الرئيسية | الوطن العربي | أحمد سعداوي ـ [سجن نيسان 2003] العراقي

أحمد سعداوي ـ [سجن نيسان 2003] العراقي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


أحمد سعداوي 
 
في الأشهر الأولى ما بعد الاحتلال وسقوط نظام صدام في نيسان 2003 كنت مثل غيري شاهداً على اختفاء الدولة، فلا شرطة ولا جيش ولا أي جهة تحفظ الأمن في الشوارع والأحياء السكنية.
كنت مثلي غيري أيضاً شاهداً على محاولات الأحياء السكنية حفظ الأمن بشكل تطوّعي، وكان أخواني يساهمون مع بقية الشباب في حيّنا السكني في التناوب على واجبات الحراسة، باستعمال بندقية كلاشينكوف واحدة.
كانت هذه في الحقيقة الأجواء التي ظهرت فيها المليشيات بالشكل الذي عرفناه فيها لاحقاً. هنا يبدو ظهور المليشيا أمراً محتوماً وواجباً. وفي كل البلدان التي شهدت حروباً وصراعات، بل وحتى نكبات طبيعية من فيضانات وزلازل وما الى ذلك، تظهر المليشيا كقوّة محليّة للسيطرة على الأمن وتنظيم الأمور الحياتية العامة التي تعجز أجهزة الدولة الطبيعية عن القيام بها. وفي كثير من الأحيان، في البلدان ذات البنية القويّة قانونياً ومؤسساتياً، يكون عمل المليشيا شرعياً في هذه الأوقات الاستثنائية بالتنسيق مع مؤسسات الدولة الشرعية.
المليشيا ليست شرّاً مطلقاً، والوصف بالمليشياوي ليس شتيمة. إنها القوة المسلّحة الشعبية من المتطوّعين، أو الجناح العسكري لحزب أو تيار سياسي يظهر في الأوقات الاستثنائية، لأسباب ظاهرياً على الأقل تتعلّق بحفظ الأمن أو الدفاع عن المجتمع من تهديد خارجي.
ماهو طارئ ومؤقت في البلدان المحترمة يغدو في البلدان الضعيفة دائمياً بسبب امتلاك المليشيات لمشروعها الخاص الذي يتعدى التصدي لظروف طارئة. فيغدو هناك نوع من التلازم ما بين شرعية المليشيا وسقوط أو ضعف الدولة.
في الدولة المحترمة التي تقوم بها الأجهزة الأمنية الشرعية بواجباتها لا حاجة لأي مليشيا، ويمكن لأشكال التضامن الاجتماعي الأخرى "غير المسلّحة" أن تعمل تحت سلطة القانون بعناوين الجمعيات والروابط والنقابات ومنظمات المجتمع المدني بل وحتى الأحزاب.
من مصلحة المليشياوي أن لا تقوم الدولة، وتكون مقصّرة دائما في واجباتها، فهذا هو المجال الأمثل لبروز العضلات الروبن هودية للمليشيا، ومجال استعراض البطولات الخاصة. الملشياوي مع غياب الدولة هو المخلّص والمنقذ والبطل الشعبي.
من مصلحة المليشياوي أن تبقى الدولة والبلد كلّه مسجون في لحظة نيسان 2003 وأن لا يتحرّر منها أبداً. حيث الشعور بانهيار الحدود وتغوّل الخصوم وتكاثرهم الشبحي داخل الظلام الدامس، واللعب بالهواجس الشعبية الفطرية وحاجات المجتمع للأمان والشعور بالطمأنينة.
وحين نخلط كل ما سبق مع النصوص الدينية وبلاغة الخطباء والضرب على الغرائز البدائية من التلذّد بالعنف، واستثمار تراث الكراهيات العنصرية، فإننا نحصل على جدار هائل وصلد يحجب "الدولة" عنّا الى الأبد.

 

شوهد المقال 135 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

مراسلون بلا حدود: النظام الجزائري “استغل كورونا لاستهداف صحافي حر”

الجزائر: أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” توقيف الصحافي الجزائري المستقل خالد درارني مساء الجمعة في الجزائر، والذي كان احتجز قيد التحقيق منذ الأربعاء. وهي المرة
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة
image

مرتضىى كزاز ـ محنة العقل المستقطب في زمن الكورونا ..ايطاليا والصين نموذج

مرتضى كزاز   أكثر العقول نشاطاً هذه الأيام هو العقل المستقطب، المتحزب والموتور دينياً أو سياسياً، منذ بداية انتشار الفايروس وأنا أتسقط الأخبار متابعاً ما
image

العربي فرحاتي ـ حكايات " الشعب الملهوف" خرافة

 د. العربي فرحاتي  مشاهد التزاحم والتدافع القوي بين السكان في الأحياء والقرى لاقتناء كيس من الدقيق (السميد) كما تلتقطه وتنشره وسائل التواصل الاجتماعي..مشهد حزين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats