الرئيسية | الوطن العربي | أوراق النهضة البحرانية (3): مقدمات تسوية على أعتاب سجن "العرين"

أوراق النهضة البحرانية (3): مقدمات تسوية على أعتاب سجن "العرين"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بسم الله الرحمن الرحيم
أوراق النهضة البحرانية (3): مقدمات تسوية على أعتاب سجن "العرين"
كريم المحروس
5/11/2011م

بحسب متابعات ماجريات التسوية بين الملك حمد والملكيين ذُكر قبل شهر تقريبا أن نزلاء سجن "العرين" فرضوا تحديهم على كل أطراف التسوية أن يستمروا في ما هم فيه من مقدمات حوار مع مستشاري حمد، فما كان تعاقد عليه بين الطرفين سيصبح غير ملزم إلا لمن دخل في المضاربة هذه ولا من سيادة له على معارضين آخرين. فاضطر أطراف التسوية في الثالث من نوفمبر الحالي إلى إرسال موفدين عنهم إلى سجن "العرين" لينفردا باثنين من رموز الجمهوريين لمدة ربع ساعة كل على حده في حضور رمزي لأحد أمراء دوار الشهداء، فتداولا معهما شأن وثيقة المنامة وفيما إذا أمكن قبول الجمهوريين الدخول في تحالف الوثيقة.

لم تكن التسوية هذه وليدة اللحظة الراهنة. فقد نشأت مظاهر التسوية السياسية هذه قبل شهرين تقريبا على أساس من عدم المساس ببنود توارث الحكم المختصة بالعائلة الملكية (آل خليفة) بحسب ما نص عليه ميثاق فبراير 2001م، مع الالتزام الأدبي بإسقاط الشعارات الشعبية الثلاثة والإيمان بوقوع جل حوادث ما بعد 14 فبراير في دائرة المشروع الإصلاحي لحمد الذي أتاح – بحسب مذهب التسوية - للمواطنين الحق في التعبير عن الرأي والمطالبة بالإسراع في تنمية مواثيق الدولة وقوانينها بما ينسجم وحركة التحولات السياسية في البلاد العربية، مع نفي وجود حركة معارضة مستهدفة نظام الحكم وتقويضه قواعده بثورة شعبية وإحلال نظام بديل على أنقاضه.
وفي سياق ذلك أُطلق الملك حمد العنان حكوميا لمتبني هذه التسوية للانتشار في الأوساط الشعبية المؤثرة، من أجل إعانتها على الوصول إلى صيغة ضبط مقبولة لحركة الشارع الناهضة وتوجيه قوى نفوذها الاجتماعي في مناطق البحرين بما يخدم التسوية الجديدة حتى يحين شهر نوفمبر منتهى تقرير لجنة البيسوني.

ساهم حمد وحكومته مباشرة في دعم معطيات التسوية هذه ورعاية شؤونها خلال الشهرين الماضيين على أساس نص القاعدة المعتمدة في الجهاز الرسمي للدولة ذي العلاقة: "قل ما شئت وافعل ما يحلو لك بشرط عدم التعرض للعائلة المالكة " أو " ما بعد سلمان ولي العهد لا أحد في الدولة يمتلك حق السيادة بلا مساءلة" ، والأمر هذا كان متاحا لكل من دخل في خط الدعوة إلى تكريس الملكية حصرا التزاما بنصوص قانون الجمعيات السياسية رقم 26 لسنة2005م، بينما منع بقية أطراف المعارضة المؤسسة خارج إطار قانون الجمعيات المذكور من حق التعبير عن الرأي في شأن المؤسسات الدستورية وصلاحيات حمد في إدارة الدولة، بما يشبه الموقف الحكومي الذي ساد جزرنا مع بداية إعلان حمد لدستوره المنحة، فكانت إجازات القول والفعل قلصت عرفيا شيئا فشيئا حتى حُددت وحُصرت في أشخاص معارضين خاصين.

بقي من الأمر بعد انتهاء مهلة الشهرين التي أتاحها حمد للملكيين وظيفتين: لجم طرف شعبي ممتد في المناطق عشوائيا، واستيعاب طرف آخر قيادي مؤثر معنويا ووجوديا: الطرف الأول تمثل في المجموعات الشبابية التي نجحت في قيادة مسيرات وتظاهرات المناطق منذ الانتشار في هذا المناطق بعد ضرب دوار الشهداء وقمع تجمعاته السياسية والإعلامية المتمسكة بالشعارات الثلاثة الداعية إلى إسقاط النظام عمليا، بينما تمثل الطرف الأخر في علماء الدين والقيادات والرموز الشعبية التي تقضي الآن فترة محكوميتها في سجن "العرين".

المجموعات الشبابية تخطت قمع السلطات وتجاوزت منعطفاته الخطرة بنجاح، وتفوقت في نشر ثقافة المقاومة المدنية في المناطق، وطورت من أساليب المواجهات حتى باتت مستعدة للتصدي لأسوأ الاحتمالات وقادرة على المقاومة بكل الوسائل المتاحة أو ما تتطلبه ضرورات المقاومة ، حتى شكلت عماد النهضة وهويتها. بينما عُزل علماء الدين والقيادات والرموز المعارضين عن مجتمع النهضة، ولكن تقارير السجون تؤكد على أنهم ملتزمون بموقفهم الداعي إلى إسقاط النظام، وان كل المحاولات المبذولة من أجل ثنيهم عن موقفهم المتشدد باءت بالفشل، حتى لم يعد بالإمكان إبرام أي تسوية سياسية في ظل غياب منهم.

حمد ونظامه اتبعا منهج كسب عناصر الصراع من خلال تجزيء هذه العناصر وضرب تسويات جانبية خاصة معها، ثم المساهمة بتذليل عقبات القانون تمهيدا لدعم نفوذ هذه العناصر إذا ما شكلت عونا ثابتا على إيجاد الحل السياسي بأقل كلفة سياسية، حتى ينتهي الأمر في هذا الكسب الملكي إلى حصر أطراف التشدد في درجات دنيا لا تحظى بنصيب من التأثير في الوسط الشعبي.

وأظن أن عمليات اللجم والحصار السائرة أفقيا إلى جانب عمليات الكسب الملكي السياسي تحت مظلة وعود بحوار أو تسوية أو مصالحة قد أتت أكلها حتى اللحظة الراهنة بمعزل عن حركة المجموعات الشبابية النشطة ميدانيا، فيما يجري الآن فتح باب التشاور مع قيادات ورموز وعلماء الدين في سجن "العرين" لاستكمال دائرة الكسب السياسي الملكي وبمتابعة مباشرة من قبل مستشاري حمد الذين يرون بضرورة إيصال نزلاء سجن "العرين" إلى القبول بتسوية خاصة تنتهي إلى عدم المساس بنصوص ميثاق 2001م لإتاحة المجال للدخول في استفتاء شعبي على الدستور المنحة، والمرونة في التعاطي مع قانون الدوائر الانتخابية.

هذه التحولات وما سينشأ عنها ستضع المجموعات الشبابية المستثناة من التسوية في ضيق من الأمر، لكونها تمثل حركة سرية شعبية بضبط وتوجيه قيادات محلية فرضتها متطلبات الساحة والحجم الهائل من الضغط الأمني فضلا عن حال الإحباط التي ولدتها عمليات ضرب دوار الشهداء والتحدي الشعبي الكبير لاسترجاعه، إضافة إلى عمليات القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي التي ارتكبتها سلطات حمد بحق الكثير من عناصر هذه المجموعات .. ما هو المتوقع من رأي وموقف لهذه المجموعات الشبابية فيما إذا تمت كل أبعاد التسوية ايجابيا بين جميع أطراف الصراع وكانت المجموعات نفسها نشأت نقيضا معارضا على مبنى الشعارات الثلاثة: (الشعب يريد إسقاط النظام، يسقط حمد، إرحلوا)، وتمسكت بها حتى أصبحت عنوانا مميزا لحركتها اليومية النشطة في المناطق؟!

ربما كان البعد السياسي في كل هذه التحولات المتسارعة شأنا خاصا يمكن للمجموعات الشبابية أن تقوضه عن بكرة أبيه في أي لحظة حسم مدني مقاوم حتى تشكل من نفسها الطرف الرئيس في دائرة الصراع والمالك لمواقيت حسم الأمور بمنهجها المعروف ، لكن المستجد في ساحة الصراع الآن هو مراهنات حمد ونظامه على حركة التصنيف المرجعي الديني ذات البعد الاجتماعي الخطير وما ستسوقه من اتهامات بالتفريط بالنهضة ومكتسباتها فضلا عن الموقف الديني الشرعي الملزم في مجال الحق الطائفي..هذا المستجد الطارئ ملكيا سيشكل البعد الذي سيقرر مصير النهضة وما ستسفر عنه مسيرة التسويات مستقبلا.

شوهد المقال 2477 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خليفة عبد القادر ـ الحراك لا يجب أن يتوقف، ولن يتوقف

أ.د .خليفة عبد القادر  من أروع ما سمعت من التحليلات السوسيولوجية الجادة حول الحراك الوطني في الجزائر، كونه موجة عاتية قادمة من أعماق المجتمع
image

نجيب بلحيمر ـ مأزق الانتخابات وفسحة نوفمبر

نجيب بلحيمر   خمسة أيام وتنقضي فترة إيداع ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية التي تريد السلطة تنظيمها يوم 12 ديسمبر، وإلى حد الآن كل الوجوه التي
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats