الرئيسية | الوطن العربي | الوطن : هوية و حقوق ..

الوطن : هوية و حقوق ..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

لم تكن مفاجأة منح قطر الجنسية للدكتور محمد حامد الأحمري وفي المقابل تنازله عن جنسيته السعودية ، والذي علق على الأمر بكلمة :" في النهاية هي أوراق سفر، لا تلغي هويتك، ولا من أنت" ، وإن كان الأمر كما فهمته بأنه يدخل في نطاق الشكليات ولا يمس جوهر الإنسان وانتماءه ، فلماذا أقدمت شخصية كالدكتور الأحمري على خطوة كهذه أخرجته من إطاره الاجتماعي والوطني إلى فضاء آخر يحتمل كثيراً من المحاذير التي تعنيه كشخصية أكاديمية وكرمز إسلامي لفئة معينة من النسيج الاجتماعي في الخليج ؟
لا يعنيني في هذه السطور شخص الدكتور الأحمري بقدر ما تعنيني إشكالية بدت علاماتها تتضح وهي إلى أي مدى نستطيع التمسك بالهوية الوطنية وإلى متى يمكننا أن نكابد المشاق في وطن لا يمكنه استيعاب الاختلاف والتعددية ، وماهي التداعيات المحتملة لمثل هذه الخطوات التي تصب في تهجير الكفاءات وبحثها عن وطن بديل يحقق لها حضورها الاجتماعي والبحبوحة الاقتصادية وقبل ذلك كله الاعتزاز بالشخصية الاعتبارية بإطار من الكرامة والحقوق الفردية ؟
وأكاد أجزم أن كل من انتقصت حقوقه وطعنت هويته يراوده حلم أن تتاح له الفرصة في الحصول على جنسية أوروبية أو أميركية شمالية أو إقامة دائمة ، تفتح الباب على فضاء آخر مختلف ، وربما داخله حسد لمن استطاع الحصول على هذه الفرصة أو وجد سبيله إلى حياة تصان فيها كرامته وتضمن له الحرية والعدالة ، وعلى ذلك تكمن النقطة المفصلية ، فغياب القانون واستبداله بالسلطة والواسطة ، وتغييب الحقوق الفردية وامتهان الكرامة الإنسانية وغياب العدالة وتكافؤ الفرص ، تولد عن ذلك كله مناخات الرغبة في ايجاد بديل مقبول لصورة قاتمة عن مستقبل مثقل بكل أنواع القيود والأغلال الاجتماعية والاقتصادية وعلى رأسها السياسية والأمنية . وهنا أرجع إلى المربع الأول : " حتى متى يمكننا أن نتحمل كل ذلك في سبيل غد نتمنى أن يكون أفضل ؟ " ، الصبر الأزلي والانتظار السرمدي قد يكون من المستحيلات والتي تتنافى مع السنن الكونية والقوانين الاجتماعية ، فالوطن الذي يرفض استيعابي بما أمثله من انتماءات متعددة (فردية -أسرية – جماعية - اجتماعية – دينية – عرقية – إقليمية ... ) وما تتفرع عن تلك الانتماءات من أقسام ، إن لم يكن هناك إطار قانوني وقبول اجتماعي لها ، وكان البديل التنازل عن أحدها في سبيل حماية بقية الانتماءات فسيكون ذلك مقبولا بصورة كبيرة ، والهجرة والتخلي عن الانتماء الوطني أحد تلك الحلول .
وعرضت السيدة منال الشريف في أحد مقالاتها مجموعة من العوامل التي دفعت كثير من أبناء الوطن للبحث عن الهجرة الإقليمية والدولية "التقدير، الرعاية الصحية والعدالة الاجتماعية، تكافؤ الفرص في العمل بلا بيروقراطية أو واسطة، الحياة الأفضل من توفر الخدمات العامة ورعاية وتعليم الأطفال، ضمان الحريات الشخصية". وكان موقف الدولة من هذه الظاهرة سلبية إلى أبعد حد ، فهي لم تطرق أبواب إصلاح الخلل الذي دفع هؤلاء إلى البحث عن وطن بديل واكتفت بالتهديد والوعيد كما حصل في موقف الملحقيات الثقافية حين هددت بملاحقة ومعاقبة من ثبت تقدمهم بطلبات الهجرة ،واعتبر محمد العيسى، الملحق الثقافي السعودي بأمريكا أن طلب الهجرة والحصول على الجنسية الأمريكية للمبتعثين يعد من الخطوط الحمراء وتجاوزاً لنظام الابتعاث ولوائحه ، في حين يأتي الأميركي والغربي وحتى بعض الأخوة العرب لعرض وظيفي في وطننا لأسباب من أهمها ما يجعلنا نطلب الهجرة من الوطن في حالة عكسية ومفارقة هزلية ، فيجد التأمين الصحي الشامل له ولعائلته ، والسكن الذي يتمناه كل مواطن ، والتقدير الوظيفي إلى آخر القائمة التي دفعت كثير من المواطنين إلى البحث عن وطن بديل .
تهيئة المناخات الجاذبة في جميع مناحي الحياة من الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية ، الضمانة الوحيدة ليس لبناء وطن الحرية والكرامة والرفاهية وحسب ، بل وبناء الإنسان الذي لم يبق معول هدم إلا واستخدم للنيل من إنسان هذه الأرض في سبيل استعباده وتحطيم مقومات إنسانيته والتضييق على حريته وانتهاك كرامته ف، في غياب صريح أو تغييب متعمد للقانون وسيادة الأمة ، وبحضور هذا الثنائي تنتفي كثير من عوامل البحث عن الأوطان البديلة ، وتبعد عن كثيرين شبح الاغتراب في الوطن ، وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : " الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن " ، ولا أعني بالفقر فقر المادة بقدر ما ينسحب على كل نواحي حياة الفرد الاقتصادية والحقوقية والسياسية والاجتماعية والثقافية .

الاستاذ علي الشرياوي

شوهد المقال 1981 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من
image

عثمان لحياني ـ "الجزائرالجديدة" أم "الجزائرالمستمرة"

عثمان لحياني  الوسم الصحيح للمرحلة الحالية بكل تجلياتها هو "الجزائر المستمرة" وليس "الجزائر الجديدة" ، العناوين الصلبة ل"الجزائر المستمرة " أكثر حضورا ووضوحا من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats