الرئيسية | الوطن العربي | آية الله أستاذ في جامعة سعودية تجربة رائد النهضة العلمية والإعتدال – الفضلي - انموذجا

آية الله أستاذ في جامعة سعودية تجربة رائد النهضة العلمية والإعتدال – الفضلي - انموذجا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

علي ال غراش

 

 

 يقال إن أمتنا أمة لا تهتم بإبنها المتميزين، ولا تتذكرهم إلا بعد رحيلهم، واصبحوا من الماضي..!. إذ مع رحيل كل شخصية مرموقة مهمشة..، ترتفع الأصوات من قبل النخب والشخصيات العلمية والدينية والاجتماعية..، بالمدح والثناء على تميز شخصية الراحل، والاشادة بمكانته وبعلميته ودوره الكبير؛ الدور المهمش عن المجتمع - عامة الناس لا تعرف ذلك مغيبة او غائبة - طوال فترة وجوده لعقود من الزمن، ولا أحد يذكره ، أو يدعوه في المحافل الاجتماعية والعلمية. كما حدث مع الدكتور آية الله الشيخ عبدالهادي الفضلي رحمه الله، الذي لم يكرم طوال أيام حياته الغنية بالعطاء والتميز والريادة في المجال العلمي والتأليف والتدريس والعمل السياسي، وداعية للوحدة والعمل!. وفي أيام رحيله وذكرى مرور الاربعين يوما من وفاته تم إقامة العديد من الفعاليات والمهرجانات في منطقته وفي دول العالم، لتأبينه والبكاء عليه والإشادة بشخصيته العملاقة والفذة ذات الجوانب المتعددة!. بلا شك الدكتور الراحل الفصلي يستحق ذلك وأكثر، ولكن لماذا الامة وعبر رموزها وشخصياتها لم تعط الراحل المنزلة المناسبة له في حياته، لتستفيد الأمة وأفرادها منه، ويتحول إلى نموذج وقدوة ومشروع يحتذى به!؟. وهل من الممكن الاستفادة من تجربته بعد وفاته؟.

الدكتور آية الله الشيخ عبدالهادي الفضلي، شخصية علمية مرموقة، وداعية للوحدة والتعددية والانفتاح على الاخر، فهو يؤمن بالاعتدال والحوار، والعمل في أي مكان لخدمة العلم والمعرفة والفكر، وتطوير المناهج، فالعلم والتعليم لديه رسالة مقدسة وجهاد.

الشيخ الدكتور الفضلي شخص ية دينية يحمل لقب آية الله - أعلى الدرجات العلمية في الحوزات العلمية -، وشخصيةاكاديمية فهو دكتور واستاذ جامعي، و مؤسس كلية اللغة العربية في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، وتخرج على يديه العديد من العلماء الكبار، والشخصيات الثقافية والعلمية المهمة في الوطن وخارجه، شخصية ترفعت عن الخلافات والاتقسامات والاصطدام، فازدادت علوا وشموخا واحتراما.

وكان من المفترض ان تتحول شخصية الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي إلى مشروع ومؤسسة وصناعة مرجعية دينية محلية على مستوى السعودية والخليج، لو تم احتضانها وتشجيعها للتصدي وتحمل المسؤولية، من قبل رجال الدين في المنطقة الذين هم معظمهم من طلبته، وهو استاذ لهم باعترافاتهم، وكذلك من الجهات المسؤولة التي كان ينبغي ان تفتح للدكتور الشيخ الفضلي، وامثاله المجال للتصدي للمرجعية المحلية، والسماح بشكل رسمي للاعتراف بالمعاهد الدينية الشيعية، وللدراسة في داخل الوطن.

الفقيد الدكتور الشيخ الفضلي، - هو عبد الهادي بن الشيخ ميرزا محسن الفضلي الأحسائي، اصوله من بلدة العمران شرق الاحساء، ولد في العراق 1935م. ودرس في النجف الاشرف، جمع الدكتور بين الدراسة التقليدية الحوزوية والدراسة الأكاديمية، فاستحق لقب اية الله والذي يعتبر من أعلى الدرجات العلمية في في الحوزات العلمية، وحصل على مرتبة الدكتوراه والتي تعتبر من أعلى المراتب الأكاديمية -، له علاقة قوية ومميزة مع  المفكر الاسلامي المعروف الشهيد السيد محمد باقر الصدر، ورفيق درب مع المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وهم جميعا من مدرسة واحدة تؤمن بالحداثة واعادة النظر في التراث الديني، والعمل الحركي والسياسي، وللشيخ الدكتور الفضلي تجربة رائدة في تأسيس حزب الدعوة، وانشق عنه في السنوات الاولى من تأسيسه، .. وتفرق للعلم والمعرفة عبر التدريس والتأليف.

الدكتور اية الله الشيخ الفضلي - رحمه الله- مفكر متألق، وعالم شامخ، ونجم في عالم العلم والعلماء ، وأستاذ كبير تربى وتخرج العديد من العلماء المتميزين في عالمنا من بين يديه ـ من رجال الدين والاكاديمين، اي انه عالم جمع بين الدراسة الاكاديمية والحوزوية، وهو عالم ومفكر متمكن يشار له بالبنان والفضيلة، أضاف الكثير من العلم والمعرفة الى المكتبة والعقل العربي والإسلامي والعالمي، من خلال المؤلفات العديدة التي ألفها، وبالخصوص في مجاله اللغة العربية، فهو علامة ودكتور ورائد عظيم في هذا المجال، بالإضافة للكتب العلمية حيث قدم العديد من الكتب العلمية، فهو رائد مبدع في مجال تجديد وتطوير المناهج العلمية، وتبسيطها وتسهيلها مثل مواد اللغة والمنطق والاصول والفلسفة..، وتم ترجمة عدد من كتبه الى العديد من اللغات الحية العالمية. وقد خسرت المدارس العلمية برحيله الكثير، فهو أستاذ ورائد ومؤسس لكلية وقسم اللغة العربية في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة.

وما ميز الدكتور الفضلي، انه استطاع ان يعيش اغلب حياته العملية، في مدينة جدة في سبيل التدريس وخدمة العلم والمعرفة والفكر، ويؤسس علاقات قوية مع جميع الاطياف، وان يفرض احترامه بفضل اخلاصه ونبل اخلاقه، وان يتجاوز النفس الطائفي، ويخرج من عباءة رجل الدين، بانه احد العلماء الشيعة الكبار وابناء النجف والصديق القريب للمرجع الديني المفكر السيد محمد باقر الصدر الشخصية الرائدة. اي في حياة الدكتور الفضلي تجربة تستحق الدراسة والتكرار..، اذ تمكن من العمل والعطاء والتميز خارج الجو الحوزوي ومنطقته وابناء طائفته وجماعته، وان يعمل في الظروف الصعبة، كما حدث في بداية الثمانيات من القرن الماضي،.. وان ينجح بتميز.

الدكتور الشيخ عبدالهادي الفضلي عالم ومفكر، وهو اول من فتح مجال المطارحات والنقاشات والندوات والمحاضرات المباشرة مع الشباب، - ويوجد كتاب بـ عنوان: محاضرات في الفكر الاسلامي المعاصر، يجمع بعض محاضراته التي القاها في حسينية الناصر على مدار عشر سنوات-. والدكتور الفضلي عالم يحظى بالتقدير والاحترام، لدى كافة الاطياف، وله علاقات قوية في معظم دول العالم، ومع شخصيات كبيرة ومرموقة ودولية، عالم تعاطى مع الأحداث برؤية خاصة، بعيدا عن الانفعالية، ولم يسمح باستغلال اسمه في الخلافات والانقسامات.

 شخصيته العلمية والهادئة تفرض وجوده في كل مكان يتواجد فيه، رغم تواضعه وبعده عن الأضواء والشهرة، وابتعاده عن القيادة التي  أتته زاحفة بين قدميه.

ولو أراد الزعامة والقيادة، لتمكن من جمع  أكبر عدد من العلماء والأكاديميين والمثقفين والنشطاء والشباب ومن عامة المجتمع، لما يتتمع به الراحل من مقومات قيادية وجاذبية ومستوى علمي وعلاقات قوية.

ولكن أين آية الله الدكتور الشيخ الفضلي من المؤسسات والمعاهد والمراكز والحوازات الدينية، لماذا لم يستفاد من خبرته العلمية والعملية في مجال الادارة والتدريس والتطوير..، هل هناك قلق وخوف من وجوده الذي يشكل خطرا على بعض الشخصيات المتصدية، ام لديه أسباب خاصة، ام انه هو الذي اثر الغياب والابتعاد وعدم المشاركة لعلمه بعدم توافر الارضية المساعدة لكي يقوم بالدور الصحيح للمشاركة في البناء، ولانه لا يريد ان يصطدم مع الشخصيات والتيارات التي على الساحة، فالشيخ صاحب تجربة رائدة، فهو منذ بدايته العملية والجهادية حريص على الترفع عن الحزبية والتيارية، اذ انه انسحب من حزب الدعوة، في وقت مبكر جدا من تأسيسه، رغم انه أحد الكوادر الرئيسية ومؤسسي الحزب، ولكنه ابتعد عن الحزب، وعن العمل الحركي بل عن الحوزة، عبر انتقاله للعمل الاكاديمي في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة.

ولهذا لابد من تسليط الضوء واجراء المزيد من الدراسات حول هذه الشخصية والشخصيات القيادية، للاستفادة من تجاربها، ومعرفة الاسباب الحقيقية لابتعاده عن العمل الحركي، وعدم التصدي للعمل الحوزوي وادراة المؤسسات الحوزوية، وللمرجعية، وجعله قدوة يحتذى بها في حب العلم والمعرفة والعمل في المجال الاكاديمي، والدخول في المجال الحركي والسياسي، أو الابتعاد عن الحزب والتحزب. انها تجربة تستحق الدراسة.

هل وجوده رغم هدوئه وبعده عن الأضواء كان يمثل منافسا خطيرا، وشبحا مخيفا من قبل بعض القيادات الموجودة ؟.

 لقد كان الدكتور الشيخ الفضلي الأكثر علما، فهو أستاذ للجميع باعتراف الجميع، من الذين في داخل الوطن وخارجه، ومن الذين ساهموا في تهميشه لكي يتصد، ويأخذ المكانة التي تتناسب مع منزلته ومكانته الحقيقية، التي يعلم بها من هم اعرف بالمستوى العلمي.

عالم متميز، رفض المناصب وامامة مسجد خاص، او استلام الحقوق الشرعية، ورفض طوال حياته ان يكرم عبر مهرجان خاص باسمه تواضعا، والبعد عن الصنمية للاشخاص، فهو يكفيه محبة الناس له والاستفادة مما يقدم، وهو التكريم الكبير بالنسبة له.

رحم الله الدكتور العالم الفاضل المميز الزاهد، الذي كرس حياته للعلم والمعرفة، في دهاليز الجامعات والحوزات، وعبر الندوات والمحاضرات والتاليف والى اخر ايام حياته وهو على فراش المرض كانت انامله تسطر ما يبدعه ذهنه من افكار. فهو أحد ابرز الرموز العلمية في المجال الفكري والعلمي والتربوي الاكاديمي والحوزوي، واحد المساهمين والرواد في النهضة العلمية والثقافية في المنطقة، الذي رحل عن عالمنا بعد رحلة طويلة من العطاء العلمي والمعرفي والفكري.

وعندما نذكر الدكتور آية الله الشيخ عبد الهادي الفضلي، العالم الفاضل، و الأستاذ الكبير، والعالم العامل في سبيل الوحدة والانفتاح على الآخر والعالم المتواضع الزاهد، ينبغي التأمل في حياته، المليئة بالعطاء والابداع للعلم والمعرفة، والذي جمع بين الدراسة الاكاديمية والحوزوية بنجاح وبامتياز، واتخاذه نموذجا في حب العلم والعمل - في اي مكان علمي- والانفتاح والاعتدال على كافة الاراء والافكار والمدارس والتيارات، والبعد عن الخلافات والانقسامات.

واذا رحل الدكتور الاستاذ الشيخ الفضلي بجسده، سيبقى حيا بفكره وعطائه العلمي، وما تركه من علوم ومعارف من خلال العديد من الكتب التي تدرس في الجامعات والمدارس وبالخصوص في الحوزات العلمية.

رحمك الله يا استاذ العلماء، ورائد التدريس والتأليف، والتأسيس والعمل الاكاديمي في الجامعات الوطنية، وقدوة العمل الوحدوي والوطني، والدعوة للوحدة والمحبة والعطاء، يا ابا عماد.

وافاد الله البشرية بما تركه الفقيد العالم الشامخ، من العلوم والمعارف، والاخلاق العالية والفنون..، فالدكتور الشيخ الفضلي سيبقى نبراسا للعطاء، وقدوة للعلماء والاكاديمين، فهو الدكتور العالم الزاهد المتواضع المتميز بعلمه وعطائه، الذي قدم العلم والمعرفة على العمل الحركي والسياسي، والانشغال بتطوير المناهج التعليمية.

ان الدكتور اية الله الشيخ عبدالهادي الفصلي، صاحب تجربة رائدة تستحق الدراسة المستفيضة لتسليط الضوء حول جوانبها المتعددة.

 

 

شوهد المقال 1608 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ المسار الانتخابي ...2 !

د.حميد بوحبيب  للمرة الثانية في تاريخ الدولة الوطنية الفتية، تلوح في الأفق بوادر توقيف المسار الانتخابي .في المرة الأولى، فعلها الجيش بمعية القوى التي تحالفت ضمن
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats