الرئيسية | الوطن الدولي | نبيل نايلي - عار الدولة المارقة.. الأسئلة.. بانتظار المساءلة!

نبيل نايلي - عار الدولة المارقة.. الأسئلة.. بانتظار المساءلة!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نبيل نايلي

 

“يبدو لي وكأنّ صفع خالد شيخ محمد، هو أمر شنيع، في حين أنّ توجيه صاروخ هالفاير، Hellfire missile، على عائلة تتنزّه أو حفل زفاف وقتل كلّ الأطفال بات أمرا جيدا”.  الطبيب النفسي وأحد مهندسي برامج الإستجوابات القسرية، جيمس ميتشل، James Mitchell .

فضح تقرير مجلس الشيوخ الأمريكي فظاعات ”وسائل التعذيب وأساليب الإستجواب القسري، Enhanced Interrogation Techniques“، التي اعتمدتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، CIA، ضد المعتقلين المسلمين في قاعدة غوانتانامو: مثل الإيهام بالغرق، Waterboarding، والحرمان من النوم لأيام، Sleep Deprivation، والإعدام الوهمي، والتغذية الشرجية، Rectal Feeding، وغيرها من “تقنيات” التعذيب النفسي، وكسر الإرادة، وغسل الأدمغة. كما خلُص ما نُشر منه، بعد أكثر من 13 عاما، ومُقتضبا إذ لم يتجاوز حوالى 500 صفحة، بعد شطب المعلومات الأكثر حساسية، مثل الأسماء الحركية لعملاء الوكالة أو البلدان التي تعاونت مع البرامج السرّية- من بينها المغرب ومصر والأردن- خلُص إلى أنّ وكالة الإستخبارات “كذبت ليس على الجمهور فحسب، وإنما أيضا على الكونغرس والبيت الأبيض، بشأن فعالية البرنامج” وأنّ “حجم عنف الاستجوابات كان أبشع وأسوأ بكثير ممّا اعترفت به الوكالة حتى الآن”!!! وأنّ الأساليب “لم تكن فعّالة”! حتى أنّ رئيسة اللّجنة، ديان فينستاين، Dianne Feinstein، أقرّت في بيانها أن “تقنيات الإستجواب لم تسمح مرّة واحدة ب”إنقاذ أرواح” كما قيل، وأنّ جمع معلومات مُرتبطة بتهديدات وشيكة، لا يبرّر  مثل هذه التقنيات!”

التقرير أثار استنكار الجمهوريين ليس لبشاعته، بل للمضاعفات والخشية من ردود أفعال عنيفة حول العالم، مما استدعى فرض تدابير أمنية مُشدّدة حول المنشآت والقواعد العسكرية الأمريكية والمقرّات الدبلوماسية. كان كل دون موجب كما تبيّن، فقد صمت الضحايا كعادتهم، ولا يزال المسؤولون العرب، من “صنّاع″ قرار، وحقوقيين وناشطين، في دول “الربيع″ وغيرها، يُراوحون مكانهم دون الإصداع بموقف، أو حتى تدبيج بيان يتيم، يخدش حياء من يتبجّحون بتصدير “سجاّدي” لديمقراطيات التوماهوك، وإن اقتضى الأمر تأهيل الأمم داخل ما شابه أبو غريب، أو تطهيرهم طائفيا أو عرقيا!

أفظع من ذلك كله ما فعلته الوكالة المركزية للاستخبارات، CIA، بين السنوات 2001 و2009، بمن كانوا أشبه ب”الحيوانات المخبرية البشرية”، حيث كانت تُخضعهم لتجارب بشعة وعلى غاية من التعقيد، تحت إشراف علماء نفس مُتعاقدين معها. كتلك التجارب التي سبق لمارتن سيليغمان، Martin Seligman، أن أجراها على حيوانات، نعم حيوانات، ثمّ مورست على المعتقلين، في ما بعد، لتحطيم إرادتهم، أولا، ثم “تدجينهم” وترويضهم، ثانيا، ف”برمجة” سلوك جديد لهم، ثالثا!

من الأسئلة التي ظلتّ حتى الساعة مُعلّقة بانتظار الإجابات الشافية، أنّ التقرير لم يُسرّب أية معلومات عن الثمانين ألف معتقل الذين تحتجزهم البحرية الأمريكية بشكل غير قانوني، كما تعمّد التغاضي الحديث عن قادة تنظيم داعش. إذ لا شيء رشح عن أبي بكر البغدادي ورفاقه، أبي مسلم التركماني، وحجي بكر، وأبي قاسم! أ لم يخضعوا بدورهم لجلسات تطبيقات البروفسور مارتن سيليغمان، Martin Seligman، و جيمس ميتشل، James Mitchell ، وكانوا من بين ضحايا نفس البرنامج خلال السنوات 2004 حتى 2009، حين كانوا نزلاء المعسكر بوكا في العراق؟!!! فكيف تحوّلوا، بقدرة قادر، من الجهاد ضد  “الأمريكان الغُزاة” قبل فترة سجنهم، إلى أدوات طيّعة بيد قوات حلف شمال الأطلسي؟؟

ثم على ذقون من يضحك السيد أوباما حين يُعلن في بيانه أنّ “هذه الأساليب شوّهت كثيرا سمعة أمريكا في العالم”؟   فسمعة أمريكا مُشوّهة بدماء وجماجم أُمم بأكملها، وتقنيات وأساليب الوكالة، على بشاعتها، ليست إلاّ مجرّد هامش في أسفار ومُجلّدات تاريخ حافل بالجرائم، من الإبادة الثقافية الحضارية إلى التصفيات الجماعية للأمم. وإن نسي صاحب نوبل للسلام فلنشحذ ذاكرته، بما كتبه صاحب كتاب “الإمبراطورية الأمريكية”، ستانلي كارنوف، Stanley Karnov، نقلا عن تقرير لأحد أعضاء الكونغرس بعد زيارته الفلبين أيام الغزو الأمريكي:”إنّ القوات الأمريكية اكتسحت كلّ أرض ظهرت عليها حركة مقاومة، ولم تترك هناك فلبّينيّا واحدا إلا قتلته!لم يعد في هذا البلد رافضون للوجود الأميركي لأنه لم يتبقّ منهم أحد”! ويضيف نقلا عن صحفي رافق ذلك العضو ما نصّه: “إنّ الجنود الأمريكيين قتلوا كلّ رجل وكلّ إمرأة وكلّ طفل وكلّ سجين أو أسير وكلّ مُشتبه فيه ابتداءً من سنّ العاشرة!!!! واعتقادهم أن الفلبّيني ليس أفضل كثيرا من كلبه وخصوصا أن الأوامر الصادرة إليهم من قائدهم الجنرال فرانكلين كانت :”لا أريد أسرى ولا أريد سجلاّت مكتوبة”!!

الرئيس أوباما، أعفاه، استباقيا، المتحدث باسم البيت الأبيض جوش آرنست، Josh Earnest ، من المسؤولية، حين صرّح “ليس رئيس الولايات المتحدة هو الذي يجب أن يُجري تحقيقا جنائيّا بشأن تصرّفات شخص يعمل في الوكالة، بل مسؤولية المدّعي الفدرالي”، أما عن وعده، وهو من لقّبه كارل روف،  Karl Rove، ب”صاحب الوعود الكاذبة”، أن يقوم “بكلّ ما هو ممكن لضمان عدم تكرارها”، فما تقوم به قواته الخاصة وطائراته دون طيار، على سبيل الذكر لا الحصر، على مسارح هذا الوطن المستباح من العراق إلى اليمن مُرورا بسوريا وقريبا ليبيا وغيرها، يُصادر مُسبقا على ما لن تفي به الإمبراطورية في عزّ لحظة قلقها الوجودي! إمبراطورية يتبجّح فيها، نائب الرئيس السابق جورج بوش، George Bush، ديك تشيني، Dick Cheney، الذي يعتبر تقنيات الإستجواب المشدّدة “مبرّرة تماما”، ليذهب أبعد من ذلك فينادي ودون حرج إلى “تقليد عناصر الوكالة الذين أشرفوا ونفّذوا هذه البرامج أوسمة بدلا من انتقادهم!” ولا يتورّع فيها مسؤولو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، عن إنشاء موقع إلكتروني لتبرير فظاعاتهم تحت مسمّى “الوكالة أنقذت أرواحا دوت كوم، ciasavedlives.com”، للردّ عن “حملة الانتقادات”!

أخيرا، لا حديث أيضا في التقرير عن اعتذار أو تعويض لضحايا من قضوا تحت التعذيب أو مكثوا سنين دون محاكمة، والحال أن القانون الدولي يُلزم الولايات المتحدة قانونا بإحالة أولئك الأشخاص إلى نظام العدالة، أو هؤلاء الذين “أُعيد تأهيلهم” إقرأ غُسلت أدمغهتم، من خرّيجي سجن بوكا الشهير أو غيره، ليُعاد “زرعهم”، بعد تشكيلهم وفق تعاليم تطبيقات البروفسور مارتن سيليغمان، في مسارح مُتعدّدة أدوات لحروب الجيل الرابع والدمار الذاتي، برايات التوحيد! فهل فكّر الضحايا في رفع قضايا ضد الدولة المارقة أمام المحاكم الدولية؟ هل طالب بعضهم برفع السرّية عن الدول العربية والمؤسّسات التي تواطأت أو وفّرت “النقاط السوداء، Black Sites”، سجون مناولة التعذيب والامتهان؟

ثم هل ينتهي ملف تقرير مجلس الشيوخ “على رفّ أو في إسطوانة مُدمجة بدل أن يُستخدم كأساس ودليل إثبات لتحقيق جنائيّ بشأن استخدام وسائل تعذيب من قبل مسؤولين أمريكيين”، كما يسأل مستنكرا، مدير هيومن رايتس ووتش، كينيث روث، Kenneth Roth؟ أم سيبلغ صدى نداء المقرّر الخاص للأمم المتحدة في مجال حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب بن ايمرسون،Ben Emmerson، وهو يستصرخ الضمائر الحية، قائلا: “حان الوقت الآن لاتخاذ إجراء، يجب إحالة الأشخاص المسؤولين عن المؤامرة الجنائية التي انكشفت في تقرير الكونغرس إلى العدالة ويجب أن يُواجهوا عقوبات جنائية تتناسب مع خطورة جرائمهم..إنّ القانون الدولي يمنع منح الحصانة للمسؤولين الضالعين في أعمال تعذيب!”؟

لا تسقط حقوق الضحايا، في مثل هذه الجرائم، بالتقادم، إلاّ إذا قرّر أصحاب الحقوق أنفسهم إسقاطها، طوعا أم قسرا!! فهل يعقلون؟

*باحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس.

رأي اليوم  

شوهد المقال 1521 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats