الرئيسية | الوطن العربي | الجامعة العربية: صمتت دهراً ونطقت كفراً

الجامعة العربية: صمتت دهراً ونطقت كفراً

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
قال الأمام الحسين عليه السلام: " إنا لله وإنا إليه راجعون وعلى الإسلام السلام إن قد بُليَت الأمة بِراع مثل يزيد ". كلمة خالدة قالها سيد الشهداء ليس توصيفاً لشخص يزيد تحديداً، بل بوصف الظلمة في كل عصر ومكان، لأنَّ الظالم لا تتغير أفكاره وأفعاله بتغيُّر الزمان والمكان. وحال يزيد كحال الأنظمة العربية الديكتاتورية المستبدة في يومنا هذا، نعم فعلى الإسلام السلام إذ قد بُليَت الأمة الإسلامية برعاة مثل الأنظمة العربية. وهذه الأنظمة لم تكتفِ بما تقوم به من إجرام في حق شعوبها، بل سعت لإيجاد كيانات تكرِّس وجودهم في سدَّة الحكم. أحد هذه الكيانات هي مجلس التعاون الخليجي. هذا المجلس تأسَّس إبان الحرب العراقية - الإيرانية في عام 1981م، وهدفه هو جعل دول الخليج العربية الست في كيان واحد وهو هذا المجلس المنشود بقيادة المملكة العربية السعودية، كونها دولة إقليمية، والهدف منها هو وحدة القرار ضد الجمهورية الإسلامية، ووحدة الإنفاق العسكري الذي تمَّ منحه للرئيس العراقي المقبور صدام حسين. فأين خدمة الشعب الخليجي في أدبيات هذا المجلس؟ كل فائدته تقتصر على حريِّة السفر بين أبناء الشعب الخليجي، وحرية الإقامة، والعمل دون الحاجة إلى تأشيرة. هذا المجلس وافق بعد أكثر من 20 سنة على تأسيسه على الوحدة الجمركية، ولكننا وإلى اليوم لم نرى فعلاً فائدة ملموسة كالجنسية الموحَّدة، والعُملة الخليجية الموحدة وما إلى ذلك، كما نراه في منظمة الإتحاد الأوروبي. ولكن أعترف هنا بأن هذا المجلس قد أفاد حكام الخليج كثيراً، فهُم موحَّدون على قمع شعوبهم، وموحدون على نهب ثروات بلادهم، وموحدون حول تمرير المشروع الأميركي في المنطقة. بمعنى كل ما هو ضد هذا الخليجي هو موجود في هذا المجلس. أما الكيان الأكبر وهي جامعة الدول العربية، فمنذ تأسيسها وإلى الآن أسأل ماذا استفاد الشعب العربي منها؟ فهي ومنذ تأسيسها قبل 60 عاماً ماذا أفادت القضية المفتوحة دائماً على مصراعيها - القضية الفلسطينية -؟ فقط اجتماع وراء اجتماع، وتنديد واستنكار، ثم تصمت لتكمل نومها. أقول، ماذا أفادت هذه الجامعة في الإقتصاد العربي المنهوب من أنظمتها؟ ماذا عملت من خطوات في ترسيخ وحماية حقوق الإنسان العربي؟ وماذا فعلت وماذا عملت ..... إلخ؟ ولا شيء. هكذا، جامعة مخصيَّة لا تقدِّم ولا تُأخِّر.

في سنة 2011م أصبحت الجامعة العربية في تحدٍّ حقيقي، فقد كانت الثورة التونسية مندلعة ضد الديكتاتور زين العابدين بن علي، وتونس هي إحدى دول الجامعة، فماذا فعلت؟ ولا شيء. ثم انطلقت ثورة مصر المظفَّرة في 25 يناير 2011م ضد الطاغية محمد حسني مبارك، ومصر إحدى دول الجامعة ومقر الجامعة في عاصمتها القاهرة، وفماذا فعلت؟ ولا شيء، سوى خروج أمينها العام حينها عمرو موسى يطالب المصريين بالتهدئة وإعطاء الفرصة للطاغية مبارك ليبدي عن نيَّته الحسنة التي ظهرت فجأة. فهل ثورة شعبي تونس ومصر ليست حدثاً مهماًّ للجامعة العربية لكي تجتمع من أجلها؟ أم لأن زين العابدين وحسني مبارك حليفين مهمَّين للولايات المتحدة وإسرائيل، وبالنتيجة حليفين لدول الخليج العربية ولذلك لم تنطق الجامعة ببنت شفة ضدُّهما؟ بل الأكثر من ذلك طالب ملك البحرين إبان الثورة المصرية بعقد جلسة طارئة للجامعة العربية على مستوى القادة وذلك للتشاور حول كيفية تحجيم ثم قمع الثورة المصرية نصرةً للمخلوع محمد حسني مبارك، ولكن السيد الأميركي حال دون ذلك بسبب تغيُّر مواقفها الأخيرة وتبنِّيها مواقف الثورة المصرية، مما أغضب المملكة العربية السعودية.

ثم انطلقت 3 ثورات في شهر فبراير من عام 2011م، ثورة البحرين وثورة اليمن وثورة ليبيا. فهل كان للجامعة العربية دور في هذه الثورات؟ لا، أبداً. الثورة الليبية المظفَّرة إستحوذ على اهتمام الإدارة الأميركية والإتحاد الأوروبي، لماذا؟ ليس حباًّ في الليبيين، بل كرهاً للعقيد المقبور معمَّر القذافي. وطبيعي بأن عدو أميركا هو عدوٌّ للأنظمة الخليجية. فاستغلَّت الولايات المتحدة هذا الأمر لتبرير تدخُّلاً عسكرياًّ في ليبيا بمباركة خليجية. وفجأة إستيقظت الجامعة العربية، لتتكلم عن قتل الشعب الليبي، وعن جرائم القذافي ومواليه، وبدأت تزبد وترعد ضد القذافي، حتى تقرر تعليق عضوية ليبيا في الجامعة العربية. وعُقدت صفقة بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. هذه الصفقة إختُصرت في دعم مجلس التعاون الخليجي للحرب ضد ليبيا - حتى لا يُقال بأن الغرب المسيحي يهاجم دولة إسلامية - مقابل ماذا؟ مقابل أن تدير الولايات المتحدة وحلفاءها ظهرهم عن ثورة البحرين وثورة اليمن. ونفِّذت هذه الصفقة المشئومة على الثورة البحرينية في 16 مارس 2011م حينما أقدم الحرس الوطني السعودي على غزو البحرين واحتلالها. وفي 17 مارس 2011م أعلنت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا والولايات المتحدة وكندا الحرب على ليبيا، وبدأ حلف الناتو بقصف المواقع العسكرية لنظام القذافي.

أين الجامعة العربية من ثورة البحرين واليمن؟ وأقول مجدداً، هل بسبب أن ديكتاتور البحرين حمد بن عيسى، وديكتاتور اليمن علي عبدالله صالح هما حليفين إستراتيجيين للولايات المتحدة وإسرائيل والمملكة العربية السعودية، لذلك لم تنطق الجامعة العربية ببنت شفة ونامت مجدداً عن نصرة الشعوب المستضعفة؟ واستيقظت مجدَّداً لتكتشف بأن الشعب السوري مظلوم ويُقتَّل بيد نظامه؟ متى استيقظت الجامعة؟ استيقظت فجأة بعد أن سحبت الولايات المتحدة سفيرها من دمشق، وبدأ الحراك السعودي ضد سوريا، حينها كان يجب أن يدخلوا هيئة كالجامعة العربية لتصبح أداة لقمع من يخالفهم. الرئيس السوري بشار الأسد، لا يختلف عليه إثنان بأنه ديكتاتور ومجرم، ويقظته الأخيرة كان لا بد منها منذ زمن طويل وليس الآن. ولكن كونه عدواًّ للولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والكيان الصهوني، فسيكون بالنتيجة عدواًّ للدول العربية الخليجية. لذلك أُتيحت الفرصة مجدداً لإيجاد نوع من التوافق العربي الخليجي حول دعم الثورة السورية، ولكنني أسئل من هو هذا الداعم العربي؟ السعودية مثلاً؟ هذه الدولة المارقة التي لا تعترف بحقوق الإنسان ولا بحقوق المرأة تطالب النظام السوري بتطبيقه؟ السعودية التي تدعم السلفية في بلدها ضد كل من يخالفها وترسل الشباب المغرر بهم إلى العراق ليقتلوا فيها الناس فقط لأنهم لا يدينون بالمذهب السلفي، كيف لها أن تدعو النظام السوري باحترام اختلاف المذاهب والأديان على أراضيها؟ السعودية التي هي مملكة مطلقة لا تؤمن بالشراكة بين أفراد شعبها، كيف لها أن تطالب النظام السوري بتبني التعددية وبضرورة إقامة انتخابات رئاسية دورية؟ والله دولة الشر الملقبة بالمملكة العربية السعودية لهي مهزلة بكل معنى الكلمة. فاقد الشيء لا يعطي، وهذا معروف، ففي حين أنها تنتقد السلطات السورية بسبب قمعها لشعبها لكننا نراها تدعم وتصفِّق لقمع الشعب البحريني والشعب اليمني، فأي منطق أعوج هذا؟

النظام السعودي هو آخر من يتكلم عن حقوق الإنسان، والجامعة العربية عرفناها سابقاً ولكننا صدمنا من مدى تغلغل النظام السعودي فيها، طبعاً هو مسيَّر من الولايات المتحدة. أما قطر، فلا أقول سوى أنها تضع نفسها في أمر أكبر منها، فهي الآن تريد أن تتدخل في ليبيا، وتريد إسماً لها لتتدخل في سوريا، ولكني أقول البحرين أقرب لكِ فلم لا تتدخلين فيها؟ هزلت والله هذه الأنظمة العربية. قال الله تعالى في حديث قدسي: " الظالم سيفي أنتقم به ومنه "، ربما هذا ما يحدث الآن في سوريا، ولكن الأنظمة الخليجية في الأخير ليست محصَّنة ضد الثورات، والجامعة العربية ميتة منذ زمن طويل، وننتظر القادم.

الكاتب: المستبصر محمد المحرَّقي البحراني
الإيميل: almustabsir@gmail.com

شوهد المقال 2201 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة
image

نوري دريس ـ قانون المحروقات لسقي الشبكات الزبونية

د.نوري دريس   أضع الملاحظات التالية حول قانون المحروقات: لا يمكن لمن يضع الحواجز أمام المستمثرين الخواص في الداخل( في الفلاحة، الصناعة، الحرف، السياحة...)
image

يسرا محمد سلامة ـ ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع

د. يسرا محمد سلامة   التفوق في معناه العام ليس بالضرورة أنْ يكون دراسيًا، فكم من امرئٍ لم يكن في يومٍ ما متفوقًا في دراسته، ثم أصبح
image

نجيب بلحيمر ـ جمعة تحييد العنف وحماية الجزائر

د. نجيب بلحيمر   "حاشدة".. هذا هو الوصف الذي يمكن اطلاقه على مسيرات الجمعة الرابعة والثلاثين من الثورة السلمية. في العاصمة كما في مختلف مدن
image

رضوان بوجمعة ـ من "الصرح المؤسساتي" إلى "الفراغ الدستوري"

 د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 116  أهم ما يمكن قوله اليوم في الجمعة ال 34، أن الأمة الجزائرية مصرة، وغير مستعدة، للتنازل عن مشروع بناء الجزائر الجديدة
image

زهور شنوف ـ رسالة إلى سميرة موسوسي ..من معتقلات الحراك الجزائري

زهور شنوف   مرحبا سيدتي،لا أعرف كيف يمكن أن يبدأ المرء رسالة إلى شخص لم يلتق به من قبل، لذلك فكرت أن أسأل "غوغل" الذي بات يَعرف
image

اليزيد قنيفي ـ ماقلّ ودل...!

اليزيد قنيفي   • نُدَرِس مباديءالإسلام في المساجد وفي المدارس والجامعات لكن الحاكم يغتصب السلطة.. والوزير يسرق..والنائب يخون.. والوالي يتحايل..والمواطن يشاركهم أيضا..أين الخلل..؟

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats