الرئيسية | الوطن العربي | أحمد سعداوي ـ عن الرأسمال الرمزي، المعنوي والأخلاقي واستهلاك الشهداء والشهادة

أحمد سعداوي ـ عن الرأسمال الرمزي، المعنوي والأخلاقي واستهلاك الشهداء والشهادة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
أحمد سعداوي 
 
في قائمة شهداء وجرحى انتفاضة تشرين سنرى أسماء العديد من الشباب الحشداوي، ممن قاتل وتلوّث بتراب معارك الشرف لتحرير أرض العراق من دنس داعش. وبعضهم اليوم مرابط في المطعم التركي، وداخل ساحة التحرير وساحات التظاهر الأخرى في المحافظات حاله حال أخوته الآخرين من المنتفضين الداعين الى دولة عادلة حقّة ضد الفساد والمفسدين والمجرمين والقتلة.

هؤلاء في الحقيقة بطولتهم مضاعفة، ويستحقون أن نصنع عنهم الأفلام ونكتب القصص. والمثير في أمرهم أنهم لا يزايدون على أحد وغالباً لا يعلنون عن أنفسهم، وقد لا نعرفهم إلا في اللحظات الدرامية؛ حين الشهادة أو الاصابة البليغة في ساحات التظاهر.

الكلام السلبي بخصوص هؤلاء أو رفاقهم في الحشد الشعبي ممن استشهدوا في معارك التحرير أو جرحوا، والباقين منهم جنوداً في مؤسسة الحشد على أهبة الاستعداد للدفاع عن العراق، هذا الكلام السلبي أقل ما يقال فيه أنه خالي من المروءة والانصاف، وتنكّر لفضل هذا الدم الطاهر على العراق.

الرأسمال الرمزي لفعل هؤلاء الشهداء هو ملكٌ للعراق، ولكننا في مرحلة عصيبة لن نستطيع فيها أن ندرك القيمة الرمزية للأشياء بسبب الاستهلاك السياسي.

واحدة من المشاهد بالغة التأثير كيف أن صور شهداء الحشد على الجسور والطرقات في بغداد شحبت وتآكلت بعد عام من التحرير ثم استبدلت عشية انتخابات 2018 بصور مرشحي الكتل، ومنهم كتل سياسية أقامت نفسها على رمزية تمثيل الحشد ودماء شهدائه.

لقد دخل المجتمع الشيعي العراقي بعد نيسان 2003 في أجواء سيطرت عليها الرمزية العاشورائية القويّة، وصارت مفردات هذه الرمزية محركاً للسياسة على مدى عقد، لكن سوء عمل الساسة استنفد الرمزية العاشورية، وهذا الاستنفاد حرّر الرمزية العاشورائية ولم يسقطها. حرّرها لتعود الى المجتمع، ولم تعد شّغالة ومنتجة في فضاء السياسة.

كذلك الأمر مع رمزية شهداء الحشد، لقد تحوّلت الى أصوات انتخابية. وصارت المتاجرة بدماء الشهداء المضحّين مملّة وغير منتجة، وصار المواطن العادي قادراً على الفرز بين الدم الشريف الذي حرّر أرض العراق، وذلك الذي يبني سلطة سياسية فاسدة باسمه.

سيعود الشهداء للمجتمع لاحقاً، ويتحرّرون من الاستخدام السياسي، مثلما تحرّر الحسين وعاد الى المجتمع وصار المجتمع يسثمره لرفض السلطة والاعتراض عليها.

ومن المؤسف أن دورة الاستهلاك والاستنفاد للرأسمال الرمزي ستشمل لاحقاً أولاد ثنوة وشهداء انتفاضة تشرين المباركة، ولكن من الحسن أنه في كل الحالات يبقى أمراً مؤقتاً، وسرعان ما يستعيد المجتمع كلّ رموزه وخزّان مفرداته الاخلاقية والمعنوية.

شوهد المقال 335 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

عبد الباقي صلاي ـ ماذا عن رجالات الدولة الأَكْفَاء الذين ظلمتهم العصابة؟!

عبد الباقي صلاي  حملةُ الأيادي النظيفة التي قادها  "أحمد أويحيى"  عندما تَسنّم القرار الأول في الحكومة الجزائرية أواسط التسعينيات من القرن الماضي،والتي على إثرها
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats