الرئيسية | الوطن العربي | البحرين : الإعلام الجريح

البحرين : الإعلام الجريح

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

منذ تسعينات القرن الماضي و حين اندلعت الاحتجاجات الشعبية في البحرين و الحرب الإعلامية بين الحكومة و الشعب لم تتوقف.. ففي التسعينات لم يكن أمام الشباب حينها إلا الجدران فصاروا يملئونها بشعاراتهم ومطالبهم لتصل للجميع وللحكومة أيضاً وقد وصلت بالفعل بدليل أن القوات كانت تأتي كل يوم لتمسحها.. كانت وسائل إدارة الإعلام ضئيلة في ذاك الوقت لم تكن أسباب إصدار مجلة أو صحيفة متوفرة للشعب البسيط لكنه استطاع تنظيم نفسه وإخراج صوته عبر المآتم (والمأتم المكان الذي يجتمع فيه الشيعة لإحياء ذكرى استشهاد الأئمة عليهم السلام) فكان المنبر أعظم من أي قناة في ذاك الوقت وقد بدا ضيق السلطة من المآتم يتسع حتى صارت تقتحم المآتم و تعتقل الرواديد (من يقومون بإلقاء القصيدة الموكبية و التي عادة ما تأتي ملحنة) فقد كان هؤلاء صوت حقيقي للشعب الصامت وكانت قصائدهم تلهب الشباب وتبث فيهم روح مقاومة قمع النظام بقوة أكبر وقد عذب الرواديد في السجن كما يليق بتعذيب الرموز و القادة رغم أنهم لم يكونوا المحرك الأول ولا الدافع الأساس إنما كانوا فقط صوت الشباب الذين لم يتمكنوا من الجهر به.. وهكذا حدث أن خرج المعذبون من السجون بعد العفو الكبير ولكن بقدرة قادر أصبحوا لا يستطيعون الإنجاب..
رغم الهدوء الذي كان يلف البحرين نسبياً منذ التسعينات حتى احتجاج الرابع عشر من فبراير إلا أن الحرب لم تتوقف فالحكومة وكما يشاع كانت تستعين بأشهر الشركات العالمية في مجال العلاقات العامة فكانت تسعى لتجييش مشاعر الشارع السني ضد احتجاجات التسعينات فقامت باستقدام فتاتين هنديتين وتصويرهما كضحيتين من ضحايا التسعينات.. في ذاك الوقت لم يكن الإعلام بالقوة التي هي عليها الآن ولكن الشعب استطاع إيصال صوته للخارج ربما بعد التهجير الذي ناله معظم الناشطين في ذاك الوقت .. أسهم في تصدير الأزمة للخارج.. فأصدرت قناة أجنبية خلال فترة "هدوء ما قبل العاصفة" تقريراً حول التعذيب في البحرين.. تناولت فيه تفاصيل التعذيب واستضافت معتقلين سابقين تعذبوا على يد النظام البحريني..
وحين بزغ فجر الربيع العربي كان ولابد أن يكون اسم البحرين وارداً ضمن الاحتجاجات خاصةً بعد تزامن الربيع العربي مع مرور 10 سنين على الميثاق (الذي صوت فيه الشعب على المملكة الدستورية لكنها لم تأت أبداً) وكان لابد أن نتوقع النجاح الإعلامي الكبير لثورة البحرين حتى كادت أن تكون الأنجح من بين الثورات العربية فقد أصبح شباب الثورة كلهم متحدثون رسميون و مديري علاقات عامة استطاعوا بمهارة أن يردوا افتراءات السلطة بل واستطاع هؤلاء الشباب قليلي الخبرة في مجال الإعلام أن يجعلوا الرأي العام العالمي أن يهتم لقضية البحرين ويتفاعل معها وأوصلوا صوتهم حتى للأشخاص الذين لا علاقة لهم بالسياسة ولا هم يحزنون..
ثمن هذا النجاح الإعلامي دفعه الإعلاميون بالدرجة الأولى نالهم ما نالهم من التعذيب و القتل و التشهير أرادوا أن ينتصروا بأية طريقة رغم أنهم لم يكونوا يملكون الإعلام البديل الذي يمكن أن يصدقه الرأي العام ويكذب ما يقدمه إعلاميو الثورة.. هذا التنكيل بالإعلاميين اتسع وأصبح سمة الإعلام البحريني الرسمي الذي تأسس و يعمل من أجل ضرب الآخر وتكذيبه على لو بفيلم هندي لا يصدق..
صوت الثورة خرج لأول مرة للعالم على لسان صحفية بحرينية - وربما كان هذا قدر من الله للمرأة البحرينية أن تدير دفة الإعلام - فمنذ وقوع مجزرة الخميس الدامي تحدثت الصحفية ريم خليفة لوزير الخارجية وأوصلت صوت الشعب لوسط مؤتمر أريد به التآمر على الضحايا و الالتفاف على مطالب المحتجين.. النظام و إن تجاهل ريم لفترة إلا أنه لم يكن قد سامح فعلتها فقد أنتقم منها بعد حين عبر مسرحية فاشلة غايتها إظهار ريم بصورة المرأة المتوحشة التي تنقض على الصحفية الشريفة وتضربها ولهذا كانت كاميرا الثورة لهم بالمرصاد وصورت الأمر برمته إلا أن السلطة يبدة أنها لا تقتنع بما يقنع العقلاء و أصرت على محاكمة ريم ومحاسبتها على جرمها المزعوم...
أما قدر الصحفية نزيهة سعيد مراسلة قناة فرانس وإذاعة مونتيكارلو الفرنسيتين فقد كان مختلفاً إذ كن عليها أن تشهد واقعة استشهاد الشهيد عيسى عبد الحسن بأم عينها وحين توجهت للتوثيق كان ينتظرها أمر آخر فقد تم استدعاءها لمركز شرطة الرفاع الغربي وقضت في التحقيق 12 ساعة فقط لتخرج بعدها ووجهها مليء بالالتهابات وجسدها يحمل آثار التعذيب المختلفة بالإضافة إلى توقيعها على أوراق لم تعلم ماهيتها نزيهة حين خرجت لم تكن تستطع المشي حتى.. وبطلب من السلطة نزيهة وثقت ما حصل لها و عرضت على طبيب شرعي لم يصدر قراره حتى الآن وقد أنقذ نزيهة أن السفير الفرنسي تحمل جزء من مسؤوليته - لكونها تعمل لدى قناة فرنسية - وأخذها للعلاج في فرنسا..
و بالنسبة للشاعرة الشابة آيات القرمزي فالكل يعرف تفاصيل اعتقالها وتعذيبها رغم أن كل ما قامت به هو إلقاء قصيدة .. هذا ما حصل للإعلاميات أما الإعلاميين فكان لهم نصيب آخر فقد وقع منهم شهيدين تحت التعذيب وهما الشهيد كريم فخراوي و الشهيد زكريا العشيري وقد خرجا من السجن وجثتيهما ينطقان بقية القصة التي لم يكملاها خرجا و كل قطعة من جسديهما تروي قصة معاناة ضد الكلمة الصادقة و الخبر المساند للثورة.. وكثيرون آخرون تم اعتقالهم، بعضهم تم تعذيبهم، وأكثر من95 صحفياً تم تسريحهم من أعمالهم. بعض المصورين والصحافيان (عباس المرشد وعبدالله العلوي) ما يزالون قيد الاعتقال، متهمون بتهم غريبة حسب "قانون العقوبات" الذي يجيز محاسبة المواطنين والصحفيين بتهم مثل "تحريض العامة على كراهية النظام" وهي التهمة التي يعتبرها الكثيرون سخيفة إذ لا يوجد من يحب النظام ليحرض على كرهه..
الشعب البحراني وبسبب إمكانياته الضعيفة و المراقبة المكثفة عليه لا يملك أن يكون وسيلة إعلامية مستقلة فهو لا يملك سوى صحيفة الوسط والتي عانت في بداية الأزمة تماماً كما عانى مؤسسها ومدير تحريرها د.منصور الجمري (نجل عبد الأمير الجمري الذي قاد حركة الاحتجاجات في التسعينات وقضى متأثراً بتبعات السجن وآلامه) الجمري بعد عودته من المنفى على خلفية مشاركته في احتجاجات التسعينات استطاع أن يقدم لهذه الصحيفة الكثير وأن يجعله صوتاً للمعارضة البحرينية المعتدلة ومع اندلاع ثورة الرابع عشر من فبراير كانت الوسط حاضرة لتغطية الحدث أولاً بأول ونقلت صور الشهداء حكاياهم وتشييعهم وكان هذا سبباً لإيقافها و اتهام مدير تحريرها بالكذب وجره بعيداً عن منصبه نحو التحقيق والسجن .. وبعد أزمة اقتصادية كبيرة مرت بها الوسط تمكنت من العودة مجدداً برئيس تحريرها السابق د.منصور الجمري..
والآن وبعد محاولات المعارضة في الخارج إلى إطلاق قناة اللؤلؤة وهي القناة المعارضة الأولى (إذ لا يوجد في البحرين سوى التلفزيون الرسمي ولا يوجد أية قناة أهلية) قناة اللؤلؤة ومقرها في لندن لم يسلمها بعدها الجغرافي عن السلطة من بطشها إذ تعرضت القناة للتشويش عليها حتى يضطر القائمون عليها بتغيير التردد مرة بعد أخرى وقد ذكر العاملون لوسائل الإعلام أنهم يصابون بالإحباط حين لا يكون بإمكانهم عرض نشرة الأخبار التي تعبوا عليها أما بالنسبة لاقتراحاتهم من أجل استمرارية القناة فقد اقترح أحدهم أن يتم تقليل الصور المؤثرة أو المؤلمة كي تصبح النشرة اعتيادية قليلاً..
ورغم كل الصعوبات التي تواجه الكلمة الحرة في البحرين إلا أن الشعب بوعيه استطاع أن يكون القاعدة الأساسية للإعلام الثوري وصار الشباب يجيدون اختيار الخبر الذي يشكل انتصاراً على الآخر وينتقون الصورة التي تظهر بشاعة الآخر كل هذا دون تحريض من أحد دون اجتماعات في غرف مغلقة وكانت المواقع الاجتماعية الوسيلة الجديدة التي يعوض بها البحرينيون النقص في الوسائل الأخرى.. ولازال البحرينيون يخطون أشرس حرب إعلامية في الشرق الأوسط كانت الجبهة الأخرى تملك الملايين لتوظف لديها أكبر شركات العلاقات العامة و أكثر القنوات مشاهدة في مقابل شباب بسيطون يفتقرون لأدنى المقومات الأكاديمية الإعلامية لا يملكون سوى قلم وكاميرا تصوير..

شوهد المقال 4077 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علي سيف الرعيني ـ الجابري الشاعر اليمني شاعرالارض والانسان

علي سيف الرعيني   الشاعرالجابري هوالأكثرتميزا شنف اذاننا بقصائده بمختلف اللهجات اليمنية نحن نتكلم عن الانسان المغرم بحب الارض والانسان ، لديه كتاب في علم العروض طريقة
image

ناصر جابي ـ هل صحيح أن الجزائر مقبلة على دخول اجتماعي وسياسي مضطرب؟

د. ناصر جابي  هذا ما توقعته مؤسسات دولية مختصة في دراسة الأزمات (كريزيس قروب) crisis group- ووكالة بلمبيرغ التي عادت للاهتمام بالوضع في الجزائر
image

نجيب بلحيمر ـ حديث المؤامرة

نجيب بلحيمر   في الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية على فيسبوك نقرأ بيانا جاء فيه: "أمر اليوم رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الوزير الأول بفتح تحقيق
image

طارق السكري ـ اليمن خارج التعاطف

  طارق السكري  " نحن في نظر الدولة : خارجون على القانون . محل ريبة وعرضة للملاحقة أو النفي أو السبي . أو قبيلة من
image

خديجة الجمعة ـ عالم آخر

خديجة الجمعة   أنا وحدي عالم آخر لاأعرف نفسي، أينما ذهبت. فقد أكون موسيقى تعزف على وتر؛مرهفة الحس. وقد أكون في لحظة ما  تلك الصلبة التي لاتهزها
image

عادل السرحان ـ ماذا أُهديكِ يا بيروت

عادل السرحان                ماذا أهديكِ يابيروت سوى الكلمات ماذا أهديك وقد شُرِعَتْأبواب  الوطنِ  للسراق وللراياتهم ذبحوا كل الثورات هم كسروا كل الناياتْواغتالوا ألقَ الماضي وزهوَ  الحاضرِ والآتْماذا أهديكِ سوى الدمعاتفالدمعُ  كثير في وطني والجُرحُ
image

حميد بوحبيب ـ سيد الحماقات

د. حميد بوحبيب         للطبيعة حماقاتها... غديرٌ يتهادى رقراقا بين السهول ثم يغورُ فجأة في رحم الأرض ولا يعود إلى الظهور !
image

عثمان لحياني ـ موت السياسة في الجزائر

عثمان لحياني  مستوى السلطة السياسية كان أرقى بكثير في العقود السابقة، على الأقل كانت تعتمد نظرية المؤامرة عندما يتعلق باحداث أكثر جسامة ،كانتفاضة كأكتوبر
image

عبد الجليل بن سليم ـ فيروس COVID 19 علاقته مع الأصحاء، قلق الخوف

 د. عبد الجليل بن سليم  الان الكل و دون اسثناء يعرف مادا يفعل الفيروس بالذي أصابه لكن ماذا يفعل الفيروس بابالاضافة إلى العزلة و الحجر
image

مروان الوناس ـ الإشهار وسيلة ابتزاز النظام للصحافة الجزائرية

 مروان الوناس  منذ ربع قرن على الأقل كل المشتغلين في حقل الصحافة والاعلام يعرفون أن الاعلانات الحكومية التي توزعها شركة النشر والاشهار

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.00
Free counter and web stats