الرئيسية | الوطن العربي | مكالمة بين هويتين

مكالمة بين هويتين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد غازي الأخرس 
 
منذ قرابة شهر لم أتطرق للتدهور الأمني، لكن قارئا اسمه مصطفى المفتي أجبرني مساء أمس على هذا من دون أن يقصد. كانت ثمة رسالة عاجلة منه على بريدي تقول ـ أستاذ محمد، أنا مصطفى من الأعظمية الذي راسلتك قبل سنة، هل تتذكرني؟ محتاجك خمس دقائق أحكي معك. ثم أثبتَ رقم هاتفه.
نعم، أتذكره جيدا. كان كتب لي قبل عام، على إيميلي، رسالة قلت حينها إنها الأروع التي تردني، وفيها يحرّضني على أن أواصل الكتابة بلسان الناس ولهجاتهم وأنقل أحلامهم ومخاوفهم. وإنني لأتذكر جيدا كيف أثّرت بي رسالته بحيث كتبت عنها مقالة في اليوم التالي. مقالة قلت فيها إن المكاريد في العراق يكملون بعضهم الآخر رغم ما يبدو بينهم من اختلافات طارئة، وان ما يئن له الفقير في الأعظمية هو ذاته الذي يوجع رفيقه في (حي أور).
أمس أعادني مصطفى لتلك اللحظة. رددت عليه فأجابني. نظرتُ لصورته في شاشة الحاسبة، فإذا هو بغداديٌ وسيمٌ، (ماخذ بوزة) عظماوية تجنن. قلت له ـ سأتصل بك حالا لأتفهم ما تريد. ثم اتصلت به. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل. قلت لنفسي ـ الناس ربما الآن نيام في الأعظمية وفي كلِّ العراق، والخوف من تجدد الفتنة يكبس على أفئدتهم.
ردَّ قارئي فورا، قلت له ـ مرحبا أستاذ مصطفى. فقال ـ أهلا، أنت أستاذ محمد؟ فقلت له ـ نعم، كيف الأحوال، فانفجر بتحياتٍ لا يجيدها أناسٍ كما يجيدها أهالي الأعظمية. كان صوتُهُ خجولا، مؤدبا، متحضّرا، وذكّرني فورا بكثير من أصدقائي البغداديين. كلمة (داد) لم تفارقه ونبرة الفرح تكاد تنطّ من بين حروفه.
لن أعرض المسألة الاجتماعية التي أضاءها لي فهي تحتاج مقالة أخرى. لكنني، وأنا أتجاذب معه أطراف الحديث، تذكّرت ما يجري منذ أشهر هنا وهناك من محاولات خبيثة لجعلنا نقتتل فيما بيننا، أنا ومصطفى، هو بوصفه (عظماوي) قاعدي، من فلول البعث، صاحب أجندة تركية ـ قطرية، وأنا بوصفي (شروكي) صفوي، من أذناب الاحتلال ومن جماعة (ما ننطيها).
تذكرت ما يجري من غسلٍ للأدمغة، ومن تعميم وقولبة للآخر، والغاية تنظيمنا كجيشين متقابلين يفصل بيننا ساتر وهمي اسمه (القناة) مرة و(جسر الأئمة) تارة.  
لا أودُّ الحديث باسم أحد، وإن كنت مطمئنا بوجود كثيرين يقاسمونني رؤاي في هذه المسألة. غير أنني أقول؛ نعم، أنا شروكيٌّ قح، وممن يعتزون بانتمائهم لهويتهم الفرعية. لا أخشى من التعبير عن هذا كباقي المثقفين الذين يستكنفون منها. لكنني، قبل أيِّ شيء، عراقيٌ، وفي بطن هويتي تصبٌ أنهارٌ لا حصر لها من الانتماءات. بي من الصابئة شيءٌ لا أدري ما هو. ومن المسيحيين لاحني عرقٌ خلفه أجدادي القدامى. لي مع الدليم والجبور والكرد نسغٌ ينبض من جهة ما. ولديّ مع البغادة بيتٌ أسكنه منذ أن ولدت في هذه المدينة. تشممتُ عطرَ النهر مثل ابن (الشالجية) وعبرت جسر الشهداء مرات ومرات لمجرد الاستمتاع بمزاج المكان. في الأعظمية كان لي أول موعد غرامي مع حبيبة، تواعدنا قرب مكتبة (الصباح) وتجولنا لساعتين في الدرابين، يوم كان العشاق يلوذون بالأنهار وبظلال الأشجار بحثا عن البهجة.
خطر هذا كلّه في ذهني وأنا أضحك مع مصطفى، تذكّرنا كيف كنّا نشجّع الزوراء والشرطة والقوة الجوية، وكيف كان بعضنا (يصنّف) على الآخر بمحبة نفتقدها اليوم. كان صوته البغدادي يخترق صمت الليل مزيحا مخاوفي من تجدد الموت والفتن.
لا أريد أن أطيل عليكم. كانت مجرد مكالمة عن مسألة تخصُّ الشباب أرادَ تنبيهي لها ـ وأنا عائد لها لاحقا ـ ، لكن المكالمة، بالنسبة لي، أنا المتوجس مما يحدث، مثّلت شيئا آخر، شيء أقرب لحوار داخلي حميم بين جزأين في هوية واحدة. هوية يراد فصلها بعملية جراحية وبدون مخدر. فاتقوا الله فينا يا أولي الأمر وتحركوا، الليل يوشك أن يرخي سدوله، ويا ويلنا من التيه بعده.
 
جريدة الصباح العراقية  
 

شوهد المقال 1484 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة
image

نسيم براهيمي ـ فيلم الجوكر .. من أين يأتي كل هذا العنف في العالم ؟

 نسيم براهيمي    من الصعب جدا أن تشاهد فيلم الجوكر متحررا من تفصيليين مهميين: حجم الإشادة التي رافقت عرضه وأداء هيث ليدجر لنفس الدور في
image

رضوان بوجمعة ـ علي بن فليس كرسي الرئاسة.. من الهوس إلى الوسوسة

 د.رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 130  علي بن فليس في آخر خرجة إعلامية له يقول عن نفسه، إنه "معارض شرس منذ ماي 2003"، وهو تاريخ
image

يسين بوغازي ـ ذكرى الليل والنهار القيام النوفمبري

يسين بوغازي  يستحودني  قيامه  الذي  لا يفنى مثلما الأعياد   فيدور مع الليل والنهار ويأتي مع  كل عام  ، يستحودني  قيامه بطعم  الإحتفالية  وقد  أخدت
image

فوزي سعد الله ـ خمسة أبواب لثلاثة قرون: أبــوابٌ صنـعتْ التَّــاريـخ لمدينة الجزائر

فوزي سعد الله   "أَمِنْ صُولة الأعداء سُور الجزائر سرى فيكَ رعبٌ أمْ ركنْتَ إلى الأسْرِ" محمد ابن الشاهد. لايمكن لأي زائر لمدينة الجزائر
image

السعدي ناصر الدين ـ لنقل اننا وضعنا انتخابات 12/12 وراءنا وصارت كما السابقة بيضاء..ما العمل؟

السعدي ناصر الدين    سيلجأ النظام لتوظيف شخصية او شخصيات من تلك التي احترمها الحراك السلمي حتى الآن لأداء دور الكابح للارادة الشعبية كما فعل مع
image

عثمان لحياني ـ في شريط "لاحدث" وتكرار المكابرة

عثمان لحياني   عندما كان الراحل عبد الحميد مهري (والعقلاء حسين آيت أحمد وأحمد بن بلة رحمة الله عليهم وجاب الله وغيره) يطرح مقاربته الحوارية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats