الرئيسية | الوطن العربي | ماذا يحدث في سوريا..؟

ماذا يحدث في سوريا..؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نايب بن ربيع بيت مبروك-
 
لا أدري بأي لغة أنطق وأتحدث، ولا أعرف بأي لسان أصوغ الجمل والكلمات، ولست أدري كيف تطاوعني الحروف والمفردات، عندما أتأمل ما يحدث ويجري في سوريا أتساءل، هل تستحق الحرية أو الديمقراطية كل ذلك القتل والدمار والنزيف؟ وهل يستحق الاستبداد والقهر والظلم كل ذلك التقدير والكرامة والإخلاص؟ أليست سوريا تقف على شفير الهاوية والفناء الإنساني، اليست الإنسانية إنسانًا، والوحشية حيوانا؟ أليست الصورة أبلغ من كل كلام؟ والأحداث الدامية في سوريا أفصح من كل صوت وبيان، قد تعتل الحواس وتختل وظائفها وقد يلين العظم ويتعرض للكسر وقد يضعف الجسد ويصيبه السقام؛ كل ذلك هين وإن كان ليس بهين ولكن أن تختل الإنسانية وتعتل القيم وتهون الموازين فقد صدق الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد عندما قال: كل شيء في الحياة الإنسانية هين إذا هان الخلل في موازين الإنسانية وإنّها لأهون من ذلك إذا جاوز الأمر الخلل إلى الانعكاس الأحكام وانقلابها من النقيض إلى النقيض.. 
والسؤال الذي أطرحه، هل ما يجري في سوريا سببه الإفلاس في عالم الإنسانية والضمير والقيم؟ أم هو انعكاس لما آل إليه حال الإنسانية والإنسان والقيم؟ وإذا كانت سوريا تدرك كل ذلك فبأي إحساس عبرت شواطىء الإحساس، وبأي ضمير أو نزعة تجاوزت المشاعر وقطعت مسافة الأشواط الأخلاقية، ومما يبدو أنّه قد هان كل شيء، الإنسان والوطن والكرامة والضمير والذوق والتذوق والجمال والدين والقيم، وانعكست فيها المبادىء، الشيء الذي يدعو إلى الرثاء، فالمشهد أصعب من أن يشاهد والعلة أصبحت داء يصعب معه العلاج أو الدواء، فالجسد قد استفحل فيه الوباء وأصابه الهزال، والغذاء منقوص والروافد مسها الوهن والعجز، وأصابها الضعف والخذلان، والفكر أتلفه الإعياء والقدرة مشلولة، فكيف تستكمل هذه الأجساد الشفاء وتسترد العافية وعناصر الغذاء المفيدة والمطلوبة مفقودة وصلاحيتها منتهية، وإن وجدت فإما ملوثة أو فاسدة، فالصراع في سوريا صراع  مخيف والجرح غائر والنزيف حاد يمتد طولا وعرضا بامتداد مساحة الكرة الأرضية يقتات على الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ، ويزهق أرواح الشباب، ويقضي على بقايا الحياة الإنسانية، إنّ المشاهد مخيفة ومخزية ومرعبة للقتلى في سوريا الذين تناثروا في كل الشوارع والأزقة والطرقات، والجرحى لم تعد تحتملهم المراكز الصحية والمستشفيات، ناهيك عن الذين دفنوا تحت الأنقاض والمباني والعمارات، بعيدا عن الذين فروا بأرواحهم وأطفالهم ونسائهم وصاروا عرضة للضياع والغربة والشتات، وآخر إحصاء لعدد القتلى في سوريا بلغ تسعون ألف قتيل هذا ما ذكرته قناة العربية نقلا عن مهاتفة بين وزير الخارجية الأمريكية الجديد جون كيرى ووزير الخارجية السعودية سعود الفيصل، إنها المأساة المؤلمة والمهزلة، والمهزلة والمأساة الكبرى وإذا ما استوقف الإنسان هذا المشهد العنيف نقولها لمصلحة من كل هذا القتل، ومن هو المستفيد من إراقة هذه الدماء البريئة، أهي لمن يطالب بالحرية السلمية، هل هي لمن يعتقد أنه حر في وطنه ؟ ويطلب حقا من حقوقه، ان الحرية جزء من قيمة الإنسان ومن كرامته، وإن كرامة الإنسان في وطنه كرامة للوطن ورفعة للإنسان، وليت العالم يدرك أنّ الحرية مشروعة، وحق من حقوق الإنسان، وحقيقة لا ينكرها إلا مستبد تقوده شهوة الاستعلاء وحب الذات ونكران الآخر والاستئثار بالسلطة التي لا تخضع لموازين العدالة والحق ولا تحكمها قيم أو ضمير وقد غلب على أهلها شهوة يطلبها أصحاب الغرائز العارمة الذين لا يقبلون معها بالتنازل عن عرش الخلافة الخالدة حتى ولو كلفهم ذلك مصير شعب ونهاية أمة، فالعجز الروحي أنكى من عجز الحواس المشلولة وأضعف من أن يقاوم المرض العضال الذي استفحل واستشرى في الجسد وأصبح داءً يستحيل معه العلاج إلا بالبتر أو الموت وتحول إلى عاهة مستدامة وصار جزءا لا يتجزأ من فكر ومعتقد يؤمن بالخلود لأصحابه، ولا يؤمن بالحقوق أو المساواة لأحد غيره، والسؤال إلى أين تمضى سفينة سوريا الغارقة؟ وما هو الاتجاه الذي تقوده ويقودها؟ وإلى متى سيظل النزيف بلا توقف، إنّ المشاهد للأحداث يلحظ أنّ سوريا تتنفس على عجل وفي جو فكري ومعنوي خانق وأن غذاءها ووقودها النفسي والاجتماعي والعقلي والعاطفي رديء، وأشد رداءة من الجثث المتعفنة، وأنّ الأنفاس التي تلتقطها ملوّثة وعفنة و كريهة، وأنّها ليست عناصر النشاط والحيوية والقوة كما تظن وتعتقد، بل إنّ ذلك السموم والتلوّث الذي طرأ عليها سيجعلها معرضة للمزيد من الضوضاء والفوضى  والانتقام من شعب لا يطلب إلا الكرامة والعزة والحرية، فالقابلية للدفع نحو الشر قد استجابت والمتربصون بها يتواثبون حولها وفوقها ليحققوا نصرًا ومكسبًا لم يكلفهم أي مشقة أوجهد، إنّ تلك المآسي ستعقبها نتائج مزلزلة عندما ينفخ في روحها غير المصلحين، فأي حضارة فكرية متواضعة هذه، وأي عقلية تلك التي تمتلك هذا النوع من الاستخفاف تخترق به جدران الحرية والقيم والإنسانية والضمير، وأي حرية أو ديمقراطية تجرد الإنسان من إحساسه بقيمته الإنسانية، وقيمه ومبادئه الأخلاقيّة، وأي نظام فى الكون يقر الظلم والاستبداد ولا يقاوم البغي والفساد والظلم، إن الإنسان الذي لا يملك القدرة على التغيير في ذاته فإنه يعجز من أن يحدث تغييرًا في غيره وفي معتقداته وسياساته، وهكذا من فقد الإنسانية يفقد معها الإحساس والضمير و من يفقد المشاعر يفقد القدرة على الإحساس ويبتعد عن مقومات ومعالم الطريق القويم، لذلك لا تستقيم القيم في نفوس خارت وتهاوت ونخر السوس في عظامها ولا يستقر الخلق في قلوب أهلها التي استلذت الشهوة وحب الذات والأنانية، النهج والإصلاح، إنّ الفساد والظلم لا يراعى في وظيفته الشرع ولا يملك القدرة ورفع راية الحق ولا يستطيع أن يكون نموذج إلا للفساد والانحراف، ناهيك عن أن يخدم الرسالة الإسلامية فالعوج في هذا النوع من السياسات يقود إلى النزعات والعصبيات والمزيد من التفرقة والطبقيات، فالظلم لا ينتج عنه إلا الاستبداد  ولا يخلق أجيالا آفاقها الإبداع ومثالها الرجال الأقوياء والعظماء، ولا يمكن للظلم أن تتطهر نجاسته وينسف ضلاله من أي مجتمع إلا بمقاومته وسحقه وإزالته، وحق المظلومين أن يدفعوا عن أنفسهم الظلم والقهر والاستبداد بأي شكل من الأشكال وأي نوع من أنواع المقاومة، ويدافعوا عن كرامتهم وحريتهم المسلوبة، ولا يرضون لحياتهم القيد والذل والضعف والأغلال، فهل يمكن لأي شعب من الشعوب العالم أن يقبل بإهانته واستضعافه وإذلاله؟ وهل استسلم شعب في يوم من الأيام لجبار أو طاغية يقتل أمته ويستبيح دماءها دون أن يجد أدنى معارضة أو مقاومة، وأن يبلع فى خوف ورعب طموحاته ومستقبله وآماله، وسوريا أمة استشاط زحام رمادها عندما جد الجد وآن الأوان انتفضت كغيرها من بقية الأمم ووقفت في وجه البغي تبتغي حقا لا تستجديه وعدالة تنشدها، فأي ضير أو بأس في ذلك، ها هي تصارع وتقارع قوة عاتية منذ عامين وحدها تنتفض وتقاوم؛ وبالرغم  من كل المشاهد الدامية إلا أن العالم يقف كأي مشاهد أو عابر سبيل لا تتحرك في دمائه نفحة من نبض أو إحساس أو شعور فيما يراه ويشاهده، ولم يهتز فى جوفه غضب أو سخط للضحايا والأبرياء، ويكتفى بالوعود ولا شيء غير الوعود فقط، إنها مصيبة وأي كارثة بحق الشعب السوري البريء الذء يكافح وحيدًا من أجل حريته وأحراره وكرامته، وإنه لمن العجيب أن تعجز كل الدول القريب منها والغريب ولا تثور لمساعدة شعب يموت ويحترق ويحترق وهو يموت  إنّها معركة حزينة لهذه الأمة التي لم يندي جبينها للذل والعار الذي اختلت فيه موازينها، وليتها وقفت عند ذلك الحد من الخلل وإنّما تجاوزته وشملت برعايتها وفكرها تربيته وحضانته ولم تعد قادرة على فطامه أو نسيانه، هكذا هو الاستبداد في كل أشكاله وألوانه يضيق بأهل الفكر واليقظات العقلية ويزعم أنّه يصنع الحرية ويخلق الأحرار، وأمله ألا يرى حرًا يتنفس أو ليلا يعسعس أو ضياءً مشمسا، لكنّ الحرية أثمن وأغلى من كل سجن وقيد، ومن يطلبها عليه أن يدفع الثمن باهظًا ويقبل بالتكاليف وبالتضحية والأعباء، والنصر لا يأتي جزافًا، والحرية والعدل والمساواة لا تعطى هباءً وإنما بالجهد والعمل، والأمة السورية دفعت الثمن ولازالت في الميدان تدفع وتدافع وتقدم الضحايا كل يوم بالعشرات وبالمئات وتقترب من النصر شيئًا فشيئًا وخطوة خطوة   وستنتصر بإذن الله تعالى، ومهما طال أمد هذه المعركة وتأخر النصر واشتدت الفتنة، وازداد البلاء والابتلاء قسوة وعنفًا، وحلك ظلام الليل فإنّ المؤمن يبقى مطمئنا وواثقا من نصر الله تعالى، ويدرك إن عاجلا أو آجلا أنّ الفرج قريب وما النصر إلا من عند الله، وفي النهاية نختم بقول الشاعر أبوالقاسم الشابي: 
ولابد لليل أن ينجلي
 ولابد للقيد أن ينكسر  
  
 
جريدة الرؤية العمانية  

شوهد المقال 2683 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اطلقوا سراح معتقلات مستغانم ـ بلجيلالي حسنية ، بن عومر فاطمة ، حنان بشكات

عين الوطن 1.بلجيلالي حسنية: متزوجة و أم لأطفال،أحدهم يحضر لشهادة البكالوريا من هذه السنة،تنحدر من أسرة مناضلة معتقلة مع أخيها،مناضلة شرسة لم تتخلف عن
image

شكري الهزَّيل ـ اشكالية الفلسطيني و"الفلسطرائيلي" !!

د.شكري الهزَّيل كثيرة هي المطبات الوطنية التي وقع او تعثر بها المسار التاريخي الفلسطيني منذ اغتصاب فلسطين واحتلالها عام 1948 وحتى يومنا هذا والحديث يدور
image

وجيدة حافي ـ ما محل الثقافة من الإعراب

وجيدة حافي  دائما ما نكتب في السياسة والإقتصاد، ونهتم بالواقع المُعاش للمُواطن العربي وننسى مجالا مُهما وقارا في بُلداننا، لأنه الوسيلة التي تُبين مدى وعينا وفهمنا
image

بشير البسكري ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير البسكري  لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..
image

علاء الأديب ـ الدمى لاتحب بالمجان

علاء الأديب رفض والده أن يشتري له الدمية التي أحب لكنه أصر عليها.. عندما سمعها تقول أحبك أحبك أعجبه ذلك الصوت المنساب من شفتيها كاللحن
image

فضيلة معيرش ـ سليمان جوادي شاعر تنحني له هامات الإبداع

فضيلة معيرش وجدت في قصائده فيضا من بهاء الحرف ، وزادا معتبرا يبهج ذائقتي الباحثة عن الجمال والاختلاف . شعره يدور في فلك التميز ويرسم مداره
image

محمد محمد علي جنيدي ـ يا أيُّها المُحْتَلُ

محمد محمد علي جنيدي        يا أيُّها المُحْتَلُ أرْحَلْ عن بِلادِي فأنَا سَئِمْتُ العَيْشَ مَكْتُوفَ الأَيَادِي لا يَحْمِلَنَّ الزَّهْرَ سَفَّاحٌ يُعَادِي أنت العَدُوُّ فَوَارِ وَجْهَكَ
image

ناصر جابي ـ مستقبل الجزائر في الحراك والمشروع المغاربي

د. ناصر جابي  نعم مستقبل الجزائر يتوقف على هذين المشروعين الكبيرين، القبول بمطالب هذه الثورة السلمية، التي سميناها تواضعا حراكا، لإعادة ترتيب الأوراق الداخلية،
image

جباب محمد نورالدين ـ هكذا خاطبتنا فرنسا عبر قناتها M6

د.جباب محمد نورالدين لم يشد انتباه فرنسا، ملايين النساء الجزائريات المتعلمات الحاملات للشهادات الجامعية العليا المكافحات في التعليم في الصحة في الإدارة في
image

وليد عبد الحي ـ السيناريو السعودي المحتمل: نظرة تمهيدية

أ.د.وليد عبد الحي يغلب على الدراسات المستقبلية في تنبؤاتها الخاصة بالظواهر الاجتماعية والسياسية تحديد المستقبل من خلال ثلاثة سيناريوهات هي: بقاء الوضع الراهن أو التغير النسبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats