الرئيسية | الوطن العربي | أحمد سليمان العمري ـ كسر الأردني بالمعلّم

أحمد سليمان العمري ـ كسر الأردني بالمعلّم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف

بدأت أُولى الوقفات الإحتجاجية للمعلمين العام الماضي 2019م الخميس 5 سبتمبر/أيلول وسط العاصمة الأردنية عمّان لِتَجمَع محافظات المملكة عامّة لمعلمي المدارس الحكومية الذي وصل عددهم إلى أكثر من 80 ألف معلم، مطالبين بما تبقى من الزيادة البالغة 50 بالمائة من مجمل 150 بالمائة على الرواتب الأساسية، التي أقرّها رئيس الحكومة عبد السلام المجالي عام 1994م ووزير التربية والتعليم آنذاك عبد الرؤوف الروابدة، حيث نفّذت بالتدريج منذّ ذلك العهد.   

لم تكن الوقفات سلمية كما كان متوقع لها، فقبل تجمّع أكثر من ثلاث آلاف معلم في دوار الداخلية، حاولت الأجهزة الأمنية منع الوفود القادمة من مختلف المحافظات وسط إجراءات أمنية مكثّفة من الوصول للدوار الرابع أمام مبنى رئاسة الوزراء، والبعض بقى في الطرق المؤدية إليه، ممّا أدّى إلى اشتباكات واستخدام قوات الدرك غاز مسيل للدموع لتفرقة الجموع، هذا مع رفض وزارة التربية والتعليم والحكومة في بداية الأمر الإستجابة لمطالب المعلّمين ممّا دعا النقابة لتنظيم إضراب شمل جميع مدارس المملكة الحكومية على الإطلاق، والذي كان أحد أهم مخرجاته آنذاك مواصلة الإضراب لإشعار آخر.

يعتبر هذا الإضراب الأطول في تاريخ الأردن، حيث استمر لمدة 30 يوماً، مع امتناع مليون ونصف طالب من مواصلة الحصص المدرسية، ممّا أدّى لشلّ المنظومة التعليمية برمّتها، ولم ينته إلّا بتوقيع اتفاقية في 6 تشرين الأول/أكتوبر 2019م بين الحكومة

ونقابة المعلّمين التي يتجاوز أعضاؤها الـ 100 ألف، وتعدّ الأبرز بين النقابات والأقوى، ممثّلة بنائب نقيب المعلّمين الدكتور ناصر النواصرة ووزير التربية والتعليم، والتعليم العالي والبحث العلمي الدكتور وليد المعاني، تلخّصت أهم مخرجاتها بإنهاء الإضراب، ومن جهتها تلغي الحكومة كافة العقوبات والشكاوى والقضايا التي أتّخذت بحق المعلّمين بسبب الاضراب، وتعديل نظام صندوق ضمان التربية ومشاركة النقابة إدارته، وإيجاد آلية لمنح قروض مدعومة لمشاريع إسكانية، هذا مع العلاوات المالية، بالإضافة إلى تحسين التأمين الصحي لحين استكمال الحكومة دراسته، بحيث يشمل المستشفيات العسكرية، وتخفيض نصاب حصص المعلّم ضمن آلية منصفة.

لم يمضِ عام على إضراب المعلّمين حتى بدأت النقابة الشهر الماضي بالتصريح عن وقفة إحتجاجية جديدة، تطالب ما أخفقت الحكومة بتنفيذه من الإتفاقية المبرمة بينهم، حيث لم توفِ الأخرى ببنود الإتفاقية، عدا العلاوة.

 لم ينتظر أصحاب القرار في الأردن هذه المرة كثيراً وضربوا بيد من حديد، حيث أقرّت الحكومة بوقف النقابة وإغلاق مقرّاتها لمدة عامين بذريعة تنفّذ المعارضة داخل النقابة، وتهم فساد وممارسة أنشطة غير شرعية، حيث بدأت الأجهزة الأمنية بمداهمة منازل الناشطين واعتقال الأعضاء البارزين والمتعاطفين لتتجاوز قرارات العرف الدولي وتتحوّل إلى نظام بوليسي قمعي جرّاء

تشكيل لجنة حكومية لقيادة النقابة، حتى أنّ الإعلام الغربي شجب الانتهاكات الحقوقية التي تزامنت وتشابهت مع روسيا البيضاء في قمع المظاهرات وحجم الاعتقالات، حيث صرّح نائب مدير قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة «هيومن رايتس واتش» «مايكل بيج» أنّ إغلاق إحدى النقابات المستقلّة في الأردن، عقب نزاع مطوّل مع الحكومة يثير مخاوف جدّيّة بشأن إحترام الحكومة لسيادة القانون، وأنّ الافتقار إلى الشفافية يعزّز الاستنتاج بأنّ السلطات تنتهك حقوق المواطنين.

كما ودعت منظمة التعليم الدولية «EI» العمال والنقابيين إلى الضغط على السلطات الأردنية للإفراج عن النقابيين ورفع الحظر غير القانوني عن النقابة.

 إذ لم تقتصر الحكومة على مداهمة مكاتب النقابة واعتقال القيادات، بل أصدرت أمراً بحظر نشر كلّ ما يتعلق بقضية النقابة والمعلّمين، فتجدّ الصحف الرسمية والقنوات التلفزيونية تتحدّث عن قضايا الوطن العربي والغربي، بينما المواقع الإخبارية الحرّة - وهي قليلة جداً - ومواقعَ التواصلِ الاجتماعي تعُجّ بالصور والفيديوهات لإحتجاجات المعلّمين والمتضامنين، رغم قرار تعليق نشاط النقابة.

اللافت للإنتباه تذرّع الحكومة بمنع إحتجاجات المعلّمين لأسباب وقائية، منعاً لإنتشار فيروس كورونا، بالمقابل مكّنت وقفات أخرى قبل تظاهرات المعلّمين بأيام قليلة، إذ أتاحت وقفات ضد العنف على المرأة وحقوقها تجاوزت نحو 500 شخص، ولم تُقابَل بالعنف الذي وُجِه به المعلّمين، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة ولغاية الآن اشتباكات الشرطة في عدّة محافظات مع المعلّمين والمتضامنين المحتجين على إغلاق النقابة، حيث تعرّض العديد منهم للضرب والإعتقال.

للشارع إذن أن يشكّك في إزدواجية المعايير الحكومية التي تسمح بوقفة وتمنع أخرى، واستخدام قوانين الطوارئ لتقييد الحقوق المدنية.

الضائقة المالية

تصرّح الحكومة بشكل دوري ودائم بالضائقة المالية - وهذا ليس بالجديد - التي تعانيها الدولة، وتلوّح بتخفّيض الأجور للقطاع العام، تماشياً مع الوضع الاقتصادي الناجم عن جائحة كورونا، بينما وصل الدعم فقط من ألمانيا للأردن بين عام 2012م حتى عام 2017م 1.9 مليار يورو، وفي عام 2018م قدّمت الحكومة الألمانية 513 مليون يورو، وهي الداعم الثاني الأكبر بعد الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى ناتج العاملين الأردنيين في الخارج فقط في عام 2019م حوالي 3 مليار دينار. وأخيراً يوم الخميس 14 أغسطس/آب أقرّت دول الإتحاد الأوروبي صرف 700 مليون يورو.

نحن نتحدّث هنا عن مبالغ هائلة تدخل الأردن، ونادراً جداً ما تعلن الدولة عن مثل هذه المساعدات، فهل تعيش الحكومة الأردنية ضائقة مالية فعلاً؟

علّ الأردن يعاني ضائقة إقتصادية حقيقية، فهل هذه ذريعة لتراجع نظام بدأ يكسب ثقة الشارع بعد النجاح الحكومي إحتواء الجائحة؟ ليعاود توطيد القناعات عند المواطن بأنّ النظام السائد هو قمعي بوليسي؟

وهل الضائقة - إن صحّت - ذريعة لإغلاق نقابة المعلّمين ومعها مصادرة حريّة الأردني؟

ولماذا لا تُعالج الضائقة من خلال برامج تتناسب مع ميزانية الدولة ومديونيتها، وهذا يتمحّور في تخفيض رواتب الوزراء والنواب والأعيان ومدراء المؤسسات الكبرى بما يلائم الضائقة الإقتصادية؟

أم علّ توقيت إضراب المعلّمين أتى بوقت خاطئ جرّاء أزمة كورونا التي عصفت العالم وعطّلت المنظومة التعليمية ليكملها إضراب أطاح بالعام الدراسي الماضي، وقد يكون أيضاً هذه المرة لإشعار آخر؟

الحقيقة هي بأنّ الرفض والقمعية التي تعاملت بها الحكومة تجاه المعلّمين والمواطن في آن، لا تتناسب أبداً مع دولة تزعم الحقوقية، كما أنّ قرار إغلاق النقابة مرفوض وهو إنتهاك صريح لحقوق المواطن، فلا يجوز تذرّع الدولة بقليل مقدّراتها على حساب حريّة الإنسان، كما ولا يجوز إتهام المضربين الإضرار بالدولة، فهذا حقّ، وهي الوسيلة الوحيدة للضغط من أجل تحصيل الحقوق. الإضرار هو في التصعيد والمغالبة والتعنّت بين الطرفين واستخدام القوّة ضد المواطن الأعزل.

كان بالإمكان أن تسير الأمور بسلمية أكثر لو لم تُغلق الحكومة النقابة ولو أنّ النقابة اختارت توقيت أفضل تجاوز أزمة الجائحة الحالية.

العمل على خطوة تعيد الأمور إلى نصابها هي الأكثر أهمية في هذه المعادلة، وتتطلّب شرطاً أساسياً وضرورياً، ألا وهو ترك التسلّط على المواطن الأعزل والعمل على إثراء النشاط النقابي ليتمرّس، فلا يترك حقّه ولا يساهم في هدم بناء الدولة، ولن نخرج من هذه الدائرة المغلقة بين مسوّق ومروّج لقرارات الحكومة العنجهية وبين لوم دائم وممنّهج، والعمل على اختيار النائب السياسي السّويّ ليكون أهلاً للوقوف أمام الحكومة ليحاسبها، وليس بالضرورة إبن العشيرة العسكري والأكاديمي، مع احترامي لبعضهم، ونُسخ ما مثّلتنا يوماً، بل ساعدوا تنفّذ عُلّيّة القوم أكثر من ضعفهم سياسياً على حساب المهمّشين الأردنيين.

أستحضر بهذا السياق حديث رسول الله  عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، قال: «قلت يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي، ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلّا من أخذها بحقّها، وأدى الذي عليه فيها».

لم يولّ الرسول أبا ذر، بينما ولّى معاويه إبن سفيان رضي الله عنهم، وأبو ذر هو من هو عند الله والرسول، ولنا بهذا الحديث أسوّة حسنة.

وما ختمت مقالتي بنوائب البرلمان إلّا من ضعفهم سياسياً، الذي أوصل المعلّم ومعه الأردني لهذا الموصل.

ونهاية أطالب من هنا، كأيّ أردني حرّ بإستئناف عمل النقابة الرسمي من جديد، كما والسماح لأعضاء مجلس نقابة المعلّمين المفرج عنهم نهار 23 اغسطس/آب بممارسة عملهم النقابي بكامل الحريّة التي ضمنها لهم الدستور.

Ahmad.omari11@yahoo.de

 

شوهد المقال 304 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ العلاقات الإنسانية بين الازلية و الوضعية

علاء الأديب على الرغم من كثرة العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم و على الرغم من تنوع الأواصر التي تتميز بها تلك العلاقات إلا أن التصنيف
image

سعيد خطيبي ـ عزيزي خالد

 سعيد خطيبي    عزيزي خالد،أعجز عن تصديق ما حدث! لا تزال في السّجن؟ حُكم عليك بعامين؟ هل هذه مسرحيّة عبثيّة؟أنت تحتاج إلى ورق وقلم، كاميرا ولابتوب، كي
image

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

د. محمد هناد    تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل
image

طارق السكري ـ عندما نَـ/ تبكي الأوطان

طارق السكري             في أعماقي ! أشجارٌ ماطرةٌ تبكي جدرانٌ تشربُ أنفاسي لا أدري! تركض بي .. تبكي أنهارٌ مذ نبت الحزنُ على نافذتي سُحُباً
image

عثمان لحياني ـ سبعة أشهر ..كلام لا بد منه ..الإعلام في الجزائر

عثمان لحياني  في 23 فبراير الماضي صدر بيان لمجلس الوزراء تَضَمن " تكليف رئيس الجمهورية للحكومة بتسوية الوضعية القانونية للقنوات المستقلة حتى تتكيف مع قانون السمعي
image

الجنرال عبد العزيز مجاهد ّ مديرا للمعهد العالي للدراسات الاستراتجية الشاملة " خبر صادم

عثمان سابق  عبد العزيز مجاهد مديراً عاماً للمعهد العالي للدراسات الإستراتيجية الشاملة.. اللهم لا حسد.. لكن بصراحة الخبر "صادم".. أن يكونَ مستشارا أمنياً قد
image

عبد الجليل بن سليم ـ سلطة الحراك بين Stanley Milgram و Miguel Benasayag

 د. عبد الجليل بن سليم  بعد مرور القوة التي عملها النظام و تعيينه للرئيس بعد إنتخابات 12/12, الحراك (هنا أتكلم على الحراك كسلوك و ليس
image

العربي فرحاتي ـ فلسطين المشكلة ...وكيف تواجهنا

 د. العربي فرحاتي  تواجه إسرائيل كعصابة مغتصبة للحقوق الفلسطينية منذ أن ورطها الانجليز فيها واستوطنوها في أرض غير أرضها. بموجب وعد بلفور؛ مشكلتها مع المقاومة
image

نجيب بلحيمر ـ الواقعية بعين مهزوم

نجيب بلحيمر  مع كل قرار ظالم، مع كل خطوة تخطوها السلطة على الطريق الخطأ يخرج علينا العقلانيون والواقعيون بمحاكمات لا تقل قساوة عن تلك التي
image

ناصر جابي ـ الدستور الجزائري: العيوب والتحديات القديمة نفسها

د. ناصر جابي  لم يكن الجزائريون محظوظون مع دساتيرهم منذ الاستقلال، لا في طريقة إعدادها ولا في التحديات التي تصادفها كوثيقة أساسية، يفترض فيها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats