الرئيسية | الوطن العربي | ماذا... لو لم يُقتل الحسين ؟!

ماذا... لو لم يُقتل الحسين ؟!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بقلم : د. نجيب بن خيرة
على هامش المؤتمر الأول للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي انعقد باسطانبول عام 2006 التقيت بالشيخ (آية الله محمد علي التسخيري )رئيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية ، ونائب وعضو مجلس أمناء الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وحدثته عن فكرة ظلت تراودني زمنا طويلا ، وهي محاولة صياغة أحداث التاريخ الإسلامي وفق منهج وسطي معتدل يرضي جميع طوائف المسلمين وخاصة منهم الشيعة و السنة ...مع التركيز على فترات العصور الإسلامية المتألقة التي تكامل فيها دور العرب و العجم ، في الإدارة و العلم و الجهاد ، وتجمعت فيها ثقافة الوحي الوسطية بعيدا عن الخلافات الجانبية لكل فرقة ومذهب ...
فسُرّ الرجل بالفكرة ، واعتبرها امتدادا لسلسلة المشاريع التي يحرص مجمع التقريب على تحقيقها ..وقدمت بين يديه تصورا عاما للمشروع ، وقد حضر طرفا من الحديث الأستاذ الشيخ عصام العطار ـ حفظه الله وأمدّ في عمره ـ
ولكن بعد طول تأمل ونظر وجدت أن المشروع يستعصي على التحقيق ، ويصعب على التنفيذ ،وخاصة بعد أن وصلت جهود التقريب إلى طريق شبه مسدود ...
ورأيت أن حادثة واحدة فقط في تاريخ صدر الإسلام استطاعت أن تلقي بظلالها القاتمة على فترات متلاحقة من تاريخ المسلمين ، وطبعتها بالسواد و الفرقة و التمزق و الخصام .....وهي مقتل الحسين في كربلاء في اليوم العاشر من محرم من عام 61هـ .و التي صاغتها عبر تاريخ طويل أوهام الرواة ، وتلفيق الوضاعين ، وأباطيل الإخباريين ...دون تحقيق أو تنقيح ، بل غلب عليها الغلط و الوهم وهما للأخبار خير نسيب ..!.
لم يكن التشيع قبل كربلاء يعني إلا على أنه حب آل علي ، و الترضي عليهم ، والانتصار لهم في ما حدث من التخاصم بين علي ومعاوية رضي الله عنهما ...
ولكن فاجعة قتل الحسين سرت في أرجاء الأرض ، وبدأت أصداؤها الكئيبة تتردد في الآفاق ، ودويها المزعج يَطِنُّ في كل فَجْ ...فكانت مثار فتنة وقلاقل بقيت تهزُّ كيان الأمة الكبيرة أجيالا متلاحقة ...
ولا يشك مسلم عاقل منصف أن الحسين رضي الله عنه كان يحسُّ الخطر المحدق بحاضر الإسلام ومستقبله متمثلا في الطريقة التي آلت بها الخلافة إلى يزيد الذي لا يختلف اثنان على أنه كان شابا فاشلا ماجنا خليعا ....لا يُصان به دين ولا تقوم به دنيا ..!.
فكانت ثورة الحسين عليه حركة يثبت بها الإيمان وجوده ، ويحدد بها حياته ، ويرضي بها ربه.. !، بل إن هذه الحركة لم يكن منها بدٌّ لإعطاء المثل الرفيعة طاقة تسير بها بعد ما كادت أن تقف .
ولئن كان الحسين قد سار على غير خطة حكيمة أو حيلة ناجحة أو قوة مساندة فإن ذلك لم يكن مبررا أبدا لقتله ، وإهانة أهله ، وجعل من بقي منهم يمشون إلى يزيد يجرون قيود الهزيمة و الثّكَلْ ...!.
ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن يزيد وابن زياد عاملوا الحسين كمعارض سياسي رفض أن يبايع من لايراه أهلا للحكم ، ولا جديرا بالخلافة ..؟.
ماذا على يزيد لو ترك آل علي يُكوٍّنون حزبا آخر يصل إلى الحكم بانتخاب صحيح ، أو يحرم منه بانتخاب صحيح ؟!.
ماذا على الأمويين و العباسيين لو عاملوا معارضيهم من الشيعة على أنهم معارضون سياسيون فحسب ، ولم يضيقوا عليهم الخناق حتى جعلوهم يحيون في جوٍّ من الوجل و التوجس ، واستحيوا فيهم غرائز الخصام ، فراحوا يجمعون فلولهم في الظلام ، ويكتبون عقائدهم وفقهم وتاريخهم على نحو مخالف لجمهور الأمة ، وخلقوا لأتباعهم أجواء غريبة نمت فيها كثير من الأوهام والأساطير ...؟!.
إن قتل الحسين: هو الذي جعل البويهيين يحتلون بغداد سنة 334هـ ، وهم أول من أقام مجالس العزاء على قتل الحسين ، و اللطم عليه في الشوراع ، وشتم الأمويين ، والاحتفال بعيد الغدير ، وهو عيد يُلعن فيه الشيخان : أبو بكر وعمر ، و الخليفة الراشد عثمان ..لأنهم اغتصبوا السلطة من علي كرم الله وجهه ..!
قتلُ الحسين: هو الذي جعل الشيعة في بغداد يقتلون رجلا من السنة فيستنفر أهل السنة الناس للأحذ بالثأر ، فتجمعوا وأحرقوا مشاهد الشيعة ومنها ضريح الإمام موسى الكاضم ، ونهبوا ما فيها ،فردّ الشيعة على ذلك بحرق خان الفقهاء الحنفيين ( أتباع أبي حنيفة ) ،وقتلوا أستاذهم أبا سعد السرخسي .على نحو ما ذكر ابن الجوزي في كتابه " المنتظم ".
قتلُ الحسين :هو الذي جعل الوزير ابن العلقمي الشيعي يكاتب التتارَ ، ويُطمِعهم في أخذِ البلادِ ، ويسهل عليهم ذلك ، ويحكي لهم حقيقةَ الحال ، ويكشف لهم ضعفَ الرجال... ، فمال التتار على بغداد دار السلام و عاصمة الإسلام فقتلوا جميعَ من قدروا عليه من الرجالِ والنساءِ والولدان والمشايخِ والكهولِ والشبانِ ، ولم ينج منهم أحدٌ سوى أهل الذمةِ من اليهودِ والنصارى ، ومن التجأ إليهم ، وإلى دار الوزيرِ ابنِ العلقمي . كما ذكر ابن كثير في " البداية و النهاية ".
قتلُ الحسين: هو الذي جعل الفاطميين يستغلون تقـدُّم الصليبيين من الشمال، فتقدموا هم من الجنوب ودخلوا بيت المقدس وطردوا السلاجـقة منها قبل وصول الصليبيين إليها، وجرت مفاوضات بين الأفضل الجمالي الوزير العبيدي وبين الصليبيين على أن يكون شمال بلاد الشام للصليبيين وجنوبها للعبيديين، ونصَّب العبيديون افتخار الدولة حاكمًا على القدس.
قتلُ الحسين :هو الذي جعل القرامطة المتشعبة عن الإسماعيلية يهاجمون قوافل الحجيج فيعملون فيهم السلب و النهب و القتل ،حتى انتهى بهم الأمر إلى مهاجمة الكعبة المقدسة ، وأحدثوا في الحرم مجزرة مروعة حُصدت فيها رؤوس الطائفين و المصلين ، حتى هربوا من بطشهم إلى الوديان و الجبال ، فكان الناس يصيحون عليهم: أوتقتلون ضيوف الله ؟ فكان القرامطة يجيبونهم : إن من يخالف أوامر الله ليس بضيف له !، ورميت جثث القتلى في بئر زمزم ودفن الكثير منهم دون أن يُغسّلوا أو يُكفّنوا ..!.
وفي تلك الأثناء كان قائدهم أبو طاهر الجنابي يُنشد قرب الكعبة:
أنا بالله وبالله أنا ... يخلق الخلق وأُفنيهم أنا
وتوجه إلى الحجر الأسود وأصدر أوامره بإخراج الحجر ، فعمد أحدهم إلى فأس وبدأ يضرب الحجر به وهو يقول :" أين الطيور الأبابيل ؟، أين الحجارة من سجيل ؟" ، ولما قلعوا الحجر أخذوه ورحلوا إلى بلاد البحرين ، وظل الحجر بحوزتهم نحوا من اثنتين وعشرين سنة ، وبقي هذا الجرم وصمة عار مطبوعة على جبين القرامطة حتى آخر الدهر ..
قتلُ الحسين: هو الذي حوّل إيران بلد السنة الشافعية و الحنفية إلى بلد الشيعة الإمامية أيام حكم الصفويين ،وتم ذلك ـ للأسف ـ بأساليب وحشية ، أستبيح بها دم أهل السنة ، ودُمٍّرت مساجدهم ، وهدمت بيوتهم ، ودُنٍّست مقابرهم ...وقد شهد على ذلك ( بيريس تومي ) السفير البرتغالي في الصين ، الذي زار إيران من سنة 1511م إلى 1512م ، وقال :" إن إسماعيل الصفوي كان يقوم بإصلاح كنائسنا ويدمر مساجد السنة ".
وكان الصفويون يمنحون أهل إيران السنة في الأساس أن يتبعوا المذهب الإثناعشري أو الموت أو النفي ....
قتلُ الحسين :هو الذي جعل هؤلاء الصفويين يحتفلون في التاسع من ربيع الأول بمقتل الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وذلك بصنع دمية على شكل عمر ثم يتم لعنها وطعنها وإهانتها ثم إحراقها ....
ماذا جنت أمة الإسلام قاطبة من قتل الحسين غير التلاحي والتشظي و الخصام والثأر و الفرقة والأذى الذي ما تزال تترنح به حتى الساعة ....؟!.
ماذا جنت أمة الإسلام اليوم من قتل الحسين إلا التفجيرات في العراق ، و الحصار في إيران ، والفتنة في سوريا ....؟!
لولم يقتل الحسين لكان للتاريخ الإسلامي مسارا آخر ، لعله أفضل من الخط الذي سار عليه .
إن فاجعة الحسين في كربلاء يحمل وزرها يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد وأعوانهما من أمثال :عمر بن سعد، وشمّر بن ذي الجوشن، وقيس بن الأشعث بن قيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، وعبد الله بن زهير الأزدي، وعروة بن قيس الأحمسي...وغيرهم ممن باشر قتل الحسين أو قتل واحداً من أهل بيته وأصحابه.
لقد حكم التاريخ أن قتلة الحسين جبناء ، ولكنني أقول ـ كما قال العقاد ـ : إن الجبن هو أشرف ما فيهم من خصال السوء ..!.
ولا يزال موقف الرجولة الذي تمثّله الحسين في كربلاء يستثير الإعجاب ، وينفخ في صدور الأبطال حب التضحية ، وعلوّ الهمة ، والاستخفاف بالحياة ، ومقارعة الظالمين ....
فلعن الله قتلة الحسين ، ورضي الله عن الشيخين .

شوهد المقال 3135 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من
image

عثمان لحياني ـ "الجزائرالجديدة" أم "الجزائرالمستمرة"

عثمان لحياني  الوسم الصحيح للمرحلة الحالية بكل تجلياتها هو "الجزائر المستمرة" وليس "الجزائر الجديدة" ، العناوين الصلبة ل"الجزائر المستمرة " أكثر حضورا ووضوحا من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.00
Free counter and web stats