الرئيسية | الوطن الدولي | محجوب الزويري ....العرب و إيران ومشهد تساقط العواصم

محجوب الزويري ....العرب و إيران ومشهد تساقط العواصم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

د . محجوب الزويري 
 

 

 

سقطت صنعاء كما سبقتها بغداد وبيروت، خلاصة قُدمت للعربي في شتى أصقاع الدنيا. وتحت وقعها كان الجواب حاضرا كما هو تفسير السقوط، إيران ودعمها هما السبب. 

بهذه الكلمات يمكن تلخيص واقع الدولة العربية الحديثة الناشئة بعد الاستعمار لا سيما في العقدين الأوليين من القرن الحادي والعشرين. فبغداد كانت أول من أُسقط وصنعاء آخر من سقط، لكنها ليست الأخيرة كما يبدو على الاقل في عيون مسوقي ظاهرة السقوط. 

ثمة ما يستدعي التوقف عند الأحداث التي تعصف سريعا بالواقع العربي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، توقف ربما يساعد في فهم أعمق يتعلق برسم إطار يتعلق بالمفاهيم والوقائع التي تحيط بالعرب وعلاقة ما يحدث في بلادهم بإيران.

مشهد سقوط العواصم 
في أبريل من العام 2003 أسقطت الولايات المتحدة الأميركية العاصمة العراقية بغداد، سقوطا استحضر فيه العرب والمسلمون سقوطها من قبل على يد هولاكو في العام 1258، قيل إنها سقطت بسبب المساعدة الإيرانية، وأن الجيش العراقي لم يدافع عنها... إلخ.

 

"ثمة ما يستدعي التوقف عند الأحداث التي تعصف سريعا بالواقع العربي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، توقف ربما يساعد في فهم أعمق يتعلق برسم إطار يتعلق بالمفاهيم والوقائع التي تحيط بالعرب وعلاقة ما يحدث في بلادهم بإيران"

 

خرج العرب من صدمة السقوط أو أُخرجوا منها بسبب التطورات الأكثر وقعا على حالهم في ظل الاحتلال الأميركي للعراق وتشكيل نظام سياسي طائفي مستنسخ بوسائل شتى عن نموذج صدّرته فرنسا -مفجرة الثورة- والتي أسست لنظام طائفي في لبنان من قبل. 

تلى ذلك سقوط بيروت في يد حزب الله في العام 2008. وكان تفسير ذلك السقوط جاهزا وهو الدعم الإيراني. ثم اختتمت صنعاء مشهد إسقاط العواصم عبر جماعة الحوثي ومرة ثالثة حضرت إيران.

في مقابل سقوط العواصم، كان الربط أيضا بين إيران وعدم سقوط آخر لبغداد في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية، ومنع سقوط دمشق ونظام الأسد، وهو ربط سرعان ما تلقفته إيران بوصفه إنجازا وتمددا لها حتى البحر الأبيض المتوسط. 

اللافت للانتباه في هذا السياق هو أن العرب ربما نسوا سقوطا بالغ الأهمية حدث من قبل ألا وهو سقوط القدس، تُرى هل سيُراجع البعض التاريخ ويفحص علاقة إيران بذلك؟

 الدولة العربية الحديثة وعنقاء إيران
خلال أ كثر من 150 عاما لُقّن العرب أنهم أمة واحدة وأن قوميتهم هي من سيجلب لهم الوحدة والنصر والقدرة على مجابهة التحديات، وأن حضور الإسلام في الحيز العام غير مستحب وربما سبب لمنع الحداثة، وأنه يجب أن يبقى في المسجد ويوم الجمعة وشهر رمضان والحج. ولُقنوا أيضا أن السياسة مفسدة للدين وأن الدين كلما ابتعد كان ذلك في مصلحة الدين والسياسة. 

نشأت دولة ما بعد الاستعمار ملكية كانت أم جمهورية مسكونة بهذا عبر نخب كانت تفتقد إلى الشرعية وإلى خطاب آخر غير خطاب "التحرير والتحرر" الذي تبين فيما بعد أنه أجوف وأنه للتضليل ولشراء الوقت ومنسق مع الخارج. 


في المقابل خرجت إيران من التجربة القاجارية دولة ملكية جاءت بإرث الدولة الإخمينية الممتد في ذاكرة الإيراني لأكثر من 2400 عام آنذاك، وكرر النظام الملكي الإيراني ما كررته أنظمة عربية من إبعاد للدين/المذهب عن الحيز العام، فمنع الحجاب وجعل التعليم علمانيا، وسيطر على المشهد الديني كما السياسي. 

لكن إيران في المقابل استطاعت أن تبني تحالفا مع الولايات المتحدة جعلها شرطي المنطقة واليد الأميركية الضاربة فيها، وحين منع العرب بترولهم عن أميركا وإسرائيل، تبرعت إيران بتعويض السوق النفطي. 

صحيح أن هذا لم يمُكّن الولايات المتحدة من الإبقاء على النظام الملكي في إيران، لكن إيران الجغرافيا وشكل الدولة والناس بقيت مهمة للولايات المتحدة والغرب. حتى في عصر الجمهورية الإسلامية، لم تكن إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر -الذي قال إن ادارته كانت قادرة على محو إيران عن الخريطة- تريد قطع العلاقات مع واشنطن لولا ما حدث في صحراء طبس في خراسان من قتل للقوات الأميركية. 

خلال الفترتين الملكية والجمهورية الإسلامية استند النظام السياسي إلى مصادر للشرعية جعلته أكثر تماسكا داخليا في مواجهتها للتحديات الخارجية، تماسك ربما لا يكون طويل الأمد، لكنه تمت المحافظة عليه في ظل النظام الملكي أكثر من ستين عاما، وبالنسبة للجمهورية الإسلامية تمكن هذا التماسك من جعل النظام يحقق انتصارات بالنقاط على خصومه من العرب وغيرهم. 

ولعل الانتقال من حالة العداء أو الخصومة مع المجتمع الغربي بسبب الملف النووي إلى التفاوض خير دليل على ذلك. الانتقال إلى الجمهورية عبر ثورة شعبية، جعل منتج الثورة وهو النظام السياسي في وضع تفوق على جيرانه العرب الذين ارتبطوا بعلاقة مع الولايات المتحدة لكنها لم تمنحهم أي تفوق سياسي أو اقتصادي يذكر.

 

"في ظل النظام الملكي كان قطاع من الإيرانيين كارهين للنظام الملكي المستبد، لكن هذا لم يدفعهم للحديث عن تشكيل تحالفات على أساس مذهبي أو قومي من شأنها أن تدفع نحو تقسيم إيران "

 

مما سبق يبدو واضحا أن ثمة فرقا كبيرا في تشكيل الدولة الإيرانية الحديثة -التي لم تستعمر- والدولة العربية الحديثة ما بعد الاستعمار. هذا الفرق له علاقة بشكل النخبة السياسية وتعاملها مع الحكم وفكرة القدرة السياسية. 

ففي حين كان النظام العربي ما بعد الاستعمار معني في ربط السُلطة بالثروة والأمن وتغييب فكرة الدولة والهوية والتراث التي تحافظ على تماسك المجتمع، ضاعف من تقسيم المجتمع وجعل الثروة بَوصلة السُلطة وليس الإنسان والمجتمع. 

هذا لا يعني أن الوضع في إيران كان مثاليا، بل كان أفضل بمراحل عديدة على الوضع في بلد عربي مثل مصر أو العراق، فما بالك إذا ما قارناه بالوضع في اليمن أو ليبيا أو تونس. 

في ظل النظام الملكي كان قطاع من الإيرانيين يتقدمهم رجال الدين ومجموعة من الليبراليين كارهين للنظام الملكي المستبد، لكن هذا لم يدفعهم للحديث عن تشكيل تحالفات على أساس مذهبي أو قومي من شأنها أن تدفع نحو تقسيم إيران كما حصل في العراق مثلا. 

حتى في عصر الجمهورية الإسلامية والتي لديها معارضة سواء داخلية أو خارجية، لا يرى المتابع إستراتيجية تحالف على أساس قومي للفوز بالسلطة كما هو المثال في العراق وفي اليمن مثلا.

 

في هذا السياق تجدر الإشارة إلى الفشل الذي مُنيت به بعض القوى الإقليمية في التواصل مع تنظيم جند الله السُني في إقليم بلوشستان الإيراني خلال العقد الماضي، والذي يمكن أن يُفهم في سياق التماسك الذي حافظت عليه إيران خلال أكثر من أربعة قرون. تماسُك تفتقده الدولة العربية والمجتمع العربي ما بعد الاستعمار.

والسؤال المطروح لم غاب هذا التماسك؟ الجواب يكمن في الطريقة التي سيطرت بها بعض الأنظمة على السُلطة حتى أصبحت جزءا من إرثها "الشخصي" سواء على مستوى العائلة أو ضمن نخبة قريبة من العائلة كما هو الأمر في مصر وليبيا واليمن وتونس. 

وحتى تتم المحافظة على الوضع القائم كان لا بد من خلق مزيد من التقسيمات منها ما تعلق بداخل النخبة السياسية ومنها ما هو داخل المجتمع نفسه سواء تعلق ذلك بالتقسيمات الدينية أو القبلية.

في هذا السياق تم خلق نموذج الدولة الدينية حتى تتم مواجهة الجماعات التي تُقدم نفسها للمجتمع بوصفها بديلا أو جماعات تريد الإصلاح بخلفية دينية. بهذا الأسلوب وعبر استخدام السُلطة التي تملك الثروة والأمن تم تفتيت المجتمع ومعه فكرة الدولة، فأصبح هيكلها هشا، إذ لا شرعية ولا قوة اقتصادية ولا مواطنة. 

"لم تكن إيران بعيدة عن أمراض الدولة العربية التي ذكرت أعلاه، لكن تَعاقُب الأنظمة السياسية لم يسمح بالتلاعب بالجغرافيا ولا الإنسان ولا التراث كما هو الحال في الدولة العربية التي قامت بعد الاستعمار"

تشويه ممنهج لفكرة التدين والمواطنة والوحدة، فالمواطن هو من يتبع النظام والمتدين هو من يقتدي بنموذج الدولة و"شيوخها" ومن يخرج على القواعد التي يروج لها النظام إنما يفتت الوحدة الوطنية. أمر يذكر بمصطلح الزنديق الذي كان يُستخدم في العصر العباسي ضد معارضي الدولة. وبهذا تُستهدف الأفكار والآراء وأصحابها ويُنظر لهم كأعداء للمجتمع وتهديد لاستقراره، وعبر كل هذا استطاعت تلك الأنظمة أن تستمر.
لم تكن إيران بعيدة عن أمراض الدولة العربية التي ذكرت أعلاه، لكن تَعاقُب الأنظمة السياسية لم يسمح بالتلاعب بالجغرافيا ولا الإنسان ولا التراث كما هو الحال في الدولة العربية التي قامت بعد الاستعمار. 

استخدمت إيران إرثها التاريخي الممتد وفق ما يرون لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، كما لجأت إلى المذهب الذي لم يستمر على تحولهم له إلا حوالي 500 عام. في حين حاربت الدولة العربية الحديثة فكرة الإرث التاريخي لأنه يُذكر بمفهوم الأمة والذي لا تريده هذه الدولة الحديثة، كما حاربت الإسلام في الحيز العام لأنه يطرح معيارا للشرعية يجعل شرعيتها مثار تساؤل وشك. 

لقد دخلت الأنظمة إلى معركة السلطة بلا أسلحة ولا أدوات للقوة فأصبحت بلا وزن، ذلك أن الشرعية ومصادر القوة الأخرى كالاقتصاد والمواطنة وسيادة القانون تجعل الدولة ثقيلة الوزن ومتماسكة يصعب أن تتلاعب بها رياح التغيير السياسي مهما بلغت قوتها. وهذا ما جعل الدولة في إيران ثقيلة الوزن سياسيا في حين كانت الدولة العربية أشبه بالريشة في مهب رياح السياسة العاصفة.


ربيع العرب وإيران
أمام كل ما سبق، كان ما يسمى بالربيع العربي تحديا من نوع جديد لإيران بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي، تحد يختلف عن ما سبقه منذ نشأة الجمهورية الإسلامية. 

قبل العام 2010 كانت إيران تتمتع بنعمة النموذج، وأنها النظام الذي يدافع عن المظلومين ويواجه قوى الاستكبار، في المقابل هناك أنظمة عربية تزيد أعداد المظلومين وتضع نفسها في سلة قوى الاستكبار، من هنا وُضعت إيران في معسكر المقاومة، كان كل ذلك عبر وسائل القوى الناعمة، حيث الكلفة الاقتصادية الأقل والتأثير السياسي الأكثر. 

تغيرت المعادلة، فما سمي بالربيع العربي نافس إيران من حيث ظهور لاعبين يتبنون خطاب الدفاع عن المظلومين بعد أن نهض بعض المظلومين، وانتزعوا شيئا من حقوقهم، اعتبرت إيران أن ما حدث صحوة إسلامية في مصر وتونس وليبيا والبحرين، لكنه حراك موجه أميركيا في سوريا وهدفه ما سُمي بمحور المقاومة. 

هذا الموقف أعاد إيران شعبيا وببساطة وسرعة إلى مربع الدولة الطائفية والمذهبية وجعلها تخسر كثيرا من وسائل القوى الناعمة لا سيما بعد موقفها غير الواضح إن لم يكن السلبي من الانقلاب في مصر.

كل ذلك كان يشي بأن إيران لم تكن مرحبة بما نتج من تغيرات بعد الربيع العربي، فهو ربيع يريد تغيير الوضع القائم الذي كانت إيران تكسب منه عبر وسائل القوة الناعمة وتبقي على صورة النموذج الثوري.

"إن قدرة "العنقاء الإيرانية" على التكيف مع التطورات المتسارعة والمفاجئة والتحرك بين مربعي الأيديولوجيا والمصالح يجعلانها تبدو في موقع من يحقق الانتصارات"


المصدر : الجزيرة

شوهد المقال 1538 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي
image

أبوطالب شيبوب ـ كلمتين بالدارجة الجزائرية لمن يحاول التحريض على الحراك الجزائري

أبوطالب شيبوب  كلمتين بالدارجة راهم في خاطري وبغيت نقولهم قبل ما نرقد.. بالاك غدوة نموت ومازالوا حاصلين ليا في الڨرجومة: راه كاين واحد الفرق ااواضح -
image

العربي فرحاتي ـ نقد النقد ضروري..أيضا ..المتنمرون على الحراك الجزائري

د. العربي فرحاتي  كنا ننتظر من نخبنا الحراكية بعد هذه الهبة الاستئنافية للحراك أن تقرأ المشهد الاستئنافي بروية وبصيرة وتوجه انتقاداتها إلى السلطة .وتحثها على
image

خديجة الجمعة ـ امرأة ثلاثينية

خديجة الجمعة وقفت امرأة ثلاثينية، تخاطب نفسها!! اهو الزمان قدعصف بي أم أنا عصفت بهذا الزمان؟! وهل هم الأصدقاء مابرحوا ينتظرون الزهور التي أعددتها لهم؟ أم
image

مريم الشكيلية ـ على مائدة الكلمات

مريم الشكيلية ـ سلطنة عماندعاني ذات فصل لوجبه عشاء على أظرفة شتاء...قال لي :جميل لون الوشاح الذي يطوق عنقك..قلت :يا سيدي أنا أنثى ترتدي الفصول

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats