الرئيسية | الوطن العربي | سلطنة عمان :من كتاب ياسمين على الغياب ( من سعيد الهاشمي إلى صديقه سالم خميس )

سلطنة عمان :من كتاب ياسمين على الغياب ( من سعيد الهاشمي إلى صديقه سالم خميس )

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الحب مؤنس السجين المخلص، عباءته الصوفية الدافئة. أما السؤال فهو سلامه ويمامه الصدوق. من حُبٍ وسؤال تَدخل إلى هذا العالم الصغير الكبير؛ صغير المساحات كما أراد السجان، وكبير المضامين كما أردت أنا، وهو ما أريد، لا ما يأمر هو، أمره النسبي، إرادتي هي المطلق.
أفكر فيك هذه اللحظة وأنت يتيم إلا من ذاتك الهائلة وحبك الكبير. فجعناك يا صديقي مرة واحدة، لا على دفعات. أعرف عمق الجرح النازف في داخلك الآن، أدرك النسيم المفقود الذي يوسع رئتيك، أحس بتلاحق أنفاسك في ميادين التفاصيل التي لا تطيقها. أنت صديق الأفكار المحلقة، وحبيب الفراشات الحرة، وصاحب الغيمات، والكلمات، والمعنى.
هنا، لا زمان أعرفه إلا ما أفكر فيه، ولا مكان أدركه إلا ما يقطنني. هنا أنت معي رفيقٌ للحياة وتعرجات الألم، للمساحات وإحداثيات الأمل، وأنت الخبير في الزوايا والحدود لا تعرف للحياة إلا المزيد من الحرية والانطلاق. أتخيلك تنظر إلي من علٍ وسقف زنزانتي هذه مفتوح، ترسم خطوط الطول بأصابعك الطفولية البريئة، وتأتي على دوائر العرض بعينيك الخلاسيتين لتضفي على من يقبع وحيداً في الصورة أسفل منظارك، مزيداً من جمالك وكثيراً من صفاء طويتك.
طفولتك اللاهثة وراء المسؤولية السريعة أورثتنا النضج والتريث عندما جئنا للعشق متأخرين، وحفرك الدؤوب أسفل كل مألوف علمنا التمتع بالريح والحلوى. سعيك المضني تجاه أناك التي ترغب في إدراكها أفهمنا من نحن، وماذا نريد، ومتى نتوقف، وهل نعرف حقاً، وكيف نحب، وأين نجد عندما نفقد.
اليوم تفصلني عن أحاديثك جُدر ومفازات، لكن دوي أسئلتك حاضر وبشغف، أستمع إليه، أتلذذ بمجادلته، وألون السحاب بعلبة ألوانك التي أحب. يا لك من مخلص فحتى هنا تأبى إلا أن تحاورني لتعرف،لأعرف، لتعرف الحياة ما نحن فاعلون أثناء مرورنا القصير، والقَلِق، والعابر.
أمرٌ مهم أريد أن أشاركك إياه في هذه اللحظة، هو فرحي وسروري بحالة التفاعل التي يمر بها الإنسان في وطننا؛ التحرك إلى مواجهة ذاته المهملة، الاستعداد من أجل غدٍ يمثله ويمثل أحلامه، وقدرته على الاعتراف بخيباته وانكساراته. إنها فارقة هذه اللحظة يا صديقي، لأنها تكسر الصورة المزيفة التي وضعها الإنسان لنفسه، وهذا هو المهم، لا النظام، ولا المجتمع، ولا حتى القادم بإمكانه التأثير على الإنسان المنتصر لذاته، بل هم جميعاً سينقادون لإرادته، ولرؤيته، ورؤياه. ستقول أني مفرط في التفاؤل. فليكن. ومن نحن بدون تفاؤل وأمل، وما هي حياتنا من غير خير وجمال، وكيف هو حال وطننا بلا حلم وحب. هذا ما نملكه. هذا ما سيكون ملكاً للعموم بعد حين قصير، هذا ما سيصير وعياً، متى ما آمنا به وبقدرته على النفاذ إلى الأرواح.
أرى قوة المستقبل في ضعف السجان، وأشم رائحة التغيير في خسة المحقق، وألمس إشراقة الغد في رعونة السلطة. ليس هذا عزاء لنفسي، لكنه واقع أراه الآن وأعيشه مع من وضعوني في هذا المكان، حيث تنكشف الحجب وتنجلي الغشاوات مع أنعم نسمة، حيث التأمل سيد هنا، والتفكر ملك مُتّوج.
وحدتك التي أعرف ثقيلة ومالحة،لكنها ضرورة، لأنها موصل جيد لحرارة الأشواق، عاكس صادق لبياض الروح، وحتى لو أدركنا العرفان متأخرين؛ فهذا ما يعول عليه، وخاصة مع من أدرك عبثية المشهد باكراً كنفسك الكاشفة لمعادن البشر، وخِلال الصفات.
ستبقى هكذا يا صديقي، خيط ضياء حر، لا يستوعبه قنديل، ولا تتحمله النفوس المتعبة من العبودية والحاجة. ستبقى لواحد مثلي حقل ثلج وبستان يقظة في وسط الواحات المقفرة المنسية، أستمتع ببياضها وبطفولتها الأبدية.

26 يونيو/ حزيران 2012 ، زنزانة رقم ب/6 – السجن المركزي بسمائل.
 
 
 
الشكر الخاص لصفحة معتقلي الرأي في عمان 
 
 https://www.facebook.com/pages/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%82%D9%84%D9%8A-%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%86/221280841269882

شوهد المقال 1836 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ القاضي سعد الدين مرزوق (لا قضاء ولا محاماة..دون استقلالية عن السلطة التنفيذية ..!!

د. حكيمة صبايحي  إذا كان ارتداء جبة القضاء والتنسك بمحرابه المقدس وتصريف رسالة العدل السامية والسماوية في الأرض شرف ما بعده شرف ، فإن الافوكاتية التي
image

عبد الجليل بن سليم ـ مشروع الدستور حماية الدولة من نفوذ موظفيها حماية الدولة من النفوذ الخارجي

د. عبد الجليل بن سليم  للمرة الخامسة أعيد قراءة مشروع الدستور المطروح لاستفتاء يوم الفتح من نوفمبر المقبل و حاولت أن أقنع نفسي بان هدا الدستور
image

مرزاق سعيدي ـ بعيدا عن الرؤية بعين واحدة..

مرزاق سعيدي  لماذا يتعلق الجزائري بالمتغيّر وليس بالثابت، في الغالب، ويركز على الآني وليس على الإستقرار، ويستثمر في الكماليات وليس في الضروريات، ويجري خلف سيّارة جديدة،
image

زهور شنوف ـ الأرض والشعب يحتاجان للحرية في الجزائر

زهور شنوف   النائب الذي استقال من اجل خيار الشعب في السجن، الصحفي الذي اصر على اداء واجبه الوظيفي بأمانة تجاه الشعب في السجن، القاضي الذي انتصر
image

عثمان لحياني ـ ونوغي..عض الأصابع

عثمان لحياني  على اقتناع تام أن ما كان يقوم به العربي ونوغي كمدير لوكالة النشر والاشهار، هو جهد شخصي وتصور نابع من مزاج ذاتي وليس سياسة
image

رشيد زياني شريف ـ من ثمرات الحراك الجزائري المباركة، جامعة بورشات للأعمال التطبقية

د. رشيد زياني شريف  ما حققه الحراك من حيث الوعي يفوق مئات المحاضرات الراقية والحوارات السياسية المفعمة والخطب البلاغية العصماء والمقالات الموثقة، بل أصبح الحراك أكثر
image

نجيب بلحيمر ـ مخلفون

نجيب بلحيمر  إعلان بعض الأحزاب السياسية تصويتها على "الدستور" بـ "لا" يعبر عن قناعتها باستمرار توازنات ما قبل 22 فيفري، وحتى إن كانت الأحزاب قد عجزت
image

جلال خَشّيبْ ـ قراءة في كتاب " "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ : "رؤيةً من الصين"

د. جلال خَشّيبْ  حصلتُ أخيراً على هذا الكتاب القيّم والجديد (2020) "القيادة وصعود القوى العظمى" للبروفسور الصيني يان شيتونغ، الذّي أعددتُ سابقاً ملخّصاً لدراسة مُطوّلة كُتبت عنه
image

محمد نايلي استاذ في عمر 71 سنة معتقل بسجن العوينات ولاية تبسة ..الجزائر الجديدة

التنسيقية الوطنية للدفاع عن معتقلي الرأي‎  عمي #محمد_نايلي أطال الله في عمره الإنسان الطيب الاستاذ المحترم صاحب ال 71 سنة قابع

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats