الرئيسية | الوطن العربي | قناة السويس.. إضافة لا تهديد

قناة السويس.. إضافة لا تهديد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أحمد بن محمد العامري-
 
تعد قناة السويس - وفقًا لخبراء النقل البحري- أهم شريان مائي للتجارة العالمية بين الشرق والغرب، وأهم طريق مائي تسلكه حركة التجارة بين الشمال والجنوب، وهذا ما كانت تستهدفه الشركة الفرنسية التي بادرت بحفر القناة، وقد أضافت قناة السويس أهميّة استراتيجية لمصر منذ افتتاحها عام 1869، حيث غيّرت من مفهوم علاقاتها الدولية في الجوانب الاقتصادية والسياسية، لما يمثله هذا الإنجاز البشري من أهميّة عالمية، حيث قال المؤرخ الأمريكي البروفيسور هالفورد هوسكينز: (لم يؤثر عمل إنساني مادي على علاقات الأمم بالقدر الذي فعله شق قناة السويس، إذ من الصعب أن نتصوَّر إنجازًا آخر في حدود القدرة البشرية يمكن أن يغيّر أوضاع الطبيعة أكثر منها، فبعملية "جراحية" جغرافية بسيطة، تمَّ اختزال قارة بأكملها هي إفريقيا. القناة أعادت وضع مصر، والمشرق العربي في قلب الدنيا وجعلتها بؤرة الخريطة العالميّة) ولكن في الوقت نفسه زادت هذه الأهميّة من الأطماع الاستعمارية، لاسيما أن إنشاء القناة تزامن مع استخدام البخار لتسيير السفن؛ الأمر الذي قضى على المصاعب التي كانت تكتنف الملاحة بواسطة السفن الشراعية في البحر الأحمر، وقيام الثورة الصناعية في أوروبا، والتي رافقها توسع استعماري أوروبي في آسيا وإفريقيا؛ بحثًا عن المواد الخام للصناعة، وبحثًا عن الأسواق للصناعات، ولم يكن من الممكن الوصول إلى تحقيق ذلك إلا مع استخدام قناة السويس، التي وصل عدد السفن التي عبرتها في العام الأول لافتتاحها إلى عشرة آلاف سفينة، وزادت أهميتها أيضًا مع عصر اكتشاف النفط بكثافة في المنطقة العربية، وحاجة دول أوروبا والولايات المتحدة الشديدة لهذه الطاقة؛ وهكذا احتلت القناة أهمية كبيرة باعتبارها أهم القنوات والطرق المائية على الإطلاق، ولكن عقب الربيع العربي الذي هب على مصر في 25 يناير 2011 وفوز الإسلاميين في انتخابات حرة ونزيهة وظهور بوادر مشروع نهضوي مصري يحقق رفاهية شاملة، حاول بعضهم أن يتبنى وجهة نظر مغلوطة مفادها أنّ نهضة مصر في جانبها الاقتصادي تمس بعض دول الخليج، وتشكل تهديدا لموانيها وللخدمات اللوجستية التي تقدمها تلك الموانئ !! وهنا لابد من التنبيه بأنّه ليس من مصلحة أي من دول الخليج العمل على عرقلة جهود نهضة مصر.. فمصر على مر الزمان كانت صمام أمان لدول الخليج والعالم العربي، كما أن اقتصاد مصر القوي يعد فتحًا استثماريا لرؤوس الأموال الخليجية، وفي نظري أن قناة السويس إضافة حقيقية لا مهددا للموانئ الخليجية بل على العكس كلاهما مكمل للآخر، وقد يرفع هذا المشروع القدرة التنافسية بين الموانئ لتقديم خدمات أفضل مما تقدمه الآن، حيث تشير الإحصائيات إلى أنّ حجم سوق النقل والخدمات اللوجستية في منطقة الشرق الأوسط يقدر بحوالي 35 مليار دولار بنهاية 2012، محققًا نموًا يزيد عن 10% مقارنة بالعام الماضي، ودول الخليج تلعب دورًا مهمًا في نمو هذا القطاع على المستوى الإقليمي، إذ تستحوذ على 27 مليار دولار من سوق الخدمات اللوجستية، وهذا السوق سيتوسع وينمو عند تشغيل قناة السويس بطاقتها القصوى، ولن تخسر أو تتضرر موانئ الخليج؛ بل عليها منذ الآن السعي لعمل اتفاقيات تكاملية مع مصر، تجعل من حركة النقل والخدمات اللوجستية مشروعا متكاملا في المنطقة. كما أنّ المشاريع التي سوف تقام على ضفاف القناة سوف تنعش حركة النقل البحري والخدمات اللوجستية في الخليج والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وتنقل مصر و المنطقة لبعد اقتصادي جديد، فقد ذكر مهاتير محمد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق في رسالة إلى شعب مصر عبر صفحته بالفيسبوك؛ مفادها (اعلموا أنّ مشروع ممر قناة السويس هو مشروع القرن الـ 21 لمصر اقتصاديًا، ولن يستفيد منه المصريون فقط، بل والعالم أجمع سيستفيد منه، أنتم أمام مشروع ضخم يوازي حفر قناة السويس من جديد، أنتم مقبلون على ثورة اقتصادية حقيقية، وعلى الجميع التكاتف من أجل نجاح ثورتكم).
لاشك بأنّ هناك استعداء واضح للعيان لمشروع نهضة مصر حيث عبّر عنه المفكر الأمريكي نعومي تشومسكي في ندوة له بجامعة كولومبيا منذ فترة متحدثًا عن الثورة المصرية بقوله: (إن مصر تواجه ظروفا سياسية وتحديات صعبة وخصوصا دعم بعض الدول العربية لبعض عناصر المعارضة للنظام السياسي)، وحقيقة هذا أمر مقيت ومؤسف أن ثبت تورط بعض الدول في هكذا أمر و التاريخ لا يرحم. وأكد المفكر تشومسكي في ختام الندوة بأنّّ النظام المصري (إذا تمكّن من تنفيذ هذا المشروع العملاق في منطقة السويس، فإنّ مصر ستنتقل إلى مصاف الدول المتقدمة اقتصاديا)، وكذلك هذه التحديات تظهر جليًا في البيان الذي ألقاه عضو مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية النيوي السيناتور مارك كيرك الذي حذر من نهضة مصر على يد الإخوان، وربط تلك النهضة القادمة بتهديد أمن إسرائيل وحذر من تقارب مصري إيراني قد يهدد (معاهدة كامب ديفيد) ودعا في بيانه أمام الكونجرس الإدارة الأمريكية لدعم الليبراليين في مصر. وهذا ما استهجنه حقيقة، كيف يغيب عن ذهن المعارضة في أرض الكنانة أهميّة نماء مصر، ورفع المستوى المعيشي لأبنائها وخلق فرص عمل للآلاف من العاطلين عن العمل، جراء تنفيذ مشروع قناة السويس.

 
جريدة الرؤية العمانية ..
 

شوهد المقال 1761 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ القاضي سعد الدين مرزوق (لا قضاء ولا محاماة..دون استقلالية عن السلطة التنفيذية ..!!

د. حكيمة صبايحي  إذا كان ارتداء جبة القضاء والتنسك بمحرابه المقدس وتصريف رسالة العدل السامية والسماوية في الأرض شرف ما بعده شرف ، فإن الافوكاتية التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ مشروع الدستور حماية الدولة من نفوذ موظفيها حماية الدولة من النفوذ الخارجي

د. عبد الجليل بن سليم  للمرة الخامسة أعيد قراءة مشروع الدستور المطروح لاستفتاء يوم الفتح من نوفمبر المقبل و حاولت أن أقنع نفسي بان هدا الدستور
image

مرزاق سعيدي ـ بعيدا عن الرؤية بعين واحدة..

مرزاق سعيدي  لماذا يتعلق الجزائري بالمتغيّر وليس بالثابت، في الغالب، ويركز على الآني وليس على الإستقرار، ويستثمر في الكماليات وليس في الضروريات، ويجري خلف سيّارة جديدة،
image

زهور شنوف ـ الأرض والشعب يحتاجان للحرية في الجزائر

زهور شنوف   النائب الذي استقال من اجل خيار الشعب في السجن، الصحفي الذي اصر على اداء واجبه الوظيفي بأمانة تجاه الشعب في السجن، القاضي الذي انتصر
image

عثمان لحياني ـ ونوغي..عض الأصابع

عثمان لحياني  على اقتناع تام أن ما كان يقوم به العربي ونوغي كمدير لوكالة النشر والاشهار، هو جهد شخصي وتصور نابع من مزاج ذاتي وليس سياسة
image

رشيد زياني شريف ـ من ثمرات الحراك الجزائري المباركة، جامعة بورشات للأعمال التطبقية

د. رشيد زياني شريف  ما حققه الحراك من حيث الوعي يفوق مئات المحاضرات الراقية والحوارات السياسية المفعمة والخطب البلاغية العصماء والمقالات الموثقة، بل أصبح الحراك أكثر
image

نجيب بلحيمر ـ مخلفون

نجيب بلحيمر  إعلان بعض الأحزاب السياسية تصويتها على "الدستور" بـ "لا" يعبر عن قناعتها باستمرار توازنات ما قبل 22 فيفري، وحتى إن كانت الأحزاب قد عجزت
image

جلال خَشّيبْ ـ قراءة في كتاب " "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ : "رؤيةً من الصين"

د. جلال خَشّيبْ  حصلتُ أخيراً على هذا الكتاب القيّم والجديد (2020) "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ، الذّي أعددتُ سابقاً ملخّصاً لدراسة مُطوّلة كُتبت عنه
image

محمد نايلي استاذ في عمر 71 سنة معتقل بسجن العوينات ولاية تبسة ..الجزائر الجديدة

التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي‎  عمي #محمد_نايلي أطال الله في عمره الإنسان الطيب الاستاذ المحترم صاحب ال 71 سنة قابع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats