الرئيسية | الوطن الدولي | رياض حاوي ـ سقوط الليرة التركية.. الدرس الماليزي؟

رياض حاوي ـ سقوط الليرة التركية.. الدرس الماليزي؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


د. رياض حاوي 
 
قبل عشرين سنة تعرضت العملات الأسيوية لما كان يسمى بالنمور الاقتصادية الصاعدة الى ضربات موجعة.. خاصة في ظل عدم تحكم البنوك المركزية في آليات الاقتصاد المعاصر بشكل جيد.. وحاجة هذه الاقتصاديات الناشئة الى السيولة المالية لتمويل استثماراتها وقاعدتها الاقتصادية جعلها تتهاون في فتح حدودها المالية مما جعلها عرضة لهجمات المضاربين.. معادلة صعبة..
اليوم هناك وضع مشابه في تركيا لما حدث في آسيا مع اختلاف السياق.. فهل ستستفيد تركيا من التجربة الماليزية خاصة أن تجربة ماليزيا تعتبر مرجعية وكان لها صدى عالمي.. 
وضع الليرة التركية اليوم يجعل الرئيس اردوغان في وضع حرج فهو مقبل على انتخابات رئاسية وتراجع الليرة بشكل كبير وفي وقت قياسي سيؤثر بالضرورة على الاقتصاد خاصة ان الميزان التجاري أصبح سلبيا رغم النمو الهائل في الاقتصاد التركي سنة 2017 ولذلك توجه اردوغان مرة أخرى بنداء رئاسي للشعب التركي لدعم الليرة.. 
اتصور انها تحدث بعض الاستقرار ولكنها ليست حلا نهائيا..
 

 

 

التجربة الماليزية

في 1997 ضربت أزمة مالية كل اقتصادات الصاعدة في آسيا من كوريا الجنوبية الى ماليزيا واندونيسيا وتايلاندة.. وكل دولة استجابت بشكل مختلف لهذه الازمة.
لكن تبقى التجربة الماليزية هي الاهم من بين مختلف التجارب.. فقد رفضت كوالالمبور أن تتبع الخطوات التي اقترحها صندوق النقد الدولي للخروج من الازمة وخطت طريقا غير مسبوق. 
الأزمة بدأت لما قام مضاربون، وأصابع الاتهام موجهة الى سوروس، بشراء عملة الباث التايلاندية، الأضعف حينها في المنطقة، وتبادلها مع عملات أخرى، عن طريق ثلاثية الاربيتراج (الموازنة). وبما ان العملات مترابطة فان البنوك المركزية تضطر الى ضخ ما يقابل العملة المحلية بالدولار.. وكلما تضخ اكثر كلما تنقص قيمة عملتها وفق قانون العرض والطلب. 
ولذلك تراجع الرنجت من 2.4 مقابل الدولار الى 5.3 في بضعة شهور. بمعنى اذا كان راتبك 2400 رنجت في الشهر يقابله الف دولار في السوق الدولي فانه بعد انهيار العملة يصبح الراتب يعادل 450 دولار فقط أي انخفاظ للقوة الشرائية الى النصف في بضعة أشهر. وهو وضع شبيه بما يحدث حاليا في تركيا.. كل انخفاض لليرة مقابل الدولار هو اضعاف للقدرة الشرائية وزيادة في التضخم وارتفاع للاسعار خاصة البضائع المستوردة.
انكمشت البورصة الماليزية الى اكثر من 70% وانهارت القيمة السوقية لاسهم شركاتها رغم ان هذه الشركات في كل عافيتها الاقتصادية وهو وضع شبيه ما يحدث حاليا للاقتصاد التركي حاليا.. وبانهيار العملة المحلية تتضخم الديون الخارجية سواء الديون الحكومية أو ديون الخواص. 
في البداية قامت ماليزيا باجراءات تقليدية فرفعت نسبة الفائدة حتى تغري الرأسمال المغادر بالبقاء.. وقاموا بتخفيض المصاريف العامة الى 18%.. لكن هذه الاجراءات لم تنفع. بل ازداد الامر سوءا فأزمة العملة تحولت الى أزمة شاملة فانكمشت الاستثمارات الخاصة الى 55% وتراجع الاستهلاك المحلي ب 10% واجماليا تراجعت نسبة النمو من 7.6% سنة 1997 الى -6.4% سنة 1998.. كان واضحا ان هذه الاجراءات ليست كافية لانقاذ الاقتصاد الماليزي..
 
لجأت كوريا الجنوبية الى صندوق النقد الدولي.. ولجأت اندونيسيا الى صندوق النقد الدولي.. لكن مهاتير قرر عدم اللجوء الى هذا الصندوق والبحث عن طريق آخر للخروج من هذا المأزق.
الاقتصاد مبني على الانطباعات والتصورات كلما كانت سلبية أثرت سلبيا على الاقتصاد وكلما كانت ايجابية أثرت على الاقتصاد ايجابيا.. 
قام مهاتير بتشكيل المجلس الوطني للعمل الاقتصادي واعتبره وحدة تفكير تقوم بانتاج القرار الاقتصادي المناسب وضبط المعادلة المطلوبة. والهدف هو البحث عن كيفية استقرار العملة واعطاء اشارات ايجابية للاسواق بغرض التحكم في الاقتصاد.
تم تنزيل سعر الفائدة من 11% الى 6% ثم الى 3% على مراحل، وتم تخفيض الاحتياط البنكي من 13.5 % الى 4% فقط مما يسمح للبنوك بالتوسع في القروض مع الاحتفاض بـ4% فقط سيولة. كما قام البنك المركزي بتشجيع البنوك المحلية على التوسع في القروض لتنشيط الاستهلاك والصناعة بنسبة 8% سنويا.
كان مصدر الشرور يدور حول بيع وشراء العملة بعد ان كان مصدرا لدخول العملة الصعبة أصبح مصدر لانقاص قيمة العملة المحلية بسبب البيع الكثيف من قبل المشتثمرين الاجانب.
وهنا ضرب مهاتير ضربته الأساسية فقام بتثبيت سعر الصرف 1 دولار يساوي 3.8 رنجت.. وعندئذ فقد المضاربون هامش الحركة بين الرنجت والعملات الأخرى.. اذا اشتريت او بعت الرنجت فستحصل على نفس المبلغ.
فهنا قام بتحييد الخطر الأول..
الخطر الثاني وهو الحركة السريعة في شراء الأسهم وبيعها، هنا قام فريق مهاتير بفرض فترة سنة بين شراء الأسهم وبيعها.. كان الهدف هو
تثبيط المضاربة على المدى القصير في الأسهم المحلية. وكذلك منع الشركات المحلية من أخذ قروض بالعملة الصعبة الا في حالة كانت هذه الشركات تملك مداخيل بالعملة الصعبة وذلك حتى لا يضطر البنك المركزي تغطية المبالغ المالية بالعملة الصعبة.
هذه الاجراءات لم تمنع من بقاء الرنجت الماليزي قابل للتحويل لاغراض التجارة او لتحويل الارباح بالنسبة للاستثمارات الاجنبية، ولكن فقط تم منعه من التداول بالنسبة للمضاربيين على العملات.
استعاد الاقتصاد الماليزي عافيته تدريجيا دون الاستعانة بصندوق النقد الدولي واعتبرت هذه التجربة مثالا يحتذى في التفكير خارج الصندوق.
 

 

شوهد المقال 1325 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats