الرئيسية | الوطن العربي | دولة النهضة .. تجربة للتاريخ

دولة النهضة .. تجربة للتاريخ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
تجارب الإسلاميين في الحكم خلال العقود المنصرمة تطل برأسها بعد فوز حزب النهضة التونسي بانتخابات المجلس التأسيسي التونسي بأكثر من 40% من مقاعده ، وتتزاحم التجارب ويتم إسقاطها على الوضع التونسي لما ألصق بالإسلاميين من سعي إلى الهيمنة والتسلط باسم الدين وربط السلطة الحاكمة بالحاكمية الإلهية والتي وجدت دلائلها في السعودية وإيران والسودان والصومال مرورا بالتجربة الجزائرية وفي القادم مصر بفرعيها السلفي والإخواني، ولا تكتمل الصورة من غير أن نضم لها التيارات والتنظيمات الإسلامية العلنية والسرية والتي اتخذ بعضها السلاح لغته وطريقه .

تراكم تلك الخبرات السلبية والنظرة السلبية للتيار الديني حاولت التيارات المنافسة استغلالها والتحريض من خلالها على حزب النهضة في حرب تذكر بالطريقة التي كان نظام المخلوع بن علي يستخدمه في النيل من رموز النهضة وسواها من التيارات التي لم تخضع لسلطته ، لكن غاب عن هؤلاء أن الفكر السياسي لقائد حزب النهضة د.راشد الغنوشي له تطبيقه العملي والمتمثل في تجربة العدالة والتنمية في تركيا والتي يصرح بذلك علنا رموز الحكم الحالي في تركيا أمثال طيب رجب أردوغان بأن فكر الغنوشي كان حاضرا في أدبياتهم التنظيمية والتي أسس عليه حزب العدالة والتنمية خططه و رؤاه ، والذي انتشل تركيا من الكثير من مشاكلها والعقبات التي كانت تعترض تقدمها ، والذي يعتبر – الغنوشي – أبرز رموز التيار الإسلامي التقدمي .

فالنهضة برؤاها التقدمية لا تسعى إلى فرض نموذجا أو مدرسة فكرية على أبناء تونس بل طرحت عكس ما توقعه الكثيرين بالخطاب السياسي المقنع للداخل والخارج ، والذي يرى أن الحرية الفردية والاجتماعية هي عماد رقي المجتمعات وتقدمها ، فالنهضة سارعت لتبني الشراكة في السلطة بالتحالف في تكتل يمثل إلى جانب النهضة اثنين من الأحزاب التي حصلت على المركزين الثاني والثالث في الانتخابات وبلغة الأرقام ما مجموعه 65% من مجموع المقاعد ، وبنسبة عدد أصوات حصل عليها الحزب مع شريكيه في التكتل ما يقارب 77% من مجموع أصوات الناخبين التونسيين ، وهذا ما يؤسس لتمثيل عريض للمواطن التونسي في مجلسه التأسيسي الذي يراد له أن يضع الدستور ويقود البلاد في المرحلة الانتقالية في الأشهر القليلة القادمة ، والتي ستكون اختبار فعلي للنهضة وشريكيها في التكتل والتي على أثرها سيتحدد مستوى الرضا الشعبي عنه في الانتخابات البرلمانية القادمة بعد ما يقارب العام من الآن .

النجاح المتوقع بانتقال تونس من الثورة إلى الدولة بقيادة حزب النهضة ألقى بثقله على الحركات والدول الإسلامية في العالم العربي نظرا للنجاحات المنتظرة لدولة النهضة في تونس ، فمن الثورة الدامية للجار الجنوبي ليبيا والتي بدأت بسحل طاغيتها وقتله على أيدي الثوار مرورا بمحاولة الاستئثار بالسلطة من قبل فئة من الليبيين وصولاً إلى فرض الشريعة الإسلامية على الليبيين وإلغاء جميع القوانين التي تتعارض مع الشريعة ، مما نشر حالة من التشكيك في قادة الثورة الليبية وتبعيتهم لتيار معين ، والجار الآخر الجزائر الذي أجهضت تجربته الديمقراطية في بداية تسعينيات القرن الماضي على أيدي العسكر بعد أن فاز بانتخاباتها البلدية الجبهة الإسلامية للإنقاذ والتي ساهم في إجهاضها تيار عريض من الإسلاميين أنفسهم بعضهم خوفا والآخر طمعا ولكن أقبحهم من كان متطوعا لإجهاض جنين كان يبشر بتغيير خارطة التغيير في العالم العربي أواخر القرن المنصرم ، بل أجزم أن بعض شخصيات الجبهة الإسلامية ساعد على الإطاحة بذلك الحلم نتيجة قلة الخبرة السياسية واستعجال قطف ثمراته .

دولة النهضة لن تكون استنساخ لتجربة أخرى كتجربة حزب العادلة والتنمية في تركيا ولا غيرها من التجارب قربت أو بعدت عن فكر حزب النهضة ، فهي تجربة جديرة بالملاحظة والتسجيل لرصد تجربة إنسانية رائعة في إدارة الدولة الحديثة تستقي ثوابتها من مقاصد الشريعة الإسلامية عمادها الإيمان بالإنسان كأساس لبناء الحضارات وصانع أمجادها ، تجربة لا تقبل بالتعددية السياسية والثقافية والإثنية فقط بل تؤسس لها وتعتبرها رافد إثراء وعامل دعم لمسيرته التاريخية ، تبني تونس بإمكانياته الاقتصادية البسيطة لاستيعاب مواطنيها بنظام اقتصادي يستنطق الموارد الاقتصادية الشحيحة لتونس لا لتحقق الاكتفاء الاقتصادي بل يتعدى ذلك ليصل إلى الرفاهية الاقتصادية لأبناء تونس ، بقاعدة مؤداها بناء دولة لها مؤسساتها وكياناتها لا ترتكز على أفراد ، بل حتى القيادات التاريخية يتم إحلال قيادات شابة مكانها لا كما حصل في غيرها "أن تقصي فحولها" ، فالفكر التعددي وتداول السلطة يبدأ بالجماعة والحزب قبل أن يتم التداول على المستوى الأعلى للدولة . ولا أعتبر ذلك تزكية لحزب النهضة وإنما ثقة بفكره الإسلامي التقدمي وإيمانه بمدنية الدولة كأداة لترسيخ قيم وأخلاقيات الإسلام مبتعدا عن الرجعية التي تقوم على الإكراه والتشدد .
 
                           الأستاذ الباحث : علي الشرباوي 

شوهد المقال 1453 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خليفة عبد القادر ـ الحراك لا يجب أن يتوقف، ولن يتوقف

أ.د .خليفة عبد القادر  من أروع ما سمعت من التحليلات السوسيولوجية الجادة حول الحراك الوطني في الجزائر، كونه موجة عاتية قادمة من أعماق المجتمع
image

نجيب بلحيمر ـ مأزق الانتخابات وفسحة نوفمبر

نجيب بلحيمر   خمسة أيام وتنقضي فترة إيداع ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية التي تريد السلطة تنظيمها يوم 12 ديسمبر، وإلى حد الآن كل الوجوه التي
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats