الرئيسية | الوطن الدولي | محمد سنوسي - الاتفاق النووي الإيراني تنصيب كوبا الشرق الأوسط لخدمة روسيا السوفيتية

محمد سنوسي - الاتفاق النووي الإيراني تنصيب كوبا الشرق الأوسط لخدمة روسيا السوفيتية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد سنوسي 
 
"يبدوا أنّ روسيا نجحت في كيفية التعامل مع تبعات النظام الدولي الجديد, و ذلك بعد تضيق البعد الاستراتيجي و الأمني للقوة الروسية, لما يقارب 21 سنة انتهت أحداث و دراما هذا التضييق, بعد اندلاع موجات التحرر و الحراك الشعبي في بعض الدول العربية ,أو ما يسمى بثورات الربيع العربي ,هذا النجاح يتمثل حسب قراءتنا للمشهد الدولي لنصف عقد من النزاع الإقليمي و الدولي سواء بالتحركات المباشرة أو بحروب الوكالة التي قادتها كلّ من روسيا و الولايات المتحدة في الشرق الأوسط , و انعكاس هذا الصدام الإيديولوجي الجديد على صراع القوى الإقليمية في المنطقة ومحاولتها السعي وراء ضمان أمنها الإقليمي و الحفاظ على المكانة الجيو سياسية و الاقتصادية في نطاق الشرق الأوسط الجديد, فكان لإيران اتفاق تاريخي , و كان لكوبا عودة للحياة الدبلوماسية مع جارتها أمريكا ".
في انتظار لمخرجات الاتفاق النووي التاريخي على أرض الواقع, و ذلك ببداية الرفع الجزئي و التدريجي على العقوبات المفروضة على إيران , و في استكمال لردود الفعل الدولية و العربية من هذا الاتفاق الذي وصفه رئيس وزراء الكيان الصهيوني , بالخطأ التاريخي , و كذا التماس السلوك الرضائي التي تسعى الولايات المتحدة التبرير عن طريقه على نطاق واسع من الزيارات و الخرجات الإعلامية, و ذلك لقاء الانتقادات و التجاوب السلبي من طرف العديد من الأنظمة العربية , و أهمها الخليجية لكونهم الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط, و بهذا الاتفاق سيكون عليهم مراجعة حساباتهم على المستوى الإقليمي و كذا على مستوى الدولي و على المجالين السياسي و الاقتصادي , خاصة من ناحية سوق النفط , حيث سيكون تغيير في ميزان القوى الاقتصادية , لكن بين هذا و ذاك اختلفت معايير التخوف من الاتفاق النووي الإيراني, أو بمعنى أصح التقارب الغربي الإيراني في خضم تحولات دولية تعدّ الأهم في حياة النظام الدولي القائم .
حيث أنّ عملية التجاذب و الاستقطاب التي قامت بها إيران, و التي نجحت في إيصالها إلى حلّ مع قوى الغرب 5+1 هي نتيجة حسابية بارغماتية, كانت بالأساس نقطة تحول في السياسة الخارجية الإيرانية, و ذلك بعد عقود من تطبيق الغرب سلاح العزل السياسي و فرض العقوبات الاقتصادية و التنافر السياسي , لكن هنا اربد أن اطرح سؤالي : هل كان للغرب و إيران التوصل إلى اتفاق, لولا تغلغل إيران في الشرق الأوسط و زيادة استثمارها في المشكلات الطائفية و تنميتها لصالح خدمة المد الشيعي من جهة ,و كذا العودة الروسية و بقوة لإعادة تشكيل خريطة النظام الدولي المتجدد من جهة أخرى ؟.
هي حرب باردة حديثة المعالم , في رأيي هذا الاتفاق النووي هو أوّل جولاتها , لكن حسم لصالح روسيا و إيران على حساب قوى الغرب , في انتظار جولات أخرى تحسمها المعارك داخل سوريا و مصير النظام السوري, و كذا مستقبل الحوثيين السياسي في اليمن, و دور حزب الله في الانتخابات الرئاسية في لبنان التي باتت معضلة دولة , هي كلّها مؤشّرات تحدد موقع إيران في صراعها للظفر بمقعد السيّد الإقليمي في الشرق الأوسط الجديد , و كذا موقع روسيا في النظام الدولي الذي هي الآن فاعل أساسي يرسم مستقبل هذا النظام , و هذا على أساس التدخل الروسي الواضح في الشرق الأوسط منذ بداية الحراك الشعبي في سوريا , إضافة إلى أزمة أوكرانيا و تداعياتها الاورو-روسية و دون أن ننسى الضربة العنيفة في جورجيا سنة 2008 , كلّها محددات لتحوّل عميق في السياسة الخارجية الروسية و ذلك بالبحث عن موطن قدم لعودة الأمجاد السوفيتية, و ذلك بالعودة إلى معيار القوة و استبدال سياسة التعاون السلمي بينها و بين الغرب و ترجمة القوة الصلبة و السلوك التوسّعي كآلية لفتح عصر جديد ,تكون روسيا فاعل رئيسي في توجيه السياسة الدولية و حتى الإقليمية .
و هذا كاستغلال سليم و ذكيّ لنيو واقعية اوباما التي اعتمدها تصميم سياسة أمريكا الخارجية ,و كذا تغيير أمريكا لأولوياتها في المنطقة, و هذا ما كلّفها إنعاش الدبّ الروسي و حلفائه على غرار إيران و الفوز في أول جولات الصراع الدولي و الإقليمي على حدّ سواء , "سامح أعداءك لكن لا تنسى أسماءهم" مقولة للرئيس الأسبق جون كينيدي تترجم مصير العلاقة الأمريكية- الإيرانية ومعناه أنّ الاتفاق ذو 159 صفحة لن يكون حصنا منيعا أمام صدامات أيديولوجية, و لا سياسية في سبيل الحفاظ على البعد الأمني الإيراني, و حتى أمام مشروعها الشيعي ألصفوي و اعتلاء عرش الإقليمية بموازاة انحدار رهيب للقوة الأمريكية أضحى يشكك في أحقيتها بقيادة العالم , هذا إن احتسبنا زيادة وتيرة تقدّم و نموّ قوة دول البريكيس, و احتلالها موقعا هاما في النظام الاقتصادي الدولي في خضم اللاّ توازن المالي العالمي ,برأيي أن روسيا استحدثت فعليا كوبا الشرق الأوسط , كوبا التي كانت في زمن ليس ببعيد حامية لظهر الاتحاد السوفيتي في قارة أمريكا ها هي الآن نرى في إيران يد روسيا في الشرق الأوسط و باستحقاق , هذه الأخيرة التي أضحى لها تأثير واضح في العديد من الدول العربية الإسلامية على غرار لبنان و اليمن و البحرين و سوريا, باحتسابها طرفا و فاعلا رئيسيا في النزاع هدفه إطالة عمر النظام السوري, و ترسيخ الفكر الشيعي, و توسيع رقعة المجال الاستراتيجي, للإمبراطورية الفارسية الحديثة .
في الضفة الأخرى نسمع بحدوث تقارب تاريخي آخر , وهو التقارب الأمريكي الكوبي و السعي لإحياء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين , تعددت القراءات لهذا الحدث, لكن المهم فيه هو انّه امتداد لسلسلة التحول السياسي لأمريكا-اوباما 
تزامنا مع ماراتون السباق الرئاسي الأمريكي و موجات الانتقادات لسياسة اوباما في عهدته الأخيرة ,خاصة ما يتعلق منها مواقفه إزاء المعارضة السورية و التدخل الأمريكي النسبي في العراق , كذا صدامه مع روسيا حول جزيرة القرم كلّها مواقف حسبت على إدارة أوباما في عهدته و التي سمحت لروسيا بالتوسع غربا باتجاه أوكرانيا, و دعم موقفها السياسي في الشرق الأوسط و دعم إيران في ملفها النووي, و سباقها نحو الاتفاق الذي حاز على تأشيرة مجلس الأمن رغم المخاوف الدولية من التزامات إيران في هذا الشأن .
و في هذا الصدد حاولت الإشارة إلى أن القوة الأمريكية بدأت تنحصر و تنحدر قبالة المدّ الروسي كقوة دولية عائدة إلى قمة النظام الدولي ,و كذا أن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية على مستوى الشرق الأوسط ,قدّ ارتهن مستقبلهم في المنطقة بسياسات إيران المستقبلية و خططها فيما يخص مصير النزاعات الحاصلة في المنطقة, دونما ظهور أي مؤشّر للتقارب الأمريكي- الإيراني خارج نطاق الاتفاق النووي, و الذي يمكنه أن يتيح للفواعل الدولية و الإقليمية التوصل لحلّ يبني نوع من السلام ,و هذا مع مراعاة العدو المشترك المعروف بتنظيم الدولة الإسلامية " داعش" و الذي استنزف هو الأخر اهتمامات الولايات المتحدة و حلفائها في المنطقة .
و هذا ما ظهر فعلا و بوضوح خاصة من طرف النظام السياسي التركي الذي دخل مستنقع تنظيم الدولة الإسلامية, و إعلانه ملاحقة التنظيمات الإرهابية ,و هذا واضح من تصريحات رئيس الحكومة التركي انه لم يستثني حزب العمال الكردستاني و الذي يشكل خطرا على النظام التركي , و في ظل هذه التجاذب الإقليمي نلاحظ تغيير دوري في المواقف السياسية لمعظم الأطراف التي تعنى بأزمات و نزاعات الشرق الأوسط, و هذا حسب ما تنتجه التطورات الميدانية, و رهان سلوكيات العديد من الفواعل التي من شانها قلب الواقع الميداني في العديد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط,و حتى في شمال إفريقيا .
بين هذا و ذاك نؤكد أنّ مجمل المتغيرات التي ذكرناها سلفا هي تأكيد على اقتراب موعد تغيير خريطة الشرق الأوسط, و ذلك ببروز إيران فعليا كقوة إقليمية على حساب تركيا و السعودية في المنطقة و هذا ما جسّده الاتفاق النووي الإيراني مع أقطاب الغرب و كذلك نستشفّ من هذا المركز الذي تعتليه روسيا من كل هذه التغيرات الإقليمية ,و حتى من سياساتها في المنطقة في عملية تحدي واضحة للولايات المتحدة الأمريكية, التي ممكن أن تكون الانتخابات الرئاسية القادمة و نتائجها هي أحكام شعبية على سياسات اوباما و إدارته , و هذا ما ستحسمه جملة التطورات المتجددة في المنطقة و المجتمع الدولي على حدّ سواء , فكوبا الشرق الأوسط أعلنت عصيانها للغرب منذ 1979 تاريخ الثورة الإسلامية في إيران, و جاهرت به لعقود و أرضخت الغرب باتفاق تاريخي بالنسبة لها و لحليفتها روسيا ,و هذا كثمن لخدمت مصالح و تطبيق سياسات روسيا السوفيتية الحديثة , فاللعب على أوتار الطائفية, و ضمان النظم الدكتاتورية شيوعية الولاء و حتى المد الشيعي ألصفوي, هي قضايا تعتبر سيادية بالنسبة لإيران على غرار المشروع النووي الذي صعب على الخميني و حكومات الجمهورية الإيرانية التخلي عنه لغاية تاريخ الانفراج و توقيع الاتفاق النووي , لذا برأيي على الأنظمة العربية فعلا إبداء قلق جدّي عقب ما تحصده إيران في الشرق الأوسط و العالم العربي من امتيازات و توسّع.

باحث أكاديمي مهتمّ بالشؤون السياسية و القضايا الدولية
 جامعة معسكر 
الجزائر   

شوهد المقال 2918 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats