الرئيسية | الوطن العربي | أحمد سعداوي ـ الحريّة في حدودها القصوى

أحمد سعداوي ـ الحريّة في حدودها القصوى

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أحمد سعداوي 
 

كتبت في أكثر من مناسبة أن تجربة الحرية في حدودها القصوى بالنسبة لي تلك التي عايشتها في الأيام الاولى بعد سقوط نظام صدّام حسين. كان الجميع وكأنه يكتشف الكلام من جديد. الصحف التي كانت توزّع، حتى لو كانت هزيلة الطباعة والمحتوى، تقرأ من الغلاف الى الغلاف، نقضي ساعات الكهرباء المحدودة في متابعة قنوات التلفزيون، تلك التي تلتقط بالايريل العادي، قبل دخول أطباق الستلايت. أدمنا الانصات لبث الإذاعات على الراديو. وما هو أهم كنا نجرّب الكلام بملء الفم، ولم نكن نخاف من شيء.
لاحقاً تراجعت حدود هذه الحريّة، ثم صارت محصورة ما بين هلالين، الأول يمثله "الصكّاك"، والثاني "المفخّخة".
الأول شذّب وخفّف وقلّص من حرية الكلام، والثاني جعل التجوال داخل المدينة مروراً بين حقل ألغام.
ثم سرعان ما تكيّف الناس مع الحدود الجديدة للحريّة، وصاروا يتعاملون معها كأمرٍ واقع، بل ويتماهى البعض مع صاحب السلاح الكاتم أو صاحب المفخخّة، فقط حتى يشعر بالحريّة.!

عادت الحدود لتتّسع قليلاً ما بين 2008 حتى 2011 ثم ظلت تتراجع تدريجياً حتى الأول من تشرين الأول 2019.

لقد تخلّصنا من المفخّخة ولكن كاتم الصكّاك صار أكثر شراسة، وما حصل في انتفاضة تشرين الشبابية أن عنف الصكاك والقناص تمت مواجهته بحس عدمي لشجاعة مفرطة من قبل الشباب المنتفض، لم تعد تخاف الموت. وما بين توازن القوّتين على الأرض، صار الناس يشعرون بالحرية من جديد.
فلننتبه لهذه الفكرة: الناس من غير المنتفضين والثوار والمحتجين، والذين ربما لم يشاركوا بأي شيء يدعم الانتفاضة، لكنهم تحسّسوا نتائجها سريعاً، فصاروا يشتمون ويتحدّثون بحرية.
لقد رأيت صاحب فرن الصمون عند الشارع العام قرب منزلي، والحلاق، وسائق التكسي، وغيرهم الكثير، من أناس بدوا لي لسنوات مجرد ديكور عام صامت. لكنهم اليوم بألسنة صريحة، يتحدثون ويكشفون عن قناعاتهم وتصوارتهم، وصرت وكأني أكتشفهم لأول مرّة. والسبب أن روح الخلاص من الصكاك قد شملتهم رغم أنهم غير مساهمين بالتضحية الفعلية من أجل هذا الخلاص.
وهذه قيمة هذه "الثورة" وتأثيرها، بأنها فعل بالنيابة عن المجتمع من أجل المجتمع ككل.

اليوم يتراجع الصكاك الى الخلف أمام تقدم المنتفضين، ويخلي مساحات أكثر من الفضاء الاجتماعي كي يمتلئ بالروح الثورية الشبابية الساعية للحرية.
وحتى يتشجع المجتمع أكثر ويكشف عن تنوعه وعن طاقاته علينا أن نجذّر الحرية، بأن تتحوّل الى تشريعات وقوانين، وخطوات فعلية لتغيير مسار السلطة في العراق، وأن تختفي هراوة الصكاك من فوق رؤوس الناس والى الأبد.

شوهد المقال 257 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats