الرئيسية | الوطن العربي | أحمد سعداوي ـ انتفاضة تشرين العراقية

أحمد سعداوي ـ انتفاضة تشرين العراقية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أحمد سعداوي 
 
 
 
قد لا يبدو من الواقعي القول أن انتفاضة تشرين انطلقت منذ البداية بوعيٍ حاضر للاعتراض على النفوذ الإيراني، أو أن الكثير من الشباب الثائر خرج ضد إيران تحديداً، وانما لمواجهة جملة من المشكلات الحيويّة التي تمسّ حياته اليومية، وغضباً من النظام السياسي ومنظومة السلطة التي انتجت هذه المشكلات.
لكن سرعان ما أدرك الجميع بأن الفساد المنتج للمشكلات العميقة في الواقع العراقي مرتبط بشكل نظام الحكم الذي ساهمت إيران بشكل فاعل، مع أميركا، في تشكيله وإدراته، خصوصاً مع حكومة عبد المهدي، التي بدت وكأنها خاضعة للنفوذ الايراني بشكل كبير.
وعلى الأرض تجسّد هذا النفوذ، وتعاظم منذ خمس سنوات على شكل سيطرة من الداخل على مفاصل أساسية في الاقتصاد العراقي، وارتهنت السيادة الاقتصادية والأمنية والاستخبارية بيد رجالات مرتبطين بشكل مباشر مع إيران، بالتوازي مع قوّة مسلحة تمثلها فصائل عسكرية موالية لإيران ولها أذرع قوية داخل المؤسسات الامنية العراقية بمختلف مستوياتها.
لهذا حين يأتي الكلام من الحكومة عن اتهام طرف ثالث بمجازر انتفاضة تشرين فإن هذا ضحك على الذقون، فلا يحتاج القناص والقاتل الخفي أن يكون طرفاً ثالثاً وهو عملياً يمسك بمفاصل مهمة من المؤسسة العسكرية والأمنية والاستخبارية العراقية.
عملياً وفي وصف الحال العراقي ما قبل انتفاضة تشرين المباركة فإن استخدام مفردة "نفوذ" لا يبدو دقيقا في توصيف الدور الايراني في العراق. نعم، يمكن الحديث بثقة عن نفوذ تركي، سعودي، اماراتي، كويتي، أردني، صيني إلخ. لكن إيران صارت تمسك بالدولة العراقية من الداخل وتوجّه مساراتها، والشيء المؤسف أن هذا جرى من 2011 الى اليوم تحت عينيّ أميركا ومراقبتها، وعلى الأغلب رضاها.
.
لقد تخلصت حكومة أوباما، وعلى لسان أوباما نفسه من "زبالة بوش" وخرجت من العراق في 2011 وسلّمته الى شبه ديكتاتور شيعي، منتشي بصولة فرسانه على المليشيات الشيعية، مع دائرة مستشارين سيئين، وداخل محيط عربي يريد تصدير الربيع العربي "السني" الى العراق، لانتزاع اقليم سنّي على الأقل.
لقد تركت أميركا العراق الى الفوضى، هذه الفوضى التي انتجت داعش فيما بعد. ولا أستطيع تبرئة أميركا من دورها السلبي في هذه النتيجة الكارثية التي وصلنا إليها.
حتى حين عادت لاحقاً من أجل المساهمة في محاربة داعش، وتوفير الغطاء الجوي الحاسم للانتصار على داعش، لم تكن عودة من أجل العراق، وإنما لموضوع أوسع من العراق إسمه داعش، يحتل ثلثي مساحة بلدين، وينتقل مثل السرطان في بلدان أخرى في الشرق الاوسط وينفذ عمليات في فرنسا وغيرها.
لقد تركت أميركا العراق بيد إيران، وقد تشاغبها وتزعجها أحياناً في العراق، ولكن ليس من أجل العراق، وانما لتحريك بيدق على رقعة شطرنج كبيرة بينها وإيران على مساحة الشرق الاوسط وتعقيدات الملف النووي وغير ذلك.
.
اتصال هاتفي واحد من بومبيو وزير الخارجية الاميركي لعبد المهدي أجبره على فتح الانترنت [على الرغم من بقاء مواقع التواصل تحت طائلة الحجب ولا تفتح إلا ببرامج البروكسي] وأجبره على اطلاق سراح عدد من الناشطين. أميركا مؤثرة جداً، وهي تمسك عملياً بسماء العراق، وقادرة على انزال عقوبات دولية ضد العراق، لكنها ربما ترضى بتفاوض جديد من إيران "على رقعة الشطرنج ذاتها"، تكسب من خلالها شيئاً في الملف النووي مقابل ترك اليد الايرانية حرّة في العراق، أو غير ذلك.
بالمحصلة إن بوصلة العراق يمكن أن تلتقي جزئياً مع إيران أو أميركا أو أي دولة أخرى في العالم، ولكنها لا يمكن أن تتطابق مع أي منهم أبداً.
الخلاص من السيطرة الايرانية ضرورة اقتصادية وأمنية وسيادية للعراق، قبل أن تكون مجرد شعارات، أو شتائم يبتهج لها الطائفيون والبعثيون، أو الكارهون لإيران لأنها إيران فحسب.
تصحيح العلاقة مع إيران واعادتها الى مستوى العلاقات الثنائية الغنية التي تحترم سيادة البلدين هو أمر حيوي بالنسبة للعراق، بالبناء على الكم الكبير من المشتركات بين البلدين، وهو أمر ينطبق على كل البلدان المجاورة للعراق، وكذلك بقية دول العالم.
وهذه مهمّة يقوم بها العراقيون بالدرجة الأساس، وإن صدّقوا أن الاميركان أو غيرهم سيقومون بها نيابةُ عنهم فهم واهمون.

 

شوهد المقال 214 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

العياشي عنصر ـ الدور الحاسم للنخب

د. العياشي عنصر  بمناسبة الوضع الذي وصلت اليه البلاد بعد ثورة سلمية دامت عشرة اشهر كاملة ، اود هنا التذكير بأهمية ودور النخب في
image

المرصد الأورمتوسطي لحقوق الإنسان : الانتخابات ليست عملية صورية ولا ينبغي للسلطات الحاكمة فرض إرادتها على الجزائريين

جنيف- قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان إنّ إجراء الانتخابات الرئاسية الجزائرية في أجواء غير توافقية، وإعلان نتائجها اليوم، لن يرسّخ العملية الديمقراطية، وسيفضي إلى مزيد من
image

نجيب بلحيمر ـ وكأن شيئا لم يكن

نجيب بلحيمر   خرج الجزائريون إلى الشارع في الجمعة الثالثة والأربعين من ثورتهم السلمية أكثر تصميما على تعرية نظام الفساد والاستبداد الذي يريد أن
image

حارث حسن ـ الجدل حول الإنتخابات والنظام الإنتخابي العراقي

د. حارث حسن لنحاول الآن التركيز ونترك صراع السرديات لأصحابه... فيما يخص الجدل حول الانتخابات والنظام الانتخابي، من المهم توضيح أمرين:  الأول، يفترض بالنظام الانتخابي
image

العربي فرحاتي ـ الأداء السيء ..والتبرير ب "الحمد لله"

 د. العربي فرحاتي  لا نوفمبريون ولا باديسيون ولا حتى عروبيون ولاهم دعاة السلاطين ولا وهم من وعاظهم ..كما كنا نعتقدهم ونسميهم...هم شلة من الجبناء وضعفاء النفس
image

أحمد سعداوي ـ الدولة المستقيلة أمام العقل الميليشياوي

 أحمد سعداوي  على المتظاهرين والمدنيين بشكل عام التعاون مع الأجهزة الأمنية لالقاء القبض على الجناة، لا أن يتحول المتظاهرون الى جهاز أمني، نطالبه بتسليم
image

سعيد لوصيف ـ ارحلوا واتركوا الزهور تتفتح...

د. سعيد لوصيف   قد يبدو للملاحظ أنّ التزام شباب لم يتجاوزوا في اغلبهم سن الثلاثين و وضعيتهم بأنّهم ترباو و ربّاتهم الميزيرية ،
image

حكيمة صبايحي ـ في الجزائر النظام يريد اسقاط الشعب

 د. حكيمة صبايحي    لعلكم سمعتم بشعوب كثيرة تقول: الشعب يريد إسقاط النظام، في مصر في سوريا في تونس وفي بلدان أخرى كثيرة، بالنسبة إلينا في
image

حدد دريس ـ إنتخابات 12/12 و ما بعدها..

حدد دريس   إنتخابات 12/12 و ما سبقها من مقدمات و تمهيدات .. في رأيي الخاص - و بالوجوه التي أفرزتها - هي إعادة
image

حمزة حداد ـ دزاير ستنتصر

 حمزة حداد   عندما توفي ثلاث أشخاص في غيلزان بوادي رهيو تسبب ذلك في اندلاع اشتباكات ليلية عنيفة بين الشرطة وسكان المنطقة حينها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats