الرئيسية | الوطن الدولي | ناصر بن غيث ـ السنة والشيعة ... والصراع المفتعل

ناصر بن غيث ـ السنة والشيعة ... والصراع المفتعل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د . ناصر بن غيث
 
المقال مهم كتب من ستة سنوات ومازال صالح للنشر للدكتور الإماراتي المعتقل للأن بسبب رأيه .. 
2012-09-04

 

 


لست ممن تستهويه نظرية المؤامرة التي وجدت لها تربة خصبة في بلاد العرب الذين درجوا على إتهام الجميع والبحث عن أسباب تخلفهم في كل مكان إلا في أنفسهم، إلا أن ما تشهده الساحة العربية فيما تلى الربيع العربي من تصعيد عجيب وخطاب تحريضي غريب يتبناه السنة والشعية على حد سواء يبعث في النفس الكثير من الهواجس والشكوك حول من يقف وراء هذه الحالة ومن المستفيد منها في هذا التوقيت بالذات التي بدأت الأمة العربية تلتقط أنفاسها وتجمع شتاتها في محاولة لنهوض طال إنتظاره، وقد إنجر الكثير من المفكرين والعلماء والسياسيين للأسف بحسن نية أو بسوئها إلى هذه الحملة التحريضية وسارع الكثير منهم إلى دق طبول حرب طائفية أراها على وشك الوقوع تقود أحد أطرافها من ناحية إيران إضافة إلى العراق الطائفي والأقليات الشيعية في بعض الدول العربية ومن ناحية أخرى تمثل طرفها الاَخر كل من تركيا المتطلعة لإستعادة دورها العثماني المفقود ومن ورائها دول الخليج التي تعاني بعض أنظمة الحكم فيها من أزمة شرعية وكذلك بعض دول الربيع العربي التي إعتمدت حكوماتها الجديدة خطاباَ شعبوياَ سعياً منها لترسيخ شعبيتها لدى الجماهير الثائرة، لكن هل يمكن أن يكون لقوى خارجية يد في هذه الفتة التي بدأت تطل برأسها؟ ومن هذه القوى؟ وما مصلحتها في ذلك؟ وهل يمكن للتاريخ أن يفسر هذا الدور؟.
'فرق تسُد' لعلها كانت وما تزال أهم مكون في سياسة الغرب الأبيض المسيحي تجاه الاَخر غير الإبيض وغير المسيحي ولعل أبرز تجليات هذا المكون وتطبيقاته تظهر في الشرق الأوسط المسلم، تاريخياً لم تشعر أوروبا المسيحية بالتهديد الجدي بقدر ما شعرت به وما تزال من تهديد الشرق الأوسط المسلم وهذا الشعور كانت له جذور تاريخية ضربت في الذاكرة الأوروبية القديمة والحديثة على حد سواء، فلقد دق العرب والأتراك المسلمون أبواب أوروبا فاتحين مرتين الأولى قديمة عندما وصل المسلمون مشارف بواتيه في قلب فرنسا في القرن الثامن الميلادي والثانية لما حاصر العثمانيون فيينا في القرن السادس عشر الميلادي، ولقد كان لهذا الشعور تأثيره على نظرة وتعامل الأوروبيين تجاه العرب والمسلمين ولعل أبرز نتائج هذا التأثير هو الإحتلال الأوروبي المباشر للوطن العربي بعد تراجع الإمبراطورية العثمانية الذي أدى إلى تفككها فيما بعد وتقاسم الفرنسيين البريطانيين والطليان تركتها في الشرق الأوسط، وكذلك يتجلى هذا الخوف في الإصرار على السيطرة على هذه المنطقة وعلى شعوبها حتى بعد إضطرارهم للجلاء عن المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها كل القوى الأوروبية سواء المنهزمة والمنتصرة منهكة وضعيفة، ولعل السبب وراء هذا الإصرار هو قناعة الأوروبيين أن السبيل الوحيد لحماية أوروبا وتجنب تكرار سيناريو الإجتياح الإسلامي هو شغل المسلمين ومحاربتهم والسيطرة عليهم في ديارهم وذلك من خلال بث الفرقة بينهم وإدخالهم في صراعات داخلية تستنزف مواردهم وطاقاتهم وقبل هذا وذاك الحماس الإيماني الذي يميزهم، وخلال موجة الإستقلال التي إجتاحت الشرق الأوسط إبتداءا بتركيا قلب الإمبراطورية ومعقل الخلافة الإسلامية مروراً بالدول العربية في بلاد الشام والعراق وإنتهاءاً بدول شمال إفريقيا لم تغادر القوى الإستعارية هذه البلاد قبل التأكد من أن السلطة لن تسلم إلى أي من القوى الإسلامية التي تسعى لتوحيد المسلمين تحت مظلة الخلافة وأن تسلم إما إلى أنظمة علمانية قومية أو سلطات عسكرية وقد كان لها ما أرادت.
وقد ورثت الولايات المتحدة الأمريكية -ضمن ما ورثت من أوروبا- هذا الهاجس الإسلامي ما أثر إضافةً إلى 'العامل اليهودي' في الداخل الإمريكي على سياستها تجاه المنطقة وسكانها، وقد عززت أحداث سبتمر هذا الهاجس وحولته من عقول الخاصة في دوائر صنع القرارإلى عقول العامة في الشارع الأمريكي، ما شجع إدارة بوش إلى غزو العراق بعد إجتياح أفغانستان وجعل عملة تسويق مغامرة عسكرية أخرى على الشعب الأمريكي أكثر سهولة وذلك لمعاقبة عموم المسلمين على هجمات سبتمبر، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى السعي للسيطرة المباشرة على الدول العربية والإسلامية بعد فشل أنظمة الحكم التابعة لها في هذه الدول في منع مثل هذه الهجمات، وهذه المغامرة العسكرية لم تكن لتقف عند العراق بل كان من المفترض أن تبدأ بالعراق ولا تنتهي به ولكن وبسبب التكلفة المالية والبشرية الباهظة للحملة العسكرية على العراق وأفغانستان وكذلك بسبب الأزمة المالية التي أخذت من البأس الأمريكي الشيء الكثير وأخيراَ بسبب الربيع العربي الذي فاجأ الكل بما فيهم العرب أنفسهم شعوبهم قبل حكامهم فقد إضطرت الإدارة الأمريكية إلى مراجعة إستراتيجيتها في المنطقة والتحول من الصدام العسكري المباشر المكلف وغير المضمون النتائج إلى محاولة إغراق المنطقة في صراعات عرقية وطائفية داخلية التي تعتبر المنطقة العربية وللأسف الشديد بيئة خصبة لها بسبب التنوع العرقي والطائفي من ناحية والأرث التاريخي الثقيل والذي جعل الكثير من الأقليات العرقية كالأكراد والأمازيغ والأفارقة والطائفية كالشيعة والأقباط تشعر بغبن بالغ نتيجة تغول الأغلبية العربية المسلمة السنية حسبما تراكم ورسخ في أذاهنها مع مرور الزمن.
لكن التحدي الأكبر للإدارة الأمريكية كان يتمثل في إختيار أطراف الصراع الأساسية من المكونات العرقية والطائفية التي يزخر بها الشرق الأوسط، ففي البداية تم التركيز على الأقليات العرقية من خلال دعمها وتبني مطالبها فقد تم دعم الأكراد في العراق والذي تمخض عنه حصولهم على حكم ذاتي يرقى إلى درجة الإستقلال الكامل وكذلك تم دعم الجنوبيين والدارفوريين في السودان والذي نتج عنه إنفصال الجنوب وتدويل قضية دارفور وأخيراَ محاولات دعم الأقباط في مصر والأمازيغ في كل من الجزائر والمغرب، إلا أن ذلك لم يكن كافياً حيث أن الأقليات العرقية لم تكن بالحجم والنفوذ اللازمين لقيام صراع طويل في المنطقة، لكن سرعان ما وجد الأمريكان ضالتهم في الشيعة الذين يعتبرون مكوناً أساسياً ومهماً وعلى خلاف شديد وقديم مع الأغلبية السنية في المنطقة، المشكلة التي كانت تواجه الشيعة في صراعهم مع السنة هي أنهم متفرقون جغرافيا ولا يملكون قاعدة جغرافية سوى إيران ما دفع الولايات المتحدة إلى تسليم العراق طواعية وعن وعي بعد إحتلالها إلى المكون الشيعى التابع لإيران وذلك لتشكيل محور جغرافي مترابط للشيعة يتكون من إيران والعراق وسوريا التي يحكمها نظــــام حليف ويرتبط عضويا بإيران، ولعل السماح لتيار الإخـــوان المسليمن بالصعود للسلطة في دول الربيع العربي يمكن أن يشكل الضلع الاَخر للصراع الذي تسعى الولايات المتحدة إلى إندلاعه في الشرق الأوســـط إذ أن الأنظمة العلمانية التي كانت تحكم الدول العربية كانت أقل عداوة للشيعة من التيارات الأسلامية السنية في هذه الدول لوجود البعد المذهبي إضافة إلى البعد العرقي في خصومة هذه الأخيرة مع إيران والشيعة ما يجعل الصراع أكثر حتميةَ وأطول أمداَ وأعلى كلفةً على طرفيه ما يحقق المصلحة الأمريكية في إضعاف شعوب المنطقة وإنهاكها ومن ثم السيطرة عليها.
الوضع في سوريا ربما يكون دليلاً على النية الغربية لإفتعال صراع سني شيعي ولعل إمتداد أمد الصراع وعدم رغبة الأطراف الدولية بما فيها أوربا والولايات المتحدة في التدخل لحسم هذا الصراع كما كان الحال في ليبيا والذي لا يختلف ألبتة عن نظيره في سوريا من حيت إستهداف المدنيين والذي كان أبرز المسوغات التي سيقت لتبرير التدخل العسكر في ليبيا يبين أن الولايات تأمل في تحويل الصراع في سوريا إلى شرارة لصراع مذهبي أوسع في الشرق الأوسط، كما يبين عدم رغبة الولايات المتحدة وربما الأوروبيين في إضعاف إيران بإسقاط نظام بشار والذي سيكون سقوطه خسارة إستراتيجية فادحة لأيران قد تحد من قدرتها على مواجهة الأغلبية السنية وهو ما يقوض المساعي الإمريكية لإفتعال أزمة بين الشيعة والسنة تؤدي في المحصلة لإندلاع الصراع المطلوب.
لكن يجب الإستدراك بالقول أنه قد تكون بعض الأطراف العربية كمصر مثلاً على قدر كافي من الوعي يمكنها من التنبه لهذه المؤامرة وعدم الإنجرار إلى خصومة مصطنعة جميع أطرافها خاسرون ولا مستفيد منها سوى الأعداء الحقيقيين للمنطقة الذين يستكثرون على شعوبها التحرر والنهوض والعيش بكرامة، ولعل التقارب المصري الحذر مع إيران يشي بأن في مصر من يستشعر هذه المؤامرة ويملك القدرة والرؤية لتفويت الفرصة على الأمريكان والإسرائيليين لدفع المنطقة إلى أتون حرب لن يخرج أحد منتصراً بعد إنقشاع غبارها سوى أعداء الأمة الحقيقيين.

 

القدس العربي 

 

شوهد المقال 3163 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد حمادة ـ المنطقة الآمنة المقترحة شمال شرق سورية..

العقيد أحمد حمادة *  منذ عام 2014 أرادت تركيا إنشاء منطقة آمنة على حدودها الجنوبية على غرارمنطقة شمال العراق التي أقامت فيها الولايات المتحدة والتحالف
image

شكري الهزَّيل ـ البطيخ العَّجر : تهافت العملاء على فتات الكنيست الصهيوني!!

د.شكري الهزَّيل تعج المواقع الإعلامية وشبكات التواصل الاجتماعية العربية والفلسطينية باخبار ادانة وشجب المُطبعين العرب مع الكيان الغاصب وهؤلاء الفاشلون والباحثون عن الشهرة الرخيصة
image

توضيح للرأي العام من الدكتور ناصر جابي ومنع رئيس جامعة باتنة له من تقديم محاضرته

د.ناصر جابي أشكر كل الذين عبروا عن تضامنهم معي، بعد منع محاضرتي في جامعة باتنة. من قبل رئيسها الذي يصر في تصريحه الأخير للشروق
image

بادية شكاط ـ إلا رسول الله يارُسل أمريكا

بادية شكاط  يبدو أنّ ماقاله السفير الإماراتي في واشنطن،بأنّ دول الخليج العربي ستتحول إلى العلمانية في غضون سنوات،نراه اليوم رأي العين،وهو يمشي ليس على
image

محمد مصطفى حابس ـ بعد تكريم مفسر القرآن للأمازيغية، هل آن الأوان لتكريم الامازيغي سيد اللغة العربية عالميا العلامة واللغوي الدكتور مازن المبارك

محمد مصطفى حابس فيما أشاد وزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى، هذا السبت بالجزائر العاصمة، بأول إصدار في تفسير القرآن الكريم باللغة الأمازيغية للشيخ سي حاج
image

نعمان عبد الغني ـ التميز في الأداء الإداري لأكاديميات كرة القدم ....شرط النجاح

نعمان عبد الغني * إن نجاح الإدارة , في كل من المؤسسات التربوية , والمنظمات أو الهيئات الرياضية , إنما يعود سببه إلى تقدم
image

حيدوسي رابح ـ قبل الميلاد

 حيدوسي رابح ـ  الجزائر          الموت مؤجل والميلاد سلالم . لموتك اينعت في اديم الروح ازهار ترش الألواح بعطرها .. الريح تذروه
image

محمد محمد علي جنيدي – بصائر سابحة

محمد محمد علي جنيدي – مصر يجري حتى استبد به التعب، فألقى بجسده تحت ظل شجرة تطل على كورنيش النيل، فانسكبت هنالك دموعه وفاضت أشجانه وكأنما
image

اليزيد قنيفي ـ عنصرية قاتلة..!!

اليزيد قنيفي  ما عبر عنه رسام الكاريكاتير "ديلام "في صحيفة "ليبارتي " مخجل ومؤسف ولا يمت بأية صلة لحرية الرأي والتعبير ،لأنّ هذا الرسم مُحمل
image

وليد بوعديلة ـ أصل الامازيغ..تاريخ الكنعانيين وتراثهم

د.وليد بوعديلة  يوجد رأي يعود بالأمازيغ إليه..تاريـــخ الكنــــعانيين وتراثهم وأســـاطيرهم  تحتفل الجزائر بالسنة الأمازيغية الجديدة، وتعيد كتابة تاريخ متصالح مع ذاتها وأمازيغيتها، ولان الجزائري يحتاج لعرفة هذا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats