الرئيسية | الوطن العربي | حارث حسن ـ صراع مَنطِقَين في العراق

حارث حسن ـ صراع مَنطِقَين في العراق

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.حارث حسن 
 
الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في اوكتوبر/تشرين هي أكبر تحدي واجههته الشيعية السياسية في العراق، لأنها ليست مجرد تعبير عن انقسام سياسي داخل المجتمع الشيعي يمكن التعامل معه بتسوية سياسية، بل وايضا عن انقسام قيمي وثقافي مع ظهور حراك يقوده في الغالب شباب "شيعة" يطالبون بحقوق مدنية واقتصادية ويستخدمون سرديات مغايرة عن "الذات" و"الوطن" و"العدالة"، تمثل قطيعة مع السردية المهيمنة للشيعية السياسية، تلك التي لا زالت اسيرة قاموس الستينيات ومفاهيم التضامن الاسلامي الاممي، واولوية الجماعة الطائفية، والصراع مع "الغرب الاستعماري". 
ولو استعرت مقاربة حامد داباشي، استاذ الدراسات الايرانية والأدب المقارن، في كتابه عن الربيع العربي، فان موجات الاحتجاج (او ما يطيب للبعض تسميته بالثورات) التي شهدتها المنطقة منذ العام 2010، هي تعبير عن الانعتاق التدريجي من العصر ما بعد الاستعماري، ذلك العصر الذي حكمه منطق الصراع مع "الاستعمار" وتعريف الذات الجمعية كنقيض للآخر الغربي، والتركيز على الاستقلال السياسي والثقافي بمعزل عن قضايا الحريات والعدالة الداخلية، وهو العصر الذي أنجب انظمة قمعية لم تعرف المنطقة مثيلاً لها في الماضي، وتحول فيها الصراع مع "الاستعمار" الى سردية تؤسس للتسلط ومنع النقاش الداخلي الحر وشيطنة المعارضة وفرض وحدات قسرية على المجتمع... لقد اصبح الاستعمار، بتعبير داباشي، ضرورة من اجل استمرار الخطاب والمنطق ما بعد -الاستعماري... 
اننا هنا وسط عملية طويلة ومؤلمة، تؤسس للانقطاع مع هذا المنطق، عبر تشكل تدريجي لما يسميه داباشي بالعصر مابعد-مابعد الاستعماري، الذي تحكمه لغة جديدة غير مسكونة بهواجس عصر الشيعية السياسية، وليست مأسورة برغبة تعريف الذات فقط بوصفه نقيضاً للآخر الغربي، ولا مستعدة للقبول بتأجيل قضايا العدالة والحريات والمواطنة لصالح المعركة التي لن تنتهي مع "استعمار" يعاد اختلاقه حيثما تطلبت الحاجة... 
ان انقسام الشارع اليوم في العراق، والذي قد يتجسد انقساماً في الساحات وصداماً محتملاً وربما انقضاضاً على حركة تشرين (التي لا تخلو من نقاط الضعف المفهومة بالنسبة لحركة جديدة)، انما يعبر عن هذا الصراع بين منطقين، قديم مأسور للغة ومنطق تجاوزتهما حركة التاريخ، وجديد مازال يكتشف نفسه ويولد ببطء.

شوهد المقال 251 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats