الرئيسية | الوطن الدولي | زاوي رابح - إيران و السعودية و عاصفة الحزم : في حسابات الجغرافيا والسياسة

زاوي رابح - إيران و السعودية و عاصفة الحزم : في حسابات الجغرافيا والسياسة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
زاوي رابح 
 
 
صحيح انه لا يمكن لأي كان أن ينكر وجود أسباب داخلية كانت وراء ما يحدث في سوريا، ولكنها ربما تبقى ضعيفة جدا إذا ما قورنت بحسابات القوى الكبرى و المهتمة بالمنطقة وبمصالحها منذ أمد بعيد. و من ضمنها الدولة الجزيرة قطر التي ما فتأت تدخل انفها في كل مسائل الحراك التي عرفتها المنطقة العربية منذ مطلع 2011.ربما يشكل سعيها للعب دور كبير في سوق الغاز أحد ابرز تلك الدوافع، ولكن لا يجب أن نغفل وجود إيران كدولة لا تقل إسهاماتها في مجال الطاقة عن قطر. فبعيدا عن حسابات السنة والشيعة التي ما فتئت تعود إلى النقاش كلما تعلق الأمر بذكر إيران ودورها في المنطقة العربية عامة وفي منطقة الخليج العربي، هناك منافسة حادة بين قطر وإيران بخصوص المسرح السوري، فالسيطرة على الوضع هناك أصبح بما لا يدع مجالا للشك قضية موت بالنسبة للجيران الفرقاء الذين جمعتهم الجغرافيا وفرقتهم المصالح والإيديولوجيات.
الخليج العربي، الجار الجنوبي لروسيا يعتبر أكبر بحيرة نفط في العالم. ولدى دول الخليج العربي مخزون من النفط يعجل عجلات العالم الصناعي في الغرب تدور لربع قرن قادم إن لم نقل لنصف قرن على الأقل. فهي تزود ثلثي حاجات اليابان من الطاقة، وثلاثة أخماس حاجة أوربا وسدس احتياجات الولايات المتحدة الأمريكية. لذا يعتبر أي تقدم يحرزه المحور الإيراني –الروسي في المنطقة يعتبر تراجع بالنسبة للمحور الأمريكي- الإسرائيلي. حتى أنه يمكن تصنيف التدخل السوفياتي في أفغانستان في السبعينات من القرن الماضي و الذي أنهى حالة الهدوء التي عرفتها علاقات المعسكرين الشرقي والغربي منذ اتفاق يالطا ضمن محاولة السوفيات تقريب حدوده من حدود بلاد النفط و استبعاد المواجهة المباشرة مع الغرب.مع العلم أنه ومنذ بدء العملية العسكرية "عاصفة الحزم" ضد الحوثيين في اليمن في محاولة بائسة لإعادة الشرعية في اليمن، الذي أضحى بين ليلة وضحاها غير سعيد، ارتفع سعر خام "برنت" بنحو 4% مما فاقم المخاوف من تعطل إمدادات النفط من منطقة الشرق الأوسط.
من بين المفارقات الكثيرة والتي توصف بها إيران اليوم، تتعلق واحدة من أكثرها إدهاشا بالصورة التي يعكسها هذا البلد على المشهد الدولي: إيران الخطر القادم أو البلد المرعب بسبب التداعي المصطنع بين هذا البلد ومجمل المخاوف التي ما فتئت تثيرها الإسلاموية. و من أجل التدليل على ذلك يكفي فقط العودة إلى الأدبيات التي تنشرها مراكز البحث الغربية والأمريكية منها على وجه التحديد، على غرار ما فعله الباحثان الأمريكيان ريول مارك غرشت و ميكائيل ليدن، اللذان كانا في فترة ليست بالبعيدة على رأس حربة المعركة ضد إيران، حين وصفاها حصريا كلاعب كبير في الإرهاب الإسلامي. وهذه الطروحات تتصل اتصالا كبيرا مع طروحات اليمين الأمريكي المتطرف عبر مجلات الناشيونال ريفيو و الويكلي ستاندرد.
الملاحظ بالنسبة لإيران، أن سياستها الخارجية عرفت تحولا كبيرا عن تلك التي كانت منتهجة إبان فترة الثمانينات، أين تخلت عن استراتيجية تصدير الثورة و اعتمدت في المقابل على سياسة أكثر واقعية و أكثر اهتماما بالمصالح الوطنية، ولو أنها لم تستطع التخلص من توظيف الشعارات الثورية على غرار إعلان العداء لدولة إسرائيل و كذا دعم حق استقلال فلسطين. فكثيرا ما أعلنت إيران في السنوات الأولى لثورتها على ضرورة التضامن الإسلامي الجامع، وهو ما ظهر من خلال الدستور الإيراني الذي نص على وجوب تحالف إيران وكل الشعوب المسلمة وكل مستضعفي العالم الآخرين لتشكيل جبهة عالمية ضد المستكبرين، وهو الخطاب الذي كان يستهدف أيضا التقليل من حدة الانقسامات الداخلية التي يعرفها العالم الإسلامي ، ولا سيما الخصومة التقليدية بين السنة والشيعة.
ربما من أهم المحطات التي شكلت منعرجا حاسما وتحولا راديكاليا في تعامل إيران مع الغرب، كان الهجوم على السفارة الأمريكية في طهران في 4 نوفمبر 1979 و احتجاز ما لا يقل عن 52 أمريكيا، فما حصل بعد ذلك هو تطور إيران لسياستها في تصدير الثورة، وكان هذا من خلال إنشائها لمجلس الثورة الإسلامية الذي تكفل بتقديم الدعم الإيديولوجي والمالي للحركات الإسلامية و التحررية الوطنية في العالم، وتمت ممارسة تلك الأعمال حتى في الدول الإسلامية، على غرار ما قامت به في البحرين و الكويت في الثمانينات. ليأتي الدور بعدها على لبنان أين تم تشكيل حركة أمل الإسلامية في يوليو 1982 تحت إشراف حسين الموسوي، وقبله حزب الله بقيادة حسين محمد فضل الله الذي سبق له وأن أسس حزب الدعوة الشيعي العراقي.
لقد جاءت الثورة الإيرانية بشكل مفاجئ لتهز إيران من جذورها و تهز في الوقت نفسه مضاجع الغرب أيضا، فقد كان هناك عدد قليل من المراقبين من داخل إيران و خارجها ممن كان يرى إمكانية قيام الحكومة الدينية لإيران، ففي أوائل عام 1978 كانت غيران تجاهد من اجل أن تصبح مثل أوربا ولكن خلال عام واحد كان أية الله الخميني يقود إيران إلى طريق مختلف كليا، ورافضا في الوقت نفسه للأفكار الغربية. ولكن ما هو مهم هو موقف الغرب من هذه الثورة، فأصدقاء الأمس أصبحوا أعداء اليوم، وعندما سهت إيران إلى إحياء برنامجها النووي، فشلت في إقناع الغرب باستئناف التعاون معها، خاصة ألمانيا و إسبانيا اللتين رفضتا استكمال مفاعل بوشهر، وهو ما دفع بإيران إلى البحث عن شركاء جدد لتزويدها بتكنولوجيا متقدمة على غرار الصين و روسيا والأرجنتين، لكن تدخل الولايات المتحدة جمد تلك المحاولات.
حدة الدعوة لهجوم عسكري على إيران سرعان ما قلت حدته بعد توصل الطرفين والمجتمع الدولي إلى اتفاق جنيف الأخير، والذي بدا واضحا كيف أن كل طرف يسعى إلى تصويره على أساس انه انتصار دبلوماسي، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الإدارة الأمريكية عن أن الإتفاق ينص على تفكيك البرنامج النووي بصفة تدريجية ونهائية، يقر الطرف الإيراني بأن الإتفاق هو مبدئي ولا يشير بأي صفة كانت إلى تخلي إيران عن برنامجها الإيراني، وحتى وإن سلمنا بذلك فما يمكن أن يكو ذلك بدون مقابل يعادل على الأقل الإزعاج و الصداع الذي لطالما سببه للغرب و خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
كما انه يدور في تحليلات بعض المفكرين الغربيين أن الإتفاق حصل مقابل حصول إيران على صلاحيات أوسع في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط ضمن ما عرف لدى بعض الأوساط الأكاديمية بسيناريو الصفقة الكبرى، صفقة تمنح لإيران دورا اكبر و هامشية للتحرك أكثر، ولعل هذا ما أقلق بشكل كبير الدوائر السياسية الإسرائيلية التي رأت في الإتفاق هزيمة للمعسكر الغربي و تقدما إيرانيا على حسابها في المنطقة. و بالتالي تعتبر سوريا اليوم بمثابة ساحة لتصفية الحسابات بين مختلف الأطراف في المنطقة وحتى من خارجها، وفي ظل إستمرار التوتر و التأزم في المواقف الدولية فإن الأمور مرشحة للاستمرار على ما هي عليه على غاية التوصل لصيغة ترضي الجميع و ترضي في المقام الأول "الشيطان الأكبر" الولايات المتحدة الأمريكية على حد وصف النظام الإيراني.
يبقى السؤال المطروح من وراء المحادثات الغربية – الإيرانية والتدخل العسكري السعودي في اليمن ، ما هي الأولويات بالنسبة لأمريكا؟ دعم السعودية وحلفائها أم مستقبل المحادثات مع إيران؟، شخصيا أرى أن الأمريكيين لا يستطيعون دعم السعوديين لأن محادثاتهم مع الإيرانيين أكثر اهمية بالنسبة لهم، وما دفع ما دفع السعوديين إلى المغامرة ليس اقتراب الحوثيين من عدن بل قرب تحقيق اتفاق نووي بين الأمريكيين والإيرانيين، وهو ما سوف يؤشر على هيكلة جديدة لميزان القوى في المنطقة، وتدعيم المشروع الإيراني نحو الهيمنة على المنطقة وبسط نفوذها.
 
 باحث في العلوم السياسية، جامعة مولود معمري، تيزي وزو
 

شوهد المقال 1579 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.00
Free counter and web stats