامي إحتجاجاً على الفيلم المسيء للنبي عليه الصلاة والسلام غالب ضحاياها مسلمون وخسائرها في ديار الإسلام وأصبحنا بذلك كمن يضرب وجهه أحتجاجاً على سب أحدهم له.
إن أفضل طريقة للإعتراض على مثل هذه التجاوزات سواءا المقصودة أو العفوية هو السعي في توصيل رسالة الإسلام دون تشويه من خلال إتباع هدي النبي عليه الصلاة والسلام في كل شأننا بما في ذلك في أسلوب إختلافنا مع الآخرين، والتركيز على أننا أولاً وأخيراً حملة رسالة إلى العالم أجمع، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى السعي لتكوين 'ضمير إنساني مشترك' فيما يتعلق بالمقدسات تتوحد فيه الإنسانية رغم أختلافها وتتفق على إحترام المقدسات التعامل مع مقدسات بالإحترام الذي تستحقه، فمفهوم 'المقدس' كما هو معلوم عامل مشترك بين البشر كلهم، فلكل فرد - بغض النظر عن خلفية دينية وفكرية- فكرة مقدسة يعتقدها حتى ذلك الذي لا يعتقد بوجود المقدس فمقدسه هو أنه لا مقدس، فالمقدس بهذا المعنى لا يشترط فيه أن يكون على أساس أو خلفية دينية حيث أنه بالإضافة إلى المقدس الديني هناك المقدس الفكري والمقدس السياسي والمقدس التاريخي والمقدس الإقتصادي، والمشكلة اليوم تكمن في قدرة فرد أو جماعة من الناس على إقناع الاَخرين بمقدسة أو فرض إحترام هذا المقدس على الاَخرين، إلإ أنه وفي المقابل هنا الكثير من الجماعات التي إستطاعت فرض إحترام مقدساتها على الاَخرين بل أن بعضها بالغ في ذلك، فاليهود مثلاً وبما لهم من بأس إستطاعوا فرض المحرقة التي لا تعدو أن تكون حادثة تاريخية قد تثبت وقد لا تثبت كثابت لا يجوز التشكيك فيه وهي اليوم تحولت بذلك إلى أمر مقدس تقف حرية الرأي عند أعتابه، المسلمون اليوم يشكلون ما يقرب من ربع سكان العالم وعدد الدول الإسلامية الأعضاء في الأمم المتحدة يبلغ سبعة وخمسين دولة إضافة إلى الدول التي يشكل المسلمون نسبة لا بأس بها كالهند وروسيا، والدول الإسلامية كذلك أعضاء مؤثرين في الكثير من المنظمات المؤثرة عالمياً على الصعيدين السياسي والإقتصادي مثل منظمة التعاون الإسلامي, لذلك والأمر كذلك فإنه من السهل بمكان حماية المقدسات الإسلايمة من خلال سعي الدول الإسلامية لدى الأمم المتحدة بما لها من تأثير جماعي لتشكيل هذا الضمير الإنساني المشترك الذي يجمع البشرية تحت مظلة في إحرام المقدسات دون أن التضحية بحرية الرأي المسؤولة من ثم إستصدار قرار دولي ملزم بتجريم المس بمقدسات ومسلمات الشعوب.

 

جريدة القدس العربي

شوهد المقال 1579 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد رضا ملياني ـ أصابعي ظمأى

أحمد رضا ملياني          ماعاد المطر ينزل بأرضنا ولا الحب يسقي دربنا الخريف تهب رياحه باردة في كل فصل لتسقط أوراقنا الرصيف يجري خلفنا ليقتل أحلامنا......
image

جمال الدين طالب ـ طاب جناني"...!:

جمال الدين طالب             تعزي اللغة الوقت تبكي ساعاته..تندب سنواته يعزي الوقت اللغة يبكي كلماتها لا... لا يخطب الرئيس ... لا يخطب.. لا
image

اعلان انطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط

 يعلن الأستاذ محمد خليف الثنيان عن إنطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط . مركز طروس هو مركز بحثي متخصص في دراسات الشرق الأوسط حول القضايا التأريخية
image

شكري الهزَّيل ـ رِمَّم الأمم : نشيد وطني على وتر التغريب والتضليل الوطني!!

د.شكري الهزَّيل عندي عندك يا وطن وحنا النشاما والنشميات يوم تنادينا وتذَّكرنا بذكرى وجودك يوم ودوم ننساك وحنا " نحن" اللي تغنينا بحبك ونشدنا
image

سهام بعيطيش ـ هبْ انّ.....

 سهام بعيطيش"أم عبد الرحيم"          هبْ أنّ نجْمَ اللّيلِ دقّ البابَ في عزّ النّهارْ هبْ أنّ شمسًا اختفتْ وقتَ الضُّحى في لحظةٍ خلفَ
image

وليد بوعديلة ـ حضور الأساطير اليونانية في الشعر الفلسطيني- شعر عز الدين المناصرة أنموذجا-

د. وليد بوعديلة  استدعى الشعر الفلسطيني الأساطير الشرقية و اليونانية،بحثا عن كثير من الدلالات والرموز، وهو شان الشاعر عز الدين المناصرة، فقد وظف بعض
image

يسرا محمد سلامة ـ أرملة من فلسطين

 د. يسرا محمد سلامة  منذ أيامٍ قليلة مرت علينا ذكرى وفاة الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار في 22 يناير 1974م، الذي لم يكن واحدًا من أمهر
image

وليد عبد الحي ـ الجزائر: جبهة التحرير الوطني ومماحكة التاريخ

 أ.د. وليد عبد الحي  تشكل إعادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مماحكة لتاريخ وثقافة المجتمع الجزائري ، فهذا المجتمع كنت قد
image

حميد بوحبيب ـ حميد فرحي ...منسق ال الحركة الديمقراطية الإجتماعية MDS ...يفارق الحياة....

د. حميد بوحبيب  يولد الرفاق سهوا وعلى خجل ...يكابدون قبل الوقوف على أقدامهم من فرط الجوع والغبينة يتقدمون خطوتين، يتعثرون مرتين ...ثم يفتحون قمصانهم على الصدور ،
image

خليفة عبد القادر ـ الجنوب والشمال في الجغرافية الجزائرية

أ.د خليفة عبد القادر*  مفارقة معقدة على المستوى الوطني وأيضا هي معضلة العالم منذ أن توارت -إلى حين- معادلة الشرق والغرب. ما يهمني الآن هو

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats