الرئيسية | الوطن العربي | أحدهم أكل قلبا نيئا!

أحدهم أكل قلبا نيئا!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد غازي الاخرس
منذ أن رأيت (الثائر) السوريّ وهو يلتهم قلب ابن جلدته وأنا أشعرً بغثيان (ثقافي) و(معرفي)، وأكاد أتقيأ على منظومتي القيمية التي تزخر بكنايات وبلاغات دموية ربما هي بنية عميقة لما رأيت؛ كان (الثائر) يقتطعُّ القلب كما يفعل جزّار من جزاري السوق بذبيحة. السكّينة صغيرة وحادّة، والجثة منطرحة تنتظر ما يفعله (وحشيّ) عصرنا بها. اليد تمتدًّ بثقةٍ وتنجز المهمة، ثم يستدير الجزّار إلى الكاميرا ويشتم بشار الأسد ويقول ـ تكبير، ثم يلوكُه. نعم، اليوتيوب فضحنا و(ثورات) الربيع العربي جعلتنا نرى التاريخ بأمّ أعيننا. رؤوسٌ تُقطع وأيدي تبتر وقلوبٌ تؤكل. في العام الماضي رأيت بلطجيين في مصر يقتلان شابا في الشارع، لم يكونا يدريان أن أحدهم وثّق اللحظات المرعبة ليراها أمثالي. طعناه بالسكاكين، ثم سحلاه في الشارع أمام المارّة وصارا يمثّلان به. 
ذاكرتنا مرعبة إذن؛ في منتصف التسعينيات، وهذه حادثة لن أنساها، عَرَضَ تلفزيون الشباب فعاليةً عجيبة أطلقوا عليها "افتراس الذئب". كان حشدٌ من فدائيي صدام يتدرّبون في ساحة، وثمة ذئبٌ محبوس في قفص ينتظر دوره. ثم بعد حين، فتح (الويلاد) القفص فصار الذئب قبالة فتية آمنوا بالعنف وسكروا به. وفي ذروة الهستيريا، تلقفت الأيدي والحراب الذئب وذُبِح في لحظات. ثم شُقّتْ البطنُ، وحمله أحدهم وعضَّ أحشاءه بأسنانه وهو يصرخ.
أي والله أنها لرعب ما بعده رعب؛ في الثمانينيات لمع نجم (خوشيٌ) شاب في قطاع 79، وبات ينافس (الخوشي) الرسمي المتوج ملكا على ذلك الحيّ. وفي ذات يوم، يقتتل الاثنان وينتصر الشاب، والنتيجة أن شدّ الأخير صاحبنا العجوز إلى دراجته البخارية وسحله في القطاع.
ما هذه القسوة يا إلهي؟ من أورثنا إياها؟ أهو ذلك الإعرابي التافه الساكن بين جنباتنا، الرجل الذي يعشق قطع الرؤوس وجدع الأنوف وبتر الأطراف وتعليقها على الرماح؟ أم هو الصراع مع الطبيعة الذي ظللنا تحت منطقه لآلاف السنوات حتى استعرنا من الذئب أنيابه ومن الأسد صرخاته؟
صورة الرؤوس المعلقة على نواصي الخيل بعد انجلاء المعارك من أكثر الصور سيريالية؛ في بعض الأيامِ يصطرع فارسان أو أكثر في أحقيتهم حمل الرأس المقطوع. الأول يقول ـ أنا من قتله. فيصرخ الآخر ـ بل أنا، إنه رأسي. ثم يأتي الثالث ويقول ـ بل هو لي أنا احتززته. وهنا قد يفضها (الفريضة)، فريضة الدم، فيقول ـ ليحمله كلكم ساعةً من النهار!
هذه الثقافة راسخة عندنا لدرجة أننا نبرع في تجميلها بلاغيا؛ بدل أن نقول: لأقطعن رأسك، نكنّي عن الأمر فنقول: لأقطعن الذي فيه عيناك! لا بل اننا رغم ادعائنا كراهية العنف، لا نزال نطرب للعبارة المقرفة: أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها.
هذه البنية العميقة للعنف الرمزي تلعب بنا، بلغتنا وثقافتنا وقيمنا، لعبا ونحن لا ندري. ولكم أن تستذكروا بهذا الجانب، عشرات ومئات الكنايات والأمثال والتشبيهات التي تنزُّ دما على ألسنتنا لتتأكدوا: أشلع عيونك إذا تحجي، أكصبك تكصب، أكسر راسك 
وراس الخلفوك، أملص رقبتك، أعضك من زردومك، أكطعك وصله وصله، أكصك نصين، أشك حلكك وإلخ. لا بل ان أكل القلب يرد على لساننا مرات ومرات، فأنت إذا تبرمت من أحدهم قلت له ـ كافي مو أكلت كلبي (قلبي).
الحال أن "الثائر" السوري فعلها حقيقة لا مجازا، أكل قلب أحدهم ولاكه كأسد هزبر. وكان خير آكل لخير "وحشي" كنا رأيناه في فيلم "الرسالة" الذي أخرجه مأكول سوري آخر اسمه مصطفى العقاد. (الزكرت) الشامي كان صنديدا ووريثا حقيقيا لأجداده الذين هم أجدادنا. ألم يفعلها أحدهم بمالك بن نويرة حين جعل من رأسه ذي الشعر الكثيف حطبا تحت قدره!
أي والله، هو ديدننا الذي اعتدناه وجملناه بألسنتنا وجمالياتنا قبل أيدينا. لطالما فعلنا ذلك رمزيا دون أن يرانا أحد لكن اليوتيوب جعلنا نراه عيانا هذه الأيام فتأمل أعانك الله!
 
جريدة الصباح العراقية .
 

شوهد المقال 1725 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ المسار الانتخابي ...2 !

د.حميد بوحبيب  للمرة الثانية في تاريخ الدولة الوطنية الفتية، تلوح في الأفق بوادر توقيف المسار الانتخابي .في المرة الأولى، فعلها الجيش بمعية القوى التي تحالفت ضمن
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats