الرئيسية | الوطن العربي | كليجا (بريدة) بالقهوة (النجفية)

كليجا (بريدة) بالقهوة (النجفية)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 السيد أحمد العلي النمر

 

في بهو أحد الفنادق التي بنيت حديثا في النجف الأشرف يتجمع عدد من الزوار الشيعة من جنسيات مختلفة – وعلى غير موعد - بعد انتهائهم من مراسم الزيارة والعبادة لتبادل أطراف الحديث , وبالطبع لا يخلو المجلس من المكملات الرئيسية , شاي , قهوة , حلوى , مكسرات ...الخ , التي في العادة يتبرع بها الجالسون وتأتي متنوعة كتنوع جنسياتهم .... وفي واحدة من تلك الجلسات قام احد الزوار بتقديم (كليجا) :- وهي حلوى شعبية تشتهر بها مدينة بريدة احضرها معه من بلاده , ليغتنم احد الظرفاء الفرصة ويعلق قائلا :- ما شاء الله ... كليجا بريدة بالقهوة النجفية !!

 والنجف بمفهوم بعض السلفيين المتشددين واحدة من أهم حواضر (الرافضة) التي يشدون الرحال إليها ليمارسوا فيها طقوسهم الشركية ويطوفوا بقبر إمامهم علي بن أبي طالب (ع) ويلتقوا بمراجعهم الكبار الذين يُزينون لهم هذه العقائد الباطلة ؟! ولذلك فإن زيارة احد أتباع التيار السلفي لها يُعد من الكبائر , إلا إذا كانت بغرض التفجير والإبادة الجماعية لأهلها فإنها حينئذ تصبح من اقصر الطرق لتناول وجبة مع رسول الله (ص) في جنان الخلد ؟!

 أما بريدة بمفهوم بعض المتشددين الشيعة فهي واحدة من أهم مناطق التطرف والتكفير , فهي مسقط رأس الكثير من زعماء التيار السلفي الذين يجاهرون بتكفير الشيعة ويدعون إلى استئصال شأفتهم وإراحة البلاد والعباد منهم , واليها ينتمي الكثير من الشباب المغرر بهم الذين ذهبوا إلى العراق بدعوى الجهاد , وإن من أهم الواجبات على الشيعي عند دخوله إليها العمل (بالتقية)  لأن فيها من (شُحن) من رأسه إلى أخمص قدميه بأن الرافضي اشد خطرا على الإسلام من الصهاينة والأمريكان ؟!. 

 إلا أن الواقع التاريخي للعلاقة الإنسانية بين النجف وبريدة يشير إلى عكس ذلك تماما , فمنذ زمن غير بعيد كان (العقيلات) وهم قبائل وأسر متحضرة من نجد و من بريدة بالتحديد, اشتهروا بالتجارة في المواشي والأغذية والملابس وحراسة قوافل الحج , وكانوا يزاولون تجارتهم بين الكويت والعراق وفلسطين ومصر وغيرها , وكانت النجف احد أهم المحطات التجارية في طريق رحلاتهم , ولم تكن النجف محطة للعبور والتزود بالمؤن فقط , بل كان العقيلات يحطون فيها الرحال ويستأجرون العقار للتجارة والإقامة , ويتعاملون مع أبنائها الشيعة الذين تعود أصول اغلبهم إلى القبائل العربية العريقة والذين لا يختلفون في كثير من طباعهم وسجاياهم عن إخوانهم العقيلات , ولابد أن يتخلل مثل هذه العلاقة زيارات منزلية متبادلة لا تخلو من الولائم ومجالس السمر والأدب ومناقشة الهموم المشتركة , ومن المؤكد أن العقيلات أثناء إقامتهم هناك شاهدوا القبة الذهبية الشامخة المقامة على ضريح أمير المؤمنين (ع) والتي تُشرف على المدينة بأسرها , وشاهدوا ذلك المقام الشاهق ببواباته الكبيرة الذي يتوسط مدينة النجف , وربما أناخوا رواحلهم المحملة بالبضائع تحت أسواره العظيمة , وليس من المستبعد أن يدخل بعضهم إلى داخل الضريح ولو من باب التقصي وحب الاستطلاع , وربما جاء وقت الصلاة ودخلوا كغيرهم لأدائها داخل المقام من دون أن يضايقهم احد , ولابد أنهم تعرفوا عن كثب على بعض الطقوس العاشورائية وشاهدوا المسيرات الدينية واستمعوا للنواعي الحسينية .

 وقد تطول إقامة العقيلات في النجف وقد تقصر تبعا لرواج أو كساد تجارتهم , ثم يعودون إلى بلدانهم سالمين غانمين لا متشيعين ولا ( متصفويين ), وقد يرافقهم في طريق العودة جماعة من النجفيين الشيعة بغرض التجارة أو الحج أو العمرة في رحلة لابد أن يعبروا خلالها ارض القصيم , وهناك ربما حلوا في بريدة ضيوفا على معارفهم من تجار (العقيلات) لبعض الوقت  قُبيل رحيلهم إلى وجهتهم , ومن ثم يعودون كذلك إلى نجفهم سالمين غانمين لا متسننين ولا (متوهبنين) , ولم يذكر التاريخ أن (مدا) شيعيا أو (جزرا) سنيا أو (غزوا فكريا) أو (غسيلا دماغيا) حدث بين سكان المدينتين المعروف عنهم شدة التمسك بأهداب الدين .

 ولم تكن القطيعة للنجف وغيرها من المدن العراقية وحرمان المسلمين من زيارتها إلا خضوع لإرادة سياسية فُرضت على الناس رغما عنهم , وليس للدين أو المذهب أو الطقوس العبادية أو العرق أو اللون دور في تلك المقاطعة , لان العلاقة بين الشعوب أسمى من هذه الادعاءات الفارغة التي لا يراد منها إلا زيادة البغضاء والقطيعة بين المسلمين .

 ومما يبشر بالخير للجميع أن المستقبل القريب سيكون خلاف رغبة دعاة التطرف والانغلاق , فقد حطت في الأسبوع الماضي أول طائرة ركاب سعودية في مطار النجف قادمة من مطار الدمام تحمل 165 راكبا سعوديا , وهذا يعني انه قد تقلع في المستقبل القريب – إذا اقتضت المصلحة السياسية- طائرات أخرى من مطارات المملكة إلى مطار النجف وبالعكس , وربما يكون من بينها مطار القصيم الذي تقع بريدة ضمن نطاقه , والذي لو حدث فإنه حتما سيؤدي إلى إحياء علاقة تاريخية انسانية عريقة غيبها النسيان بين أحفاد العقيلات وأحفاد أصدقاء أجدادهم من أبناء النجف .... وليس ذلك على الله ببعيد ... فقد يجمع الله الشتيتين بعدما *** يظنان كل الظن أن لا تلاقيا .

 

 

8-5-2013

 

 

 

شوهد المقال 1914 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats